
توصلت الولايات المتحدة وإيران، في وقت مبكر من الاثنين، إلى اتفاق مبدئي لإنهاء الحرب التي بدأت في 28 فبراير، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتمديد وقف إطلاق النار الهش على مختلف الجبهات،
في اختراق دبلوماسي واسع لا تزال تفاصيله التنفيذية معلقة حتى التوقيع الرسمي المقرر الجمعة في سويسرا.
لكن الاتفاق، الذي أعلنته باكستان أولاً، واحتفى به الرئيس الأميركي دونالد ترمب باعتباره منجزاً مكتملاً، واجه سريعاً أول اختبار سياسي وميداني،
بعدما قالت إسرائيل إنها لن تنسحب من أراض سيطرت عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، رغم أن طهران ربطت التفاهم بوقف العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.
ولم تُنشر حتى الآن البنود الكاملة لمذكرة التفاهم، غير أن مسؤولين أميركيين وإيرانيين وباكستانيين قالوا إن الاتفاق يمهد لوقف دائم للعمليات العسكرية، ورفع الحصار البحري الأميركي عن إيران،
وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، على أن تُبحث القضايا الأصعب، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والأموال المجمدة، خلال مفاوضات فنية تمتد 60 يوماً.
إعلان باكستاني
أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران بعد «محادثات مكثفة»، مؤكداً أن الجانبين أعلنا «الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان».
وقال شريف، في منشور على منصة «إكس»، إن مراسم التوقيع الرسمية ستجري يوم الجمعة 19 يونيو في سويسرا، مضيفاً أن الوسطاء سيشرفون هذا الأسبوع على سلسلة اجتماعات تمهيدية «لوضع الأساس للمحادثات الفنية ومراسم التوقيع الرسمية».
ووجه شريف الشكر إلى الولايات المتحدة وإيران «لالتزامهما بإيجاد حل دبلوماسي للنزاع»، كما أشاد بالدور القطري في الوساطة، معرباً عن تقديره لما وصفه بـ«المساهمات الكبيرة» لكل من السعودية وتركيا في دعم جهود التوصل إلى الاتفاق.
وأشار رئيس الوزراء الباكستاني في منشوره إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ونائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي.
وجاء الإعلان بعد مغادرة وسطاء قطريين طهران عقب 17 ساعة من المفاوضات، وفق مسؤول مطلع على المحادثات. ومن المقرر أن تُعقد اجتماعات تحضيرية منفصلة مع كل طرف في الدوحة هذا الأسبوع، تمهيداً لتوقيع مذكرة التفاهم وبدء المحادثات الفنية.
ترامب و«هرمز»
وقال ترامب إنه سيتم يوم الجمعة إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الملاحي بلغ الأهمية لإمدادات الطاقة العالمية والذي أغلقته إيران فعليا لشهور، وإنه أمر بإنهاء الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.
وكتب ترمب على منصته «تروث سوشال» عند الساعة 5:30 مساء بتوقيت واشنطن الأحد: «الاتفاق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية اكتمل الآن. تهانينا للجميع».
وأضاف: «أفوض بموجب هذا فتح مضيق هرمز من دون رسوم، وأفوض في الوقت نفسه رفع الحصار البحري الأميركي فوراً». وختم منشوره بعبارة: «يا سفن العالم، شغلوا محركاتكم. دعوا النفط يتدفق!».
لكنه أوضح لاحقاً أن فتح المضيق لن يبدأ عملياً قبل التوقيع الرسمي الجمعة. ويمثل مضيق هرمز، الذي فرضت إيران حصاراً فعلياً عليه منذ أشهر، أحد أهم الممرات البحرية لإمدادات الطاقة العالمية، وقد تسبب تعطله في ارتفاع أسعار النفط والغاز والسلع المرتبطة بهما.
وفي مقابلات متعددة، قال ترمب إن الاتفاق يتضمن تعهد إيران بعدم امتلاك سلاح نووي، وإعادة فتح مضيق هرمز فوراً، لكنه أشار إلى أن إخراج المواد النووية من إيران لا يحتاج إلى استعجال فوري، وأن هذا الملف يمكن متابعته في مرحلة لاحقة.
