
عجلت «تنسيقية السترات الصفراء» في الإعلان عن يوم حراك جديد السبت المقبل، في 24 أكتوبر (تشرين الأول) لمواصلة الضغط على الحكومة، التي بدت عاجزة في اليومين الأخيرين عن المحافظة على سلمية المظاهرات وحماية المؤسسات العامة والملكيات الخاصة، في العديد من المدن من الحرائق والسلب والنهب،
في حين تحولت شوارع المدن الرئيسية، مثل باريس العاصمة وليون ومرسيليا وتولوز وغيرها، ساحات معارك للكرّ والفرّ.
ولم تساعد الكلمة التي ألقاها الرئيس إيمانويل ماكرون، ليل الأحد، في تهدئة الوضع؛ كونها خلت، وفق الأكثرية الساحقة من التعليقات، من أي إعلان جدي لجهة الاستجابة لمطالب التلامذة والطلاب والمتظاهرين الآخرين الذين نزلوا إلى الشوارع والساحات في غالبية الأراضي الفرنسية، للتنديد بغلاء المعيشة والتضخم وتراجع القدرة الشرائية.
كذلك، عجَّل التلامذة في الإعلان عن مواصلة حراكهم يوم 5 نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ما يعني أن رهان الحكومة على أسبوعي العطلة المدرسية (من 17 أكتوبر إلى 2 نوفمبر) لم يكن في مكانه، وأن الحلول الجزئية التي هلَّل لها وزير التربية، إدوار جيفراي، وسعى لتسويقها لم تشفِ غليلهم ولم تقنعهم بالعودة إلى صفوف الدراسة.
بيد أن السؤال الرئيسي الذي شغل الطبقة السياسية يميناً ويساراً يدور حول التساؤل التالي: كيف لدولة كبرى بحجم فرنسا أن تعيش مثل هذا «السبت الأسود»، حيث قنوات التلفزة العالمية، من قلب باريس العاصمة وعشرات المدن الأخرى، نقلت مشاهد الحرائق والاشتباكات و«غيوم» الغازات المسيلة للدموع وصور هذه المجموعات من المشاغبين يحطمون وينهبون ويحرقون كل ما قدروا عليه؟ والسؤال الآخر كان، بطبيعة الحال: من المسؤول؟
من المسؤول؟
إذا كان من أمر أجمعت عليه غالبية الأحزاب، فعنوانه تحميل المسؤولية لوزير الداخلية لوران نونيز، المسؤول عن أمن الفرنسيين. ولأن أصابع الاتهام وجهت إليه؛ فإن نونيز لم يتأخر، مساء الأحد في تقديم استقالته للرئيس ماكرون الذي رفضها «نظراً لضرورة ضمان استمرارية قيادة قوات حفظ النظام»، وفق ما جاء في بيان صباحي لقصر الإليزيه.
وماكرون نفسه لم يكن بعيداً عن هذا التقييم؛ إذ لم يتردد في كلمته المسائية من الإشارة إلى «إخفاقات» في إدارة المسؤولين الأمنيين للمظاهرات، داعياً وزارة الداخلية إلى «تكييف أساليبها» في التعاطي مع مثيري الشغب «في أسرع وقت ممكن». كذلك، عبَّر ماكرون عن «قصور» الأجهزة الأمنية عن الاستعداد المسبق للمظاهرات وما رافقها، وعن فشل المخابرات الداخلية في توقع حجمها.
ذلك أن المعلومات التي رشحت عنها أفادت بأنها تتوقع نزول ما يقل عن 200 ألف شخص إلى الشوارع في الأراضي الفرنسية كافة ومنهم خمسون ألفاً في باريس. والحال، أن العدد وصل، وفق الأرقام الرسمية إلى 550 ألفاً، منهم 110 آلاف في العاصمة، وسط قناعات المسؤولين بأن الحراك الطلابي إلى تراجع، وأن «السترات الصفراء» لم يعيدوا تنظيم صفوفهم للتظاهر بقوة.
كذلك، فشلت المخابرات الداخلية في استباق تدفق مجموعات اليسار المتطرف، التي تعمل لإحداث الفوضى والإطاحة ببنى الدولة، والتي تتألف بشكل رئيسي ممن يسمون «البلاك بلوك» الذين ينزلون إلى الشوارع بثيابهم السوداء وهم بالغو التنظيم والحركية، كما أنهم يستغلون المظاهرات كافة مهما تكن أسبابها للاصطدام مع رجال الشرطة والدرك.
إزاء هذا الواقع، لم يمكن من مَنفذ لوزير الداخلية سوى تقديم استقالته. وهو قال صباح الاثنين في حديث لإذاعة «فرنس أنتير»: «لقد قدمت استقالتي لأنني أتحمل مسؤولية كل ما حصل». وذهب إلى حد الاعتراف بـ«فقدان السيطرة» على الوضع الذي أفلت تماماً من أيدي القوى الأمنية التي وُجّهت لها سهام النقد حول كيفية إدارتها لمجمل ما حصل يوم «السبت الأسود».
ولم يتردد جيرالد درامانان، وزير العدل، في القول إن السلطات «أخفقت بلا شك» في إدارة الأزمة. والحال أن القوى الأمنية التي أصيب منها قرابة ألف عنصر، لم تتأخر في إلقاء القبض على عدد كبير من الموقوفين في يوم واحد (2331 شخصاً).
وفي باريس وحدها، التي تواصلت فيها أعمال العنف والنهب واستهداف الممتلكات الخاصة، الأحد، حيث أوقف أيضاً 350 شخصاً. وتم تداول معلومات تفيد بأن القوى الأمنية وصلت إلى حد استنزاف مخزونها من القنابل المسيلة للدموع والقنابل الصوتية والقنابل المستخدمة لتفريق المتظاهرين.
