محليات

بين الواقع المعيشي وحقوق المهنة.. هل ترفع نقابة الأطباء الكشفيات؟

تجاوزت كشفيات الأطباء في سوريا كونها تكلفة صحية اعتيادية، لتتحوّل إلى عبء معيشي يثقل كاهل السوريين، في ظلّ اتّساع الفجوة بين مستويات الدخل وتكاليف العلاج، وغياب ضوابط واضحة تحكم تفاوت الأسعار بين الأطباء والمشافي.

وفي هذا السياق، أثار مؤخراً تداول أنباء عن توصية من نقابة أطباء سوريا لوزارة الصحّة بشأن رفع كشفيات الأطباء وأجور المشافي الخاصة، حالة من القلق والارتباك، قبل أن توضّح النقابة أنّ الحديث لا يتعلّق برفع الكشفيات، وإنّما بإعداد تسعيرة موحّدة لضبط الفوضى الحالية.

ولا تبدو هذه المخاوف نظرية فقط، إنّما تتجسّد في حياة مواطنين كُثُر، إذ تشير السيدة سلام فاضل إلى أنّ زوجها مريض سكري وضغط ويحتاج مراجعة دورية، مؤكّدة أنّ أيّ زيادة في الكشفية تعني أنّها سيكون عليها الاختيار بين شراء الدواء أو دفع أجرة الطبيب.

وتضيف أنّ المشكلة لا تكمن في زيارة طبيّة طارئة أو حالة إسعافية، بل في المتابعة الدورية للأمراض المزمنة، وهي الحالات الأكثر انتشاراً بين المواطنين، والتي تشكّل عبئاً مستمراً على ميزانيات الأسر.

أما سناء غانم، التي تحتاج إلى مراجعة ثلاثة أطباء اختصاصيين شهرياً، فتقول إنّها كانت تدفع قرابة 240 ألف ليرة سورية، مضيفة أنّها تخشى أن تقفز الفاتورة – كما يشاع- إلى حدود المليون ليرة في حال إقرار أي زيادات جديدة، وهو رقم يعادل تقريباً كامل راتب زوجها الموظف.

بدوره، يعبّر الشاب أحمد الشمالي عن قلقه من ارتفاع التكاليف الطبية، قائلاً: “الأسعار ترتفع في كلّ شيء، لكن الصحّة لا يجب أن تعامل كبضاعة، الكشفية صارت عبئاً حقيقياً حتى على من يعمل”.

ويشير مواطنون آخرون إلى أنّ هذا الواقع يدفع كثيرين إلى تأجيل الزيارة الطبية، أو اللجوء إلى وصفات عشوائية عبر الإنترنت أو الصيدليات، ما يؤدي في النهاية إلى تفاقم الحالات المرضية، وزيادة الضغط على المشافي الحكومية والمراكز الصحية، التي تشهد ازدحاماً متزايداً.

توضيح النقابة

في هذا السياق، نفى رئيس نقابة أطباء سوريا الدكتور مالك العطوي وجود أيّ نقاش حالي حول رفع الكشفيات، مؤكّداً أنّ ما جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي لا يعكس حقيقة موقف النقابة، وأنّ الحديث ينصبّ على إعداد تسعيرة موحدة تهدف إلى تنظيم التفاوت الكبير القائم حالياً بين الأطباء.

وأوضح العطوي في تصريح لـ”الثورة السورية” أنّ أيّ تسعيرة مستقبلية يجب أن تراعي معيارين أساسيين: “أولاً، خبرة الطبيب واختصاصه، سواء كان طبيباً اختصاصياً أو حاصلاً على اختصاص فرعي نوعي، وثانياً، موقع العيادة أو المشفى، مع التفريق بين المدينة والريف، وبين المشافي بحسب جودة الخدمات المقدّمة وتصنيفها”.

وأشار إلى أنّ الكشفيات الحالية تتراوح بين 50 ألفاً و250 ألف ليرة، وقد تصل في بعض الحالات إلى 500 ألف ليرة، تبعاً لخبرة الطبيب ونوعية الخدمات والأدوات المستخدمة في التشخيص، إضافة إلى مستوى الطلب والازدحام على العيادة.

