محليات

المنشآت الطبية في حماة.. حجم الأضرار وأولويات التعافي

تشكل المنشآت الطبية في محافظة حماة إحدى الركائز الأساسية لضمان حصول السكان على الخدمات الصحية،

إلا أن الأضرار التي لحقت بهذا القطاع خلال السنوات الماضية جراء الحرب التي شنها النظام المخلوع تركت آثاراً مباشرة على قدرة الأهالي في الوصول إلى الرعاية الطبية، وزادت الضغوط على المنشآت العاملة والكوادر الصحية.

وأظهرت نتائج تقييم أضرار المنشآت الطبية في محافظة حماة، الصادرة عن مديرية التخطيط والإحصاء في وزارة الإدارة المحلية والبيئة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat)، تضرر 18 مستوصفاً من أصل 170 مستوصفاً بين دمار كلي وشديد بنسبة 10.6 بالمئة،

إلى جانب تسجيل أضرار متوسطة وخفيفة في 30 منشأة، فيما سجلت المسوحات تضرر 6 مستشفيات كلياً وجزئياً بنسبة 19.4 بالمئة، إضافة إلى أضرار خفيفة في مستشفى واحد.

وتنعكس هذه الأضرار بشكل مباشر على السكان، ولا سيما في المناطق التي فقدت جزءاً من خدماتها الصحية الأساسية، حيث يضطر المرضى إلى قطع مسافات أطول للوصول إلى مراكز العلاج، بينما تواجه الفئات الأكثر هشاشة، صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية اللازمة في الوقت المناسب.

كما يسهم تراجع جاهزية بعض المنشآت الصحية في زيادة الضغط على الكوادر الطبية المتاحة، ويؤثر في سرعة الاستجابة للحالات الإسعافية والخدمات الوقائية والعلاجية.

دعم مسارات التعافي المبكر

وفي هذا السياق، بين مدير العلاقات العامة في وزارة الإدارة المحلية والبيئة علي الحمد، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن نتائج تقييم أضرار المنشآت الطبية توفر مؤشرات موثقة حول حجم الأضرار التي أصابت القطاع الصحي، وتسهم في تحديد أولويات التدخل وإعادة التأهيل، وتوجيه الموارد نحو المناطق والقطاعات الأكثر احتياجاً، بما يدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وفي معرض حديثه عن الهدف من نشر نتائج تقييم الأضرار في القطاع الطبي بمحافظة حماة، أشار الحمد إلى أن ذلك يأتي انطلاقاً من الالتزام بمبدأ الشفافية وحق المجتمع في المعرفة، عبر توفير صورة موضوعية ودقيقة عن حجم الدمار الذي لحق بالبنية التحتية الصحية، بما يمكّن صانعي القرار من التخطيط استناداً إلى بيانات موثقة.

وأضاف أن هذه النتائج تسهم في تهيئة بيئة مناسبة لاستقطاب الدعم الدولي والتمويل اللازم لإعادة الإعمار، إذ تعتمد المنظمات الدولية والدول المانحة على وثائق تقييم شفافة وموثوقة قبل الالتزام بأي برامج دعم، كما تعزز ثقة المواطنين بوجود جهود جدية لمعالجة آثار الأضرار وإعادة تأهيل الخدمات.

كما أشار إلى أن نتائج التقييم تشكل مرجعاً أساسياً لإعداد خطط الإعمار، إذ تساعد على تصنيف المنشآت بحسب درجة الضرر لتحديد آليات التدخل المناسبة، وبناء قواعد بيانات جغرافية توضح توزع الأضرار،

بما يضمن توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر احتياجاً، إلى جانب ربط خطط التأهيل بأولويات الرعاية الصحية وشبكات الطوارئ، فضلاً عن اعتمادها مرجعاً لتقييم أثر المشاريع المنفذة مستقبلاً.

وحول الأولويات في إعادة تأهيل الخدمات الصحية، أكد الحمد أن الوزارة تنطلق من معيار الأثر على حياة أكبر عدد من السكان، لذلك تضع في مقدمة أولوياتها إعادة تأهيل مراكز الرعاية الصحية الأولية،

باعتبارها الحلقة الأولى في تلبية الاحتياجات الصحية اليومية، إضافة إلى استعادة خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية، وتأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي المرتبطة بالمنشآت الطبية.

وأشار إلى أهمية تحقيق توزيع جغرافي عادل للمشروعات، ولا سيما في الأرياف والمناطق النائية التي تعاني هشاشة في الخدمات، إلى جانب الاهتمام بالكوادر الطبية، لأن إعادة تأهيل الأبنية وحدها لا تحقق التعافي الكامل دون توفير الكفاءات اللازمة لتشغيلها.

انعكاسات مباشرة على السكان

وحول تأثير الدمار على السكان وإمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية، نوه الحمد بأن الأضرار المادية تتحول مباشرة إلى معاناة إنسانية، إذ يؤدي غياب المرافق الصحية إلى تراجع معدلات التغطية باللقاحات، وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والرضع، وانخفاض القدرة على مكافحة الأمراض والأوبئة.