وقال: «لاحقاً، عندما نكون مستعدين للتحرك، سنجمع ذلك الغبار النووي. أعتقد أنه لا توجد عجلة خلال الشهر أو الشهرين المقبلين»، واصفاً المسألة بأنها «غير مؤذية» في المدى القريب.
وأضاف أن واشنطن ستفرض عمليات تفتيش صارمة على إيران، من دون أن يقدم تفاصيل، موضحاً أن الولايات المتحدة لن تدفع أموالاً لإيران، لكن العقوبات «قد تُرفع»، وتابع: «سنرى كيف سيتصرفون».
ووصف ترمب الحصار البحري بأنه كان فعالاً و«أقوى من الهجمات العسكرية»، لكنه واجه ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتزايد الانقسام داخل قاعدته الجمهورية بشأن استمرار الحرب.
وبدأت الحرب في 28 فبراير بهجوم أميركي – إسرائيلي واسع على منشآت نووية وعسكرية إيرانية، قبل أن تتوسع إلى مواجهة إقليمية شملت الخليج العربي ولبنان وسوريا والعراق. وتبادل الطرفان ضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة،
وفرضت طهران حصاراً فعلياً على مضيق هرمز وردت واشنطن بحصار للموانئ الإيرانية. وأسفرت الحرب عن مقتل آلاف الأشخاص، معظمهم في إيران ولبنان، كما قُتل المرشد الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من قادة «الحرس الثوري» والمؤسسة العسكرية والأمنية.
وألحقت الضربات أضراراً بمنشآت نووية وعسكرية وبنى تحتية استراتيجية في إيران، فيما أدى إغلاق مضيق هرمز لأشهر إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار النفط والغاز والشحن، قبل أن تظهر مؤشرات التهدئة مع التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية.
وأوقف الطرفان الحرب في 7 أبريل، بعد 40 يوماً من اندلاعها، ثم أجريا محادثات بوساطة باكستانية في إسلام آباد في 11 أبريل سعياً إلى هدنة تهدف إلى إنهاء الحرب.
تحفظ إيراني
وأفاد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن نص مذكرة التفاهم أُنجز بشكل نهائي، وأن التوقيع الرسمي سيجري الجمعة في سويسرا، لكنه شدد على أن تنفيذ التزامات إيران سيبدأ فقط بعد التوقيع.
وقال غريب آبادي إن إنهاء الحصار البحري الأميركي ووقف الحرب والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك لبنان، سيبدآن فوراً، بينما تبدأ التزامات إيران وسائر البنود بعد التوقيع الرسمي.
وتابع أن مذكرة التفاهم «لا تعني الثقة بالعدو»، وأنها صيغت في ظل «انعدام ثقة كامل»، مشيراً إلى أن طهران ستراقب بدقة تنفيذ الولايات المتحدة لتعهداتها، وأن أي التزام تقبله إيران سيكون «متناسباً ومقابلاً ومتزامناً» مع التزامات الطرف الآخر.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد مفاوضات لمدة 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق نهائي، لكن انطلاقها مشروط بتنفيذ الالتزامات الأميركية الفورية، وتشمل رفع الحصار البحري، وإنهاء الحرب والعمليات العسكرية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة. وبعد التحقق من ذلك، تبدأ المفاوضات الفنية بين الجانبين.
وقال غريب آبادي إن المفاوضات المقبلة ستركز على رفع كامل للعقوبات الأميركية الأولية والثانوية، وإنهاء قرارات مجلس الأمن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والقيود الدولية الأخرى، والملف النووي، وآليات إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وإنشاء آلية لمراقبة تنفيذ التزامات الطرفين.
مكاسب طهران
قال غريب آبادي إن جميع المواقف والمطالب الأساسية لإيران أُدرجت في مسودة التفاهم، وإن الوفد الإيراني لم يوافق على إنهاء النص قبل إدراج «آخر الملاحظات والمطالب الإيرانية»، رغم أن مسؤولين أميركيين كانوا يتحدثون خلال الأيام الماضية عن انتهاء الصياغة.