وبيّن العطوي أنّ المشافي الخاصة تخضع لتسعيرات معتمدة من وزارة الصحة بناءً على تصنيفها ووحداتها الطبية، في حين يقتصر دور النقابة الرقابي على الأطباء أنفسهم، وليس على إدارات المشافي،

لافتاً إلى وجود تفاوت ملحوظ في أسعار العمليات الجراحية بين مشفى وآخر. وأكّد أنّ النقابة تقف على مسافة واحدة من جميع الأطباء، وأنّ هدفها الأساسي من تنظيم الكشفيات هو رفع جودة الخدمة الطبية، ومنع الفوضى السعرية التي تضرّ بالمريض والطبيب على حدّ سواء.

التأمين الصحّيّ كحلّ مطروح

أشار العطوي إلى معاناة أصحاب الدخل المحدود، معتبراً أنّ الحلّ الجذري لا يكمن فقط في ضبط الكشفيات، بل في توسيع مظلّة التأمين الصحي وتحسين الخدمات في المشافي العامة والمراكز الصحية الحكومية، التي تستقبل النسبة الأكبر من المواطنين.

وكشف عن خطّة متعدّدة المراحل بالتعاون مع وزارة الصحة، تبدأ بتأمين جميع الموظفين الحكوميين صحياً كخطوة أولى، تمهيداً لتوسيع التغطية لاحقاً لتشمل شرائح أوسع من المجتمع.

وأوضح أنّ إحدى أبرز المشكلات التي واجهت برنامج التأمين الصحي سابقاً كانت تتعلّق بآليات الدفع والسيولة النقدية، ما أدّى إلى امتناع كثير من مقدّمي الخدمات عن استقبال المرضى المشمولين بالتأمين، سواء من الأطباء أو المخابر أو الصيادلة.

وأشار إلى أنّ هذا العائق المالي بدأ بالمعالجة اعتباراً من 7 أيار 2025، عبر تطبيق آلية جديدة تتيح تسديد المستحقّات البنكية بسلاسة، وهو ما من المتوقّع أن يساهم في إعادة تفعيل البرنامج الصحي بشكل أوسع.

هجرة الأطباء وتوازن المصالح

ولفت رئيس النقابة إلى أنّ تنظيم الكشفيات لا يهدف فقط إلى حماية المريض، بل يأتي أيضاً في إطار السعي للحدّ من هجرة الكوادر الطبية خارج البلاد، مؤكّداً أنّ الدفاع عن الحقوق المادية والمعنوية للأطباء ضروري للحفاظ على الخبرات داخل سوريا.

واعتبر العطوي أنّ الخدمات الطبيّة الخاصة في سوريا لا تزال من الأرخص على مستوى المنطقة، مستشهداً بتوافد مرضى من دول مجاورة مثل لبنان والأردن والعراق، إضافة إلى المغتربين خلال فصل الصيف.

وفي الوقت نفسه، فرّق العطوي بين مسؤوليات الحكومة والنقابة، موضّحاً أنّ الحكومة هي الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمة الطبية المجانية، في حين يتركّز دور النقابة على تنظيم المهنة وتحسين جودة الخدمة الطبية، سواء في القطّاع العام أو الخاص.

وبينما تتقاطع مخاوف المواطنين مع مطالب الأطباء في نقطة واحدة هي ضيق الواقع الاقتصادي، تبدو قضية الكشفيات الطبية مرآة لأزمة أوسع في المنظومة الصحية، تتطلب حلولاً تتجاوز التسعيرة إلى سياسات شاملة في التأمين الصحي، وتطوير البنية التحتية للمشافي العامة، وضمان عدالة الوصول إلى العلاج.

وفي ظلّ هذا الواقع، يبقى تنظيم الكشفيات خطوة ضرورية، لكنّها غير كافية وحدها، ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق توازن بين حقّ المواطن في العلاج، وحقّ الطبيب في دخل يليق بمهنته، ضمن منظومة صحيّة أكثر استقراراً وعدالة.

الثورة السورية – عبد الحميد غانم

زر الذهاب إلى الأعلى