ماكرون أول رئيس غربي يزور دمشق

منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وتسلُّم أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، زمام الأمور في سوريا، كانت باريس سباقة في الانفتاح عليه.

وبرزت هذه السياسة من خلال ثلاث خطوات: الأولى، دعوة الاتحاد الأوروبي إلى رفع العقوبات التي كانت مفروضة على النظام السابق، وهو ما حصل بالتدرج. والثانية، الدعوة إلى مؤتمر اقتصادي استضافته باريس في 13 فبراير (شباط) 2025،

أي بعد أسابيع قليلة على سقوط الأسد، لدعم سوريا، ونتجت عنه «خريطة طريق» سياسية واقتصادية واجتماعية، ومجموعة من التوصيات الخاصة بالحوكمة الرشيدة، وحماية الأقليات، والدعوة لنظام يتسع للجميع.

أما الخطوة الثالثة، فهي دعوة الشرع لزيارة باريس، وقد تمت في 7 مايو (أيار)، وكانت باريس أول عاصمة غربية تفتح أبوابها أمام الرئيس الشرع. وكان من نتائجها تشجيع العواصم الأوروبية على الاقتداء بها.

كذلك، تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، كان أول وزير غربي يزور دمشق صحبة نظيرته الألمانية أنالينا بيربوك يوم 3 يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.

وبهذه المناسبة، أعيد فتح السفارة الفرنسية في دمشق «نظرياً»، باعتبار أن طاقمها ما زال يعمل من بيروت بانتظار انتهاء أعمال الترميم.

ما سبق يعكس رغبة ماكرون في أن يكون «سبَّاقاً» في الانفتاح على النظام السوري الجديد، وهو يسعى -كما يقول سفير فرنسي سابق في المنطقة- «للتأثير عليه واحتوائه، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار البلاد.

وذلك أيضاً بسبب العلاقات الخاصة لباريس مع الأكراد و(قوات سوريا الديمقراطية) تحديداً، فضلاً عن اهتمامها بملف العلاقات السورية- اللبنانية؛ حيث ترى أنها قادرة على تسهيل التواصل بين دمشق وبيروت، وحثهما على تسوية ملف الحدود المشتركة».

ويضيف السفير السابق أن باريس دفعت وسَعت إلى «مواكبة عملية انتقال سياسي سلمي وشامل».

ولم تتردد في التنديد بما جرى من أحداث أمنية خطيرة متنقلة من الشاطئ السوري إلى شمال شرقي البلاد وجنوبها، مطالبة بملاحقة المسؤولين ومحاكمتهم. إلا أن مصادرها كانت تعتبر أن «الأمور تسير -بشكل عام- في الاتجاه الصحيح».

ومنذ أسابيع، تتداول الأوساط الدبلوماسية والإعلامية خبر زيارة يقوم بها الرئيس ماكرون إلى سوريا، تُعد الأولى من نوعها لرئيس غربي إلى دمشق.

وتعود آخر زيارة لرئيس فرنسي إلى سوريا إلى عام 2009، عندما قام الرئيس نيكولا ساركوزي وقتها بزيارة رسمية إلى دمشق يومي 3 و4 سبتمبر (أيلول)، وجاءت في إطار إعادة إطلاق العلاقات الفرنسية السورية، وعقب استقبال الرئيس الأسد في باريس في شهر يوليو (تموز) من العام نفسه.

ومن بين الزيارات اللافتة كانت تلك التي قامت بها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى دمشق، في يناير من العام الجاري، وتلتها بعد ثلاثة أشهر زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

قلق أمني

ليس معلوماً ما إذا كانت زيارة ماكرون ستحصل قبل قمة الحلف الأطلسي في أنقرة يومي 7و 8 يوليو الجاري أم بعدها.

وسبق لـ«الشرق الأوسط» أن سألت مصدراً رسمياً فرنسياً عن هذا الأمر، فكان جوابه أن «التاريخين ممكنان»، ولكن أخيراً تم اختيار حصولها قبل القمة الأطلسية.

اللافت في موضوع الزيارة أمران: الأول، أن أي إعلان رسمي بخصوصها لم يكن قد صدر حتى عصر الأحد عن قصر الإليزيه، وذلك على غير عادته.

وتحاشت مصادره، في الأيام الأخيرة، الحديث عن الزيارة. والثاني أن جان نويل بارو اتصل مساء السبت بنظيره السوري أسعد الشيباني، ولم يُعرف شيء من مصدر رسمي عن محتوى الاتصال.

وتقدِّر أوساط فرنسية أن الدوافع الأمنية تعد السبب الرئيسي لـ«التستر» حول الزيارة، ربطاً بالتفجير الكبير الذي حصل في قلب دمشق الخميس الماضي، وأودى بحياة 10 محامين، كما أوقع ما لا يقل عن 20 جريحاً. ويعد التفجير الأخير الأكبر الذي شهدته العاصمة السورية منذ أشهر.

ورغم ندرة المعلومات الرسمية من الجانب الفرنسي عن أهداف وبرنامج الزيارة، فمن الواضح أنها تتم في مرحلة بالغة الأهمية بالنسبة لسوريا، سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً واقتصادياً.

والمرتقب أن يرافق الرئيس ماكرون وفد كبير يتشكل من مجموعة من الوزراء، على رأسه وزير الخارجية ومجموعة من رجال الأعمال.

وتثير سوريا اهتماماً ملحوظاً من قبل الذين يراهنون على انفتاح سوري على الخارج، وعلى العلاقات الجيدة بين باريس ودمشق، ما من شأنه أن يساعد الشركات الفرنسية لتكون حاضرة في مسار إعادة الإعمار في سوريا.

وبالنظر للدعم السياسي الذي وفرته باريس للنظام الجديد الذي يذكِّر بالدور الذي حاول جاك شيراك (الرئيس الأسبق) أن يلعبه مع بشار الأسد مباشرة عقب توليه السلطة في دمشق، فإن باريس تراهن على قدرتها على تعزيز موقعها الدبلوماسي والسياسي والاقتصادي على الخريطة السورية.

وجاءت قمة الأطلسي يومَي الثلاثاء والأربعاء لتوفر للرئيس ماكرون فرصة زيارة سريعة لسوريا ستساهم بالدرجة الأولى في دفع علاقات البلدين قدماً، وتوثيق التشاور بينهما بخصوص العلاقات الإقليمية،

ومواصلة محاربة الإرهاب، واستكشاف فرص التعاون بينهما في كافة القطاعات؛ حيث تريد باريس أن تتمكن من مواكبة الطرف السوري، كما فعلت منذ وصول النظام الجديد إلى السلطة.

الشرق الأوسط

Exit mobile version