صحة

بين الخوف والوصمة.. لماذا نتردد في طلب الرعاية النفسية؟

قد يعيش الإنسان طويلاً مع قلق يرهقه أو أفكار تقتحم يومه، لكنه يتردد في زيارة الطبيب النفسي خشية نظرة المجتمع أو وصفه بالضعف،

فتتحول الوصمة إلى حاجز يؤخر طلب المساعدة، رغم ما تشير إليه الأبحاث من أثر التدخل في الوقت المناسب في الحد من تفاقم بعض الحالات.

ويقدر تقرير منظمة الصحة العالمية المعنون /تقرير الصحة النفسية العالمي: تحويل الصحة النفسية للجميع/، الصادر عام 2022، أن شخصاً من كل ثمانية أشخاص عالمياً كان يعيش مع اضطراب نفسي عام 2019.

الوصمة تؤخر طلب المساعدة

يقول الاستشاري الأول في الطب النفسي الدكتور مأمون مبيّض، في تصريح لـ سانا: إن بعض المجتمعات ما زالت تربط زيارة الطبيب النفسي بالضعف أو الخجل، رغم أن التراث الطبي العربي والإسلامي عرف مبكراً العناية المتكاملة بالجسد والنفس، ومن أبرز نماذجه كتاب مصالح الأبدان والأنفس للطبيب أبي زيد البلخي.

وفي هذا الصدد خلصت دراسة بعنوان العلاقة بين الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية وطلب المساعدة الفعلي: مراجعة منهجية وتحليل تلوي، نشرتها المجلة البريطانية للطب النفسي عام 2017، إلى وجود ارتباط سلبي بين الوصمة وطلب الرعاية المتخصصة.

كما بينت دراسة «ما أثر الوصمة المرتبطة بالصحة النفسية في طلب المساعدة؟»، المنشورة في مجلة «الطب النفسي» عام 2015، أن الخوف من الإفصاح ومخاوف السرية والحكم الاجتماعي من العوائق المتكررة أمام طلب المساعدة.

سنوات خلف حاجز الخجل

يجسد إحسان نموذجاً إنسانياً لتبعات تأخير الرعاية النفسية، إذ يروي لـ سانا أنه عانى سنوات من اضطراب الوسواس القهري الحاد، بينما منعه الخجل الاجتماعي من استشارة طبيب متخصص.

ومع غياب العلاج، ازدادت معاناته، وشُخص لاحقاً باضطرابات مصاحبة شملت الرهاب الاجتماعي ونوبات الهلع، ورغم خضوعه بعد ذلك لخطة علاجية دوائية وسلوكية بإشراف طبيب نفسي، استغرقت استعادة استقراره سنوات، وهو ما يعكس الكلفة التي قد تترتب على تأجيل طلب المساعدة، من دون اعتبار تجربته قاعدة تنطبق على جميع الحالات.

وتتقاطع هذه التجربة مع نتائج دراسة بعنوان: “مدة المرض غير المعالج لدى مرضى الوسواس القهري وأثرها في النتائج طويلة الأمد: مراجعة منهجية”، نشرتها مجلة الطب الشخصي عام 2023،

إذ وجدت أن طول مدة بقاء الوسواس القهري من دون علاج قد يرتبط بمسار أكثر تعقيداً ونتائج علاجية أضعف، مع تأكيد الباحثين الحاجة إلى مزيد من الدراسات.

متى تصبح الاستشارة ضرورية؟

يوضح مبيّض أن مشاعر القلق والخوف والحزن لا تعني تلقائياً وجود اضطراب، فقد ترافق ضغوط العمل والأسرة والأزمات المادية وتجارب الفقد، لكن استمرارها أو تكرارها وتأثيرها في الدراسة والعمل والعلاقات والقدرة على ممارسة الحياة اليومية يجعل التقييم المتخصص مهماً.

وتشمل المؤشرات اضطراب النوم أو الشهية، وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة، والعزلة، وتراجع الأداء، والتقلبات المزاجية الحادة، وصعوبة تنظيم المشاعر، أو تكرار أفكار وأفعال قهرية تستنزف الوقت وتعطل النشاط اليومي.

ولا ينظر الطب النفسي إلى هذه المشكلات بوصفها ضعفاً في الإرادة، بل نتيجة محتملة لتفاعل عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، تشمل الاستعداد الوراثي والضغوط البيئية وبعض الأمراض والإصابات العصبية وتعاطي المخدرات.

علامات لا تحتمل التأجيل

يشير مبيّض إلى أن التقييم يصبح عاجلاً عند الانفصال عن الواقع، أو ظهور أوهام وأفكار غير واقعية، أو سماع أصوات ورؤية أشياء غير موجودة، وخاصة إذا بدأت فجأة أو تفاقمت سريعاً.

أما وجود أفكار لإيذاء النفس أو الآخرين أو خطر مباشر، فيستوجب طلب المساعدة الطارئة فوراً وعدم ترك الشخص بمفرده.

العلاج عن بعد.. فرصة وحدود

أظهرت دراسة التدخلات النفسية المقدمة عبر مكالمات الفيديو لعلاج أعراض الاكتئاب في الرعاية الأولية: مراجعة منهجية، المنشورة في مجلة الصحة النفسية عام 2025، نتائج واعدة لهذا النوع من الرعاية، مع حاجة إلى أبحاث أوسع.

لكن الاستشارة عن بعد لا تناسب جميع الحالات، ولا تغني عن المقابلة المباشرة أو الرعاية الطارئة، لتبقى زيارة الطبيب النفسي خطوة لفهم المعاناة وعلاجها، لا سبباً للخوف أو الخجل.

وتبقى مواجهة الوصمة ونