أن ترفض الإدارة الأميركية الموافقة على تعيين سفير جديد لديها قد لا يعدّ، بحد ذاته، أزمة دبلوماسية، لكن أن يحصل أمر كهذا بين بلدين حليفين كفرنسا والولايات المتحدة، فإنه أمر يثير العجب ويؤشر، قطعاً، إلى وجود توتر عميق في علاقات البلدين الحليفين.
وما يضاعف العجب أن إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي، أراد أن يكرم نظره الأميركي، دونالد ترامب، بشكل خاص عقب انتهاء قمة مجموعة السبع التي عُقدت في مدينة إيفيان الفرنسية، بدعوته، من بين جميع رؤساء الدول والحكومات الذين حضروا القمة، إلى عشاء خاص في قصر فرساي التاريخي؛ وهو ما أثار إعجاب سيد البيت الأبيض وتقديره.
لكن يبدو أن تكريم ترامب لا يشكل ضمانة لتسير الأمور بسلاسة بين باريس وواشنطن.
وجاء التعبير عن الاستياء الأميركي من خلال مماطلة وتأجيل وزارة الخارجية الأميركية في الإعلان عن موافقتها على تعيين أورليان لوشوفاليه، مدير مكتب وزير الخارجية جان نويل بارو، سفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة.
ويعدّ هذا المركز من أهم المناصب الدبلوماسية في الخارجية الفرنسية، وسبق للأخير أن عمل في الولايات المتحدة قبل 18 عاماً، مستشاراً سياسياً لسفارة بلاده في واشنطن ولاحقاً مدير مكتب السفير بيار فيمان هناك.
ومع وصول الرئيس ماكرون إلى قصر الإليزيه، عيَّن لوشوفاليه مستشاراً دبلوماسياً له لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي ويدير، منذ نهاية عام 2024، مكتب الوزير بارو، وهو منصب استراتيجي داخل الوزارة.
كانت صورة الرئيسين ماكرون وترمب، يداً بيد، يتجولان منفردين في «قاعة المرايا» في قصر لويس الرابع عشر ماثلة في الأذهان وقبلها الوئام الذي هيمن على أعمال مجموعة السبع الناجحة بكل المقاييس.
لكن الصورة انقلبت عندما عُلم في باريس أن واشنطن «تماطل» في قبول تعيين لوشوفاليه المفترض أن يلتحق بمنصبه الجديد الشهر المقبل بحيث يحل محل السفير لوران بيلي الذي يشغله منذ عام 2023.
وكتبت صحيفة «لو فيغارو» في عددها، الأربعاء، أن واشنطن «ترفض» منح موافقتها على تعيينه. ونقلت الصحيفة عن مسؤول دبلوماسي أميركي قوله: «إن الولايات المتحدة تشعر بخيبة أمل كبيرة إزاء الخطاب الفرنسي غير المسؤول وغير المحترم. ونحن نرد بشكل مناسب على تصريحاتهم».
وكان الأحرى به أن يقول «على تصريح محدد» صدر عن البعثة الفرنسية الدائمة لدى الأمم المتحدة بمناسبة رفض واشنطن التجديد لولاية النمساوي فولكر تورك في منصب المفوض السامي لحقوق الإنسان بمناسبة انعقاد الجمعية العامة 24 يوليو (تموز) الماضي.
وجاء في التغريدة المذكورة على منصة «إكس» أن الولايات المتحدة «كانت يوماً ما منارةً لحقوق الإنسان. ولكن لم يعد الأمر كذلك اليوم. فهي تقف الآن إلى جانب كوريا الشمالية ونيكاراغوا ومالي وروسيا، معزولةً. ولم يعد العالم يصغي إليها».
وبالفعل، رفضت واشنطن التصويت لصالح التجديد لـفولكر إلى جانب الدول المذكورة في التغريدة الفرنسية. ورغم الضغوط التي مارستها واشنطن، فقد مدد انتداب المفوض السامي أربع سنوات.