وأضاف أن المفاوضات استمرت حتى نحو ساعة قبل إعلان الاتفاق، لضمان تضمين جميع المواقف الإيرانية. واعتبر أن طهران حققت «إنجازات سياسية وقانونية ودبلوماسية» كبيرة، قائلاً إن ما حصلت عليه إيران «لا يقارن بحجم الالتزامات التي قبلت بها».

وربط نائب وزير الخارجية الإيراني التفاهم بالتطورات العسكرية الأخيرة، قائلاً إن «القوة العسكرية الإيرانية، وجاهزية القوات المسلحة، والتحذيرات الحازمة خلال الساعات الأخيرة» ساعدت في دفع المفاوضات وتسهيل إدراج المطالب الإيرانية.
وأشار إلى أن الضغوط التي تعرضت لها إسرائيل والولايات المتحدة بعد الهجوم الإسرائيلي على بيروت، ورد «حزب الله»، وموقف ترمب المنتقد للهجمات الإسرائيلية، كلها عوامل ساعدت في استكمال النص.
وقال إن «العدو الذي دخل الحرب لتحقيق أهدافه فشل في جميع أهدافه»، وإن الطرف المقابل اضطر إلى قبول إنهاء الحرب نتيجة «صمود الشعب الإيراني، واقتدار القوات المسلحة، ومقاومة البلاد للضغوط والتهديدات».
في هذا السياق، قالت «عمليات هيئة الأركان المشتركة» الإيرانية، في بيان بعد إعلان انتهاء الحرب، إن القوات المسلحة الإيرانية و«جبهة المقاومة» تمكنت من فرض شروطها على الولايات المتحدة وإسرائيل. وأضافت، في بيان أن التطورات الأخيرة أظهرت، وفق تعبيرها، أن واشنطن وتل أبيب لم تجدا خياراً سوى القبول بإنهاء الحرب.
وعكس البيان مسعى إيرانياً لتقديم مذكرة التفاهم داخلياً باعتبارها ترجمة سياسية لمكاسب عسكرية تحققت خلال الحرب، وامتداداً لمسار تفاوضي ثبّت تلك المكاسب. وانسجم ذلك مع خطاب نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي، الذي ربط التفاهم بقدرات إيران العسكرية، وصمود الداخل، والضغوط التي تعرض لها الطرف المقابل خلال الأشهر الماضية.
فانس يحذر
وقال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن السلام في الشرق الأوسط سيستغرق وقتاً رغم التوصل إلى الاتفاق الجديد، مشيراً إلى استمرار التهديدات من «حزب الله»، ومحذراً من أن الجماعات المسلحة في المنطقة «لم تتعلم بعد كيف تصنع السلام».
وقال فانس في مقابلة مع «فوكس نيوز»: «هناك، بالطبع، منظمة حزب الله الإرهابية. ولا تزال بعض عناصر تلك المنظمة تهدد الإسرائيليين».
وأضاف: «هناك عدد من العناصر المختلفة التي تتحرك، وكما تعلمون، أحياناً يستغرق وقف إطلاق النار بعض الوقت حتى يترسخ». وتابع: «الناس هناك بارعون جداً في القتال ضد بعضهم بعضاً. لم يتعلموا بعد كيف يصنعون السلام».
وقال فانس إنه في ظل قيادة ترمب «فتحنا صفحة جديدة». وأضاف: «سنواصل العمل على ذلك. لن أقول إن الجميع سيغنون أغنية كومبايا غداً. سيستغرق الأمر بعض الوقت لتعلم طرق السلام. لكنني أعتقد أننا اتخذنا خطوة كبيرة جداً الليلة».
وقال فانس أيضاً إن البيت الأبيض لا يزال يحدد من سيحضر توقيع الاتفاق في سويسرا، مضيفاً: «أنا بالتأكيد أخطط لأن أكون هناك، لكن من الممكن أن يحضر الرئيس نفسه».