وأضاف أن الأسر تضطر إلى تحمل أعباء إضافية نتيجة قطع مسافات طويلة للحصول على الرعاية الطبية، بينما تواجه فئات كبار السن وذوي الإعاقة والمصابين بالأمراض المزمنة ظروفاً أكثر صعوبة في الحصول على الخدمات الصحية.

وأشار إلى أن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى تراكم الأمراض غير المعالجة وتراجع الصحة النفسية للسكان، وما يرافق ذلك من آثار سلبية على قدرة المجتمع على التعافي، مؤكداً أن استعادة المنظومة الصحية تعد أحد الشروط الأساسية لإنجاح جهود إعادة الإعمار وتحقيق التنمية المستدامة.

منهجية موحدة لتقييم الأضرار

وفيما يتعلق بآليات إحصاء الأضرار والشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، أوضح الحمد أن هذه الشراكة تمثل نموذجاً للتعاون بين الجهات الوطنية والمنظومة الأممية،

وتعتمد على توحيد منهجية التقييم وفق معايير دولية، من بينها منهجية تقييم الأضرار والاحتياجات بعد الكوارث (PDNA)، بما يضمن موثوقية النتائج وإمكانية الاستفادة منها في إعداد الخطط المستقبلية.

وأضاف أن العمل يشمل تدريب الفرق الميدانية على أدوات الرصد والتوثيق، ودمج البيانات الميدانية مع صور الأقمار الصناعية للتحقق من التقييمات وتوسيع نطاقها، فضلاً عن التنسيق مع المجالس المحلية لضمان شمول عمليات الرصد مختلف المناطق، بما فيها المناطق التي يصعب الوصول إليها.

الريف الأكثر تأثراً بتراجع الخدمات

من جهته، بين مدير دائرة الرعاية الصحية الأولية في مديرية صحة حماة الدكتور بشار البكور، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن تضرر المستوصفات والمستشفيات انعكس على قدرة السكان في الحصول على الرعاية الصحية،

إذ أدى خروج عدد من المراكز الصحية عن الخدمة إلى انخفاض أعداد المستفيدين نتيجة بُعد المنشآت العاملة وصعوبة الوصول إليها.

وأوضح أن تراجع الخدمات الصحية أسهم في زيادة انتشار الأمراض والأوبئة، وارتفاع أعداد المصابين بالأمراض المزمنة الذين لا يحصلون على الرعاية اللازمة،

كما شهدت برامج التطعيم انخفاضاً في أعداد الملقحين وارتفاع نسب التسرب من اللقاحات، إلى جانب تراجع حجم الخدمات الصحية المقدمة للأهالي.

وأضاف أن تضرر المراكز الصحية في المناطق الريفية كان أشد تأثيراً مقارنة بالمدن، نتيجة غياب المستشفيات الوطنية فيها، الأمر الذي انعكس على ارتفاع حالات الوفاة بين حديثي الولادة والأطفال المصابين بحالات إنتانية حادة.

وبالنسبة للمخاطر الصحية الناجمة عن الضغط على المنشآت الصحية المتبقية، أوضح البكور أن تضرر المراكز الصحية أدى إلى زيادة أعداد المراجعين في ظل نقص الكوادر الطبية، ما رفع الضغط على المنشآت العاملة وأضعف قدرتها على تقديم الخدمات بالشكل المطلوب، وأسهم في زيادة حالات الوفاة والإصابة بالأمراض الإنتانية الحادة.

وأشار إلى أن غياب المراكز الصحية في عدد من القرى والأحياء يفرض أعباء اقتصادية إضافية على الأهالي، نتيجة اضطرارهم إلى التنقل نحو المدن للحصول على الخدمات الصحية الأساسية.

مؤشرات على حجم الدمار الخدمي

يذكر أن وزارة الإدارة المحلية والبيئة أصدرت في 16 حزيران الجاري نتائج تقييم أضرار عدد من القطاعات الخدمية في محافظة حماة، من بينها الأفران والمدارس ودور العبادة، حيث أظهرت الإحصاءات خروج 36 فرناً عن الخدمة بين مدمر كلي وشديد التضرر من أصل 216 فرناً بنسبة 16.6 بالمئة.

كما بينت نتائج التقييم في قطاع التعليم تضرر 288 مدرسة من أصل 1597 مدرسة بنسبة 18 بالمئة بين دمار كلي وشديد، إضافة إلى تسجيل أضرار متوسطة وخفيفة في 367 مدرسة بنسبة قاربت 23 بالمئة.

وفي قطاع دور العبادة، وثقت المسوحات تضرر 184 مسجداً بين مهدم أو شديد التدمير بنسبة 20.8 بالمئة من إجمالي 883 مسجداً، فيما سجلت أضرار متوسطة وخفيفة في 181 مسجداً بنسبة 20.5 بالمئة، إضافة إلى تهدم كنيسة واحدة من أصل 30 كنيسة في المحافظة،

بما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الخدمية في المحافظة، والحاجة إلى خطط متكاملة لإعادة التأهيل واستعادة الخدمات الأساسية للسكان.

الثورة السورية – لينا شلهوب

Related Articles

Back to top button