عود على بدء
بعد عام واحد من وصوله إلى قصر الإليزيه، اندلع حراك «السترات الصفراء». وها هم هؤلاء ينزلون مجدداً إلى الشوارع قبل ستة أشهر من نهاية ولاية ماكرون الثانية. ولا يتيح الدستور الفرنسي له الترشح لولاية ثالثة.
ومشكلة رئيس الجمهورية أن الدولة ليست اليوم في وضع يتيح لها الاستجابة للمطالب الاجتماعية والطلابية وكلها تحتاج إلى مليارات، في حين الحكومة تجهد لإقرار ميزانية تقشفية للعام المقبل مع عجز يصل إلى 5 في المائة في حين القاعدة الأوروبية تقول باحتوائه عند 3 في المائة.
كذلك، تجدر الإشارة إلى أن ديون الدولة، في 2026، بلغت أرقاماً غير مسبوقة (3600 مليار يورو) بحيث تبلغ فوائدها أقل بقليل من 80 مليار دولار.
ويعني ذلك، عملياً، أن الحكومة التي لا تتمتع بأكثرية تدعمها في البرلمان، ليست متأكدة من قدرتها على تمرير الميزانية كما أنها لا تمتلك الملاءة المالية التي تمكنها من الاستجابة للمطالب المرفوعة إليها.
فطلاب المدارس الثانوية يريدون مثلاً عشرة مليارات يورو للنهوض بالتعليم الثانوي وتوفير 250 ألف مقعد دراسي جامعي إضافي، وإصلاح مباني الثانويات، وتوفير العدد الكافي من الأساتذة، ناهيك عن المطالب الاجتماعية برفع مرتبات الموظفين وتوفير الرعاية الاجتماعية.
طوارئ… أم الجيش إلى الشوارع؟
ولأن الوضع على هذا المنوال، وبناءً على طلب ماكرون؛ فقد بكّر رئيس الحكومة، سيباستيان لوكورنو، في عقد اجتماع لـ«خلية الأزمة (الأمنية) الوزارية» في «قصر ماتينيون» (مقر رئاسة الحكومة)، أعلن على أثره أن عزم الحكومة على إعادة الإمساك بالوضع «كاملاً».
واستكمل الاجتماع الأول بآخر مسائي وفق الصيغة نفسها. وأهم ما نتج منه الطلب من المحافظين الذين يقع حفظ الأمن على عاتقهم، أن يعمدوا إلى «فرض حظر جزئي ومحدد للتجول» في وسط المدن التي يديرونها، وهو ما كان أوحى به ماكرون في كلمته مساء الأحد.
وكان برونو روتايو، رئيس حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي والمرشح للانتخابات الرئاسية، قد طالب بفرض «حالة الطوارئ» للسيطرة على الوضع الأمني. أما غبريال أتال، رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب «النهضة» الداعم لماكرون والمرشح أيضاً للرئاسة، فقد دعا إلى الاستعانة بالقوات المسلحة «بشكل مؤقت» للسيطرة على الوضع.
وكان العديد من السياسيين قد أخذ على الحكومة أنها لم تنشر العدد الكافي من رجال الشرطة والدرك، كما أنها لم تتهيأ لمواجهة زحف المتظاهرين. ورد وزير الداخلية بالقول إنه نشر 60 ألف رجل (مقابل 80 ألفاً نشروا نهاية 2018 في عز أزمة «السترات الصفراء»).
ومن المآخذ الأخرى على وزارة الداخلية، أن محافظ مدينة مرسيليا أكد أن ثلاثين ألفاً من المشاغبين شاركوا في أعمال السرقة والنهب والحرائق. ورد عليهم رئيس بلدية المدينة المذكورة بأن هذا الرقم «وهمي» وأن هؤلاء لا يزيد عددهم عن 1500 شخص.
وشكا بونوا بايان، في الوقت نفسه من العدد القليل وغير الكافي من رجال الشرطة والدرك الذين انتشروا في مدينته؛ ما مكن عدد من المتظاهرين من اقتحام مبنى البلدية.
مارين لوبن: المستفيدة الأولى
تأخذ قوى اليسار على السلطة تجاهلها مطالب المتظاهرين، في حين تطالبها قوى اليمين بمزيد من الحزم والصرامة. وقال إيمانويل غريغوار، عمدة باريس الاشتراكي إن السلطة «عملت على ترك هذه الحركة الاجتماعية تتعفن».
بالمقابل، أكد رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، جوردان بارديلا، أنها «تخلّت تماماً عن مسؤولياتها». وتوجه السلطة وأحزاب اليمين واليمين المتطرف أصابع الاتهام إلى أقصى اليسار وتحديداً نحو حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد الذي تتهمه بتشجيع الحراك والسعي لاستغلاله في المعركة السياسية الرئاسية.
بيد أن التحليلات المتداولة ترى العكس إذ تعتبر ان مارين لو بن، مرشحة حزب ألتجمع الوطني» اليميني المتطرف أولى المستفيدين مما يجري في فرنسا من فوضى وتفلت الشارع وهي تقدم نفسها على أنها «الأقدر» على فرض القوانين والتعامل مع الهجرات غير الشرعية.
وكتب سيباستيان شينو، في تغريدة على منصة «إكس» متوجهاً للفرنسيين قائلاً: «الوضع بالغ الخطورة. أيها الفرنسيون، اصمدوا فنحن واصلون».
الشرق الأوسط















