الشعر الفراتي.. ذاكرة النهر وصوت الهوية المتوارث

لطالما شكّل الشعر الفراتي الحاضن الأبرز لهوية الجزيرة السورية ومرآتها النابضة، إذ نجح في تصوير لوعة الفراق والحنين، وتوثيق أهازيج الفلاحين في حقولهم، وحفظ تفاصيل الحياة اليومية لأبناء المنطقة.

ومن رحم الأرض والذاكرة الجمعية، صاغ هذا الفن ملامح موروث حي ما زال يقاوم عوامل التراجع والنسيان.

ويسلط هذا التقرير الضوء على الشعر الفراتي بوصفه أحد أبرز أشكال الموروث الثقافي في وادي الفرات،

من خلال استعراض خصائصه الفنية ودلالاته الإنسانية وموضوعاته التعبيرية التي أسهمت في تشكيل وجدان أبناء المنطقة على مدى عقود، إلى جانب التوقف عند أبرز التحديات التي تواجه استمراره في الوقت الراهن.

الشعر الفراتي.. مفهومه وألوانه

أوضح الباحث في الشعر الشعبي ورئيس اتحاد الكتاب العرب فرع الرقة، محمد الحومد، لصحيفة “الثورة السورية”، أن الشعر الفراتي يمثل موروثاً أدبياً نشأ في وادي الفرات الممتد بين سوريا والعراق، حيث امتزجت فيه طبيعة البادية بخصائص البيئة النهرية، ما أكسبه خصوصية فنية ولغوية مميزة.

وأضاف أن الشعر الفراتي يتمتع بسمات فريدة تستمد تميزها من لهجته التي تجمع بين الفصحى واللهجة البدوية، فضلاً عن مفرداته المحلية الخاصة، ما جعله لوناً متفرداً ضمن الشعر الشعبي، وشكلاً من أشكال الأدب الوجداني الذي ينقل تطلعات أبناء الفرات ومشاعرهم.

وأشار الحومد إلى أن الشعر الشعبي في جوهره أدب شفهي تناقلته الأجيال عبر الزمن، وغالباً ما ظل مجهول المؤلف، موضحاً أنه ترعرع بين النهر والبادية، وازداد تنوعاً نتيجة احتكاكه بثقافات متعددة في الجزيرة السورية.

وفي معرض حديثه عن القوالب الفنية للشعر الفراتي، بيّن الحومد أن لهذا اللون الشعري أشكالاً متعددة، من أبرزها: العتابا، والموليا، والنايل، والسويحلي، واللكّاحي، والتشاطيف.

وذكر أن العتابا تتألف من بيت واحد مؤلف من أربعة أشطر على البحر الوافر، تتوحد فيها الأشطر الثلاثة الأولى بالجناس مع اختلاف المعنى، ومن أمثلتها: «يوم فراق خلي والهموني/ صبر دافم بزادي والهموني/ زماني صار جرجر والهموني/ يكسر بيه على طول المدى».

أما الموليا، فتعد من أشهر ألوان الشعر الشعبي، وتتكون من أربعة أشطر تتحد قافية الأشطر الثلاثة الأولى فيها، بينما ينتهي الشطر الرابع بياء مشددة وهاء ساكنة، ومن أمثلتها: «نيران قلبي شعلت يا حمو سانيها/ ع الريمة اللي سلبت عقلي بمعانيها/ لمن اتبسم ولاحَن لي ثمانيها/ بيض الرهايف بعود الروك مجليه».

وأشار إلى أن النايل هو بيت شعري واحد يُنظم على البحر البسيط، ومن أمثلته: «يا ريح امشِ بهوادة خد الزين لا تدميه خايف عليه/ يتبثر جرح القلب يحييه».

وأضاف أن السويحلي يتألف من شطرين تتوسطهما قافية موحدة، ويُعرف في العراق باسم “النايل المقلوب” أو “الدارمي”، فيما اشتُق اسم اللكّاحي من صوت حوافر الخيل أثناء الركض، ويتكون من شطرين موحدي الروي، كما لفت إلى وجود ألوان أخرى معروفة لدى أبناء الفرات، مثل الميمر و”يا ظريف الطول”، فضلاً عن القصيد الذي اشتهر به شعراء البادية في تلك المنطقة.

ذاكرة المكان وملامح الهوية

لا تنفصل الجزيرة الفراتية عن إرثها التاريخي وعمقها الحضاري، وهو ما أتاح لها تكوين موروث شعري غني ومتجدد، أسهم في بنائه عدد كبير من الشعراء والأدباء عبر العقود.

ويرى الشاعر والكاتب صالح الحبيطي، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، أن الشعر الفراتي يمثل هوية ثقافية متجذرة لدى أبناء حوض الفرات في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة.