يمنح الاتفاق الولايات المتحدة وإيران 60 يوماً لحسم القضايا العالقة، وفي مقدمها مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب وبرنامجها النووي. ويعد هذا الملف الأكثر تعقيداً، إذ استغرق سنوات قبل التوصل إلى اتفاق 2015 بين طهران والقوى العالمية، وهو الاتفاق الذي انسحب منه ترمب لاحقاً خلال ولايته الأولى.
وكان مسؤول أميركي قال، قبل إعلان الاتفاق، إن التفاهم سيؤدي في النهاية إلى تفكيك البرنامج النووي الإيراني وتدمير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب وإخراجه من البلاد. لكن مسؤولاً إيرانياً قال إن المسودة تسمح لطهران بتخفيف اليورانيوم داخل إيران، لا نقله إلى الخارج.
وأثار هذا التباين قلقاً بين بعض الجمهوريين. وكتب السناتور ليندسي غراهام أنه يشعر «ببعض القلق» لأن رؤية إيران للاتفاق تبدو مختلفة عما يعلنه فريق التفاوض الأميركي، مشيراً إلى أن أي اتفاق نووي مع إيران يجب أن يُعرض على الكونغرس للمراجعة والتصويت.
إسرائيل تعترض
برز التحدي الأكبر فور إعلان الاتفاق من إسرائيل. ففي أول تعليق رسمي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي سيطرت عليها في لبنان ما دام الاتفاق المؤقت قيد الانتظار.
وأضاف أن إسرائيل تخطط للبقاء «إلى أجل غير مسمى» في الأراضي التي تسيطر عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، بهدف حماية الحدود والتجمعات الإسرائيلية، وفق تعبيره.
وهدد كاتس بأن إسرائيل ستضرب إيران «بقوة كبيرة» إذا هاجمت طهران إسرائيل رداً على الضربات الإسرائيلية في لبنان.
وخلال العامين ونصف العام الماضيين، سيطرت إسرائيل على مناطق في غزة ولبنان وسوريا تبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع، وهي مساحة أصغر قليلاً من مدينة نيويورك.
وتقول إسرائيل إنها ليست طرفاً في التفاهم الأميركي – الإيراني، لكنها دخلت في خلاف واضح مع ترمب بسبب لبنان. وكان ترمب قد انتقد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد الضربة الإسرائيلية على بيروت، قائلاً إنها كادت تقوض المفاوضات الحساسة.
وقال ترمب عن الهجمات الإسرائيلية في لبنان: «بيبي لم يكن يجب أن يفعل ذلك. لم يعجبني الأمر أبداً. أطلقوا بضعة صواريخ صغيرة كانت بعيدة كثيراً عن الهدف». وأضاف: «هم يهاجمون، ثم يرد الطرف الآخر، ثم يُهاجم من جديد، وهذه الدائرة في الشرق الأوسط لا تنتهي أبداً».
ارتياح اقتصادي
أدى الإعلان إلى هبوط سريع في أسعار النفط. فقد تراجعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو أربعة في المائة في التعاملات المبكرة الاثنين، وانخفض خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 4.6 في المائة، مع توقع الأسواق عودة تدفق النفط عبر مضيق هرمز.
وتسبب إغلاق المضيق خلال الأشهر الماضية في ارتفاع أسعار الطاقة والوقود والأسمدة، وأثر في تكاليف الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية. كما تحولت الحرب إلى عبء سياسي داخلي على ترمب والجمهوريين، مع تصاعد غضب الناخبين من أسعار البنزين قبل انتخابات التجديد النصفي.
ورحبت دول أوروبية بالاتفاق، وأبدت استعدادها لدعم ترتيبات الملاحة في هرمز، ورفع العقوبات إذا اتخذت طهران «خطوات واضحة وقابلة للتحقق» في الملف النووي. كما رحبت السعودية ومصر ودول أخرى بالاتفاق، مع التأكيد على ضرورة أن يراعي أي تفاهم دائم أمن دول المنطقة.
الشرق الأوسط