لم يتأخر المندوب الأميركي في الرد على الانتقادات الفرنسية بعنف بالغ. فمن جهة، غادر الوفد الأميركي مقاعده عندما بدأ المندوب الفرنسي في اجتماع الجمعية العامة بإلقاء خطابه.
ومن جهة ثانية، هاجم مايك والتز، مستشار الأمن القومي السابق للرئيس ترمب فرنسا وفولكر معاً قائلاً: «لقد صوتت فرنسا لصالح شخص لم يتوقف عن إلقاء الدروس على الديمقراطيات الحرة وذات السيادة، مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل، في حين أبدى تساهلاً مع أسوأ الأنظمة القمعية في العالم».
وقد فشلت واشنطن في الحؤول دون تمديد انتداب فولكر رغم التهديد بتقليص المساهمة الأميركية المالية في ميزانية المنظمة الدولية. وليس سراً أن فولكر لا يتردد في انتقاد السياسات الأميركية والإسرائيلية، خصوصاً ممارسات إسرائيل في غزة والضفة الغربية. كذلك، انتقد الإجراءات الداخلية الأميركية كقرار تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية.
وعمد ترمب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، إلى خروج بلاده من منظمة «يونيسكو» للثقافة والتربية والعلوم ومن منظمات دولية أخرى.
كما أن إدارته حاربت المحكمة الجنائية الدولية ورئيسها كريم خان الذي اضطر إلى الاستقالة مؤخراً بسبب القرارات التي أصدرها بمثول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه ورئيس أركان جيشه أمام المحكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وفي الأشهر الأخيرة، فرضت واشنطن عقوبات على القضاة الذين أصدروا قرارات المحكمة المذكورة.
ليس مسألة الموافقة على تعيين سفير بحجم الخلافات والأزمات التي عرفتها العلاقات الفرنسية – الأميركية كالأزمة التي اندلعت بينهما بسبب حرب الخليج الثانية ووقوف فرنسا ضدها.
وفي الماضي القريب جداً، وقفت باريس بوجه رغبة ترمب في السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، ولم تتردد في إرسال مجموعة عسكرية لمناورات في محيط الجزيرة مع مجموعات أوروبية أخرى لإفهام الطرف الأميركي أن الأوروبيين عازمون رمزياً على الوقوف بوجه اجتياحها.
كذلك، فإن باريس، رغم الرفض الإسرائيلي والأميركي، سارت حتى النهاية بمبادرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، كما انتقدت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران.
وكل ذلك يدل على أن العلاقات بين باريس وواشنطن ليست دوماً سهلة وانسيابية. وتتهم باريس، منذ زمن الجنرال ديغول بصعوبة المراس في علاقاتها المضطربة مع واشنطن.
ورغم الجهود الحثيثة التي بذلها ماكرون لكسب ود ترامب وإقامة علاقة شخصية معه، فإن الأخير لم يتردد أكثر من مرة في توجيه سهامه لساكن قصر الإليزيه. لكنها المرة الأولى في تاريخ البلدين، حيث «ترفض» العاصمة الأميركية الموافقة على تعيين سفير فرنسي جديد مقرب من ماكرون كونه كان زميلاً للرئيس الفرنسي في «معهد الإدارة الوطني».
يبدو أن باريس لا تريد أن تتحول هذه القصة مادةً جدلية بينها وبين واشنطن. فحتى اليوم، لم يصدر أي تصريح رسمي بشأنها. ولم تحصل «الشرق الأوسط» على تعليق من وزارة الخارجية بهذا الخصوص؛ إذ بقي طلبها من غير رد.
وتفيد تقارير متوافرة في باريس بأن جهوداً تُبذل مع واشنطن، بعيداً عن الإعلام، لتيسير الأمور ومنعها من التفاعل؛ لأن لا مصلحة لأي طرف في أن تأخذ منحى تصعيدياً.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن السفير الأميركي في باريس ليس سوى شارل كوشنير، والد جاريد كوشنير، صهر الرئيس ترمب ومبعوثه إلى ملفي إيران وأوكرانيا.
الشرق الأوسط
