أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، أمس الاثنين، قرارا يقضي بتحديد ساعات الدوام الرسمي اليومي للجهات العامة ذات الطابع الإداري لتكون من الساعة الثامنة صباحا وحتى الرابعة مساءً، اعتبارا من 1 ديسمبر/ كانون الأول 2026.
ونصّ القرار على أن الجهات العامة “ذات الطابع الاقتصادي التي تتطلب طبيعة عملها استمرار العمل فيها، تقوم بتحديد ساعات الدوام ومواعيد بدايته ونهايته وتنظيم الورديات وفقا لأنظمتها الخاصة وبما تقتضيه المصلحة العامة”.
وبموجب القرار الجديد، تصبح ساعات الدوام الرسمي في سوريا أطول بساعة في خطوة تباينت حولها الآراء بشأن جدواها وقابليتها للتطبيق وأثرها على الظروف المعيشية واليومية، وتساؤلات عن قدرتها في صناعة نقلة نوعية في كفاءة وجودة الخدمات العامة.
“أبعد من ساعات العمل “
ويرى خبير الاقتصاد والاستثمار الدولي، جلال بكار، أن المسألة أبعد من كونها “مجرد إضافة ساعات عمل أو تعديل أوقاتها، بل تعود في عمقها إلى تطبيق أنظمة اقتصادية وحوكمة جديدة تبدأ الجهات العامة وقطاع الخدمات في سوريا العمل بموجبها”.
وأوضح بكار في قراءته أن هذا القرار “حكيم جدا” وسيكون له أثر إيجابي على الخدمات التي تلامس المجتمع السوري بشكل مباشر، مضيفا أن المواطن “سيرى هذا الأثر بشكل مباشر ولحظي إذا أُرفق الملف بمسألة ضبط نوعية الخدمات ورفع كفاءتها”.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن التكامل الاقتصادي والخدمي يتطلب ركائز أساسية تشمل “منح العاملين الحرية ومساحة العمل ليكون الأداء إنتاجيا وخدميا في آن واحد، لا مجرد تقديم خدمات تقليدية”، إضافة إلى “ضرورة دراسة الحكومة لملف الحد الأدنى للأجور في القطاع العمومي بشكل عام”،
مرجحا أن تشهد الرواتب والأجور تعديلات إضافية في القطاع الحكومي عقب تعديل ساعات العمل.
واعتبر بكار أن الخطوة ستسهم في “معالجة الخلل الموروث من عهد النظام المخلوع، وخلق خدمات جديدة تقدم أفضل خدمة ممكنة للمواطنين السوريين بأقل تكلفة وسعر ممكنين”.
تباين في الشارع
في مقابل الرؤية التحليلية للقرار، شهد الشارع السوري موجة من التباين في ردود الفعل بين التشكيك في فاعلية التطبيق والاعتراض على تبعاته الاجتماعية والمعيشية.
فقد اعتبر موسى الكراد، الذي يعمل معقبا للمعاملات العقارية، أن تمديد ساعات الدوام دون فرض رقابة صارمة لمنع تسرب الموظفين وتغيبهم سيبقي القرار “حبرا على ورق”،
مشيرا إلى أن غياب الرقابة على مدى السنوات الماضية أدى إلى “تشكل ثقافة وظيفية تعتمد على تهرب الموظف وتعطيل شؤون المراجعين كسمة غالبة في القطاع العام”.
من جانبها، عبّرت فاطمة، وهي موظفة في مديرية تربية ريف دمشق، عن صعوبة التزام العاملين – ولا سيما الأمهات – بهذا القرار في ظل الظروف الحالية، متسائلة: “ما مصير الأطفال عقب عودتهم من المدارس عند غياب الأبوين حتى الرابعة عصرا”.
وأضافت الموظفة أن محاكاة أنظمة العمل في الدول الأخرى تتطلب أولا تطبيق “منظومات متكاملة للرواتب والضمان الصحي والرعاية الاجتماعية قبل الإقدام على تمديد ساعات العمل”.
في مقابل ذلك، اتسعت زوايا التباين في الشارع السوري لتطال الأبعاد اللوجستية والاقتصادية الجديدة، إذ حذر المهندس في القطاع الخدمي، سامر زين، في حديث مع “سوريا الآن” من أن القرار يُحمل الموظفين أعباء مالية إضافية تتمثل في “ارتفاع تكاليف المواصلات والضغط النفسي جراء الخروج في ذروة الازدحام المروري”،
مؤكدا أن الاستمرار دون حلول لنقل الموظفين قد “يدفع الكفاءات للهروب نحو القطاع الخاص”.
من جانبه اعتبر المهندس طارق زينو القرار خطوة لردم الفجوة الإدارية بين سوريا ودول العالم، إذ أشار في حديثه لـ “سوريا الآن” إلى تجربته الشخصية قائلا إن “فارق التوقيت بين سوريا ودول أوروبا في الشتاء تحديدا “يخلق عائقا كبيرا ويحرمهم من التنسيق والتواصل الفعال بسبب تداخل الساعات المتاحة للتواصل”.
وأكد طارق أن تمديد العمل للرابعة عصرا “ربما يمنح المغتربين مرونة أكبر لإتمام شؤونهم”، مشددا على أن النجاح الحقيقي للقرار يستلزم “استغلال الساعات الإضافية لتفعيل الأتمتة الرقمية وتسريع الخدمات، بدلا من الاكتفاء بالحضور الروتيني داخل المكاتب”.
الجزيرة