وأوضح أن المنطقة الممتدة على ضفاف الفرات ودجلة والبليخ، والمتداخلة جغرافياً واجتماعياً مع العراق، أفرزت نسيجاً شعرياً فريداً يمتاز بتنوع ألوانه الغنائية والوجدانية.

وأردف أن الشعر الفراتي يستمد موضوعاته من البيئة والوجدان الإنساني، فيحمل معاني الحنين والحب والفخر والحزن، مستلهماً تفاصيل الحياة اليومية وطبيعة المكان، ضمن ثنائية النهر والبادية اللتين شكلتا مصدر إلهام دائماً للشعراء.

وأشار الحبيطي إلى أن هذا الشعر يجمع بين بساطة اللغة وعمق المعنى وصدق العاطفة، ما جعله قريباً من وجدان الناس وقادراً على التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم المختلفة.

وأفاد بأن الشعر الفراتي أسهم في تشكيل وجدان المنطقة، ومن أبرز ألوانه “الأبوذية”، التي تُعد من أكثر الألوان الشعرية شجناً، وتتألف من أربعة أشطر، تنتهي الأشطر الثلاثة الأولى منها بكلمات متطابقة لفظاً ومختلفة معنى فيما يعرف بالجناس، بينما يُسمى الشطر الرابع “الرباط” وينتهي عادة بـ”يه”.

ويرى الحبيطي أن الشعر الفراتي لا يستمد قوته من الزخرفة اللفظية بقدر ما يستمدها من صدق العاطفة وعمق الإحساس، فالشاعر، بحسب وصفه يسكب روحه على ضفاف الحروف، معتمداً على لغة فطرية بسيطة تصل مباشرة إلى وجدان المتلقي.

وعلى صعيد الصورة الشعرية، أوضح الحبيطي أن الشعر الفراتي يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببيئته المحلية، فالمكان يتحول إلى عنصر أساسي في بنائه الدلالي والجمالي، بما يحمله من رموز وصور مستمدة من تفاصيل الحياة اليومية.

وذكر أن الشعر الفراتي يتسم أيضاً بنبرة وجدانية عميقة تتجلى في “الونة”، التي تعد تعبيراً صادقاً عن الحزن ولوعة الفراق والارتباط بالأرض.

من جانبه، يرى الشاعر مصطفى سينو أن الشعر الفراتي يمثل تجسيداً فنياً للبيئة المحلية، حيث تعكس إيقاعاته وتراكيبه اللفظية حركة النهر وأصوات النواعير وأهازيج العمل والحياة اليومية.

وأوضح أن البناء الشكلي لهذا الشعر يقوم على الجناس التام والاختيار الدقيق للألفاظ الرقيقة والموسيقى الداخلية للكلمات، مضيفاً أن “الميمر” يعد من أبرز الألوان الشعرية الفراتية، وهو لون غنائي يُنظم على بحر الرجز بثلاث تفعيلات، ويُكتب بصيغتيه “المجنس” و”المقفى”.

ولفت إلى أن الميمر يتألف من ثلاثة أشطر تتوحد في الجناس أو القافية، فيما يعود الشطر الرابع إلى المطلع وينتهي بحرف الراء روياً، بما ينسجم مع الأداء الغنائي المعروف لهذا اللون، مردفاً أن عدداً كبيراً من شعراء الفرات نظموا هذا اللون، ما جعله من أكثر الأشكال الشعرية انتشاراً في المنطقة.

ولا يقل “الماني” أهمية عن الميمر، بحسب سينو، إذ يعد من الألوان الشعرية التي حظيت بانتشار واسع، وما زالت نصوصه تُغنى حتى اليوم لما تتميز به من بساطة في المفردات وسهولة في الحفظ والتداول.

بدوره، أشار الشاعر عبد الرحمن الجاسم، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن الشعر الشعبي يشهد في المرحلة الحالية تراجعاً ملحوظاً نتيجة متغيرات اجتماعية وثقافية وإعلامية أثرت في بيئته التقليدية.

وأوضح أن المخاوف من تراجع حضور الشعر الشعبي تبدو مبررة، كونه يشكل ذاكرة جماعية تحفظ اللهجة المحلية والعادات والقصص والقيم الاجتماعية المتوارثة.

وأضاف أن التحولات الاجتماعية وتغير أنماط الحياة أسهما في تراجع المجالس الريفية وسهرات الأعراس والمناسبات المرتبطة بمواسم الزراعة، وهي الفضاءات التي كانت تشكل الحاضنة الطبيعية لهذا الفن، ما انعكس على حضوره ودوره في الحياة اليومية لأبناء المنطقة.

الثورة السورية – خضر الجاسم

Exit mobile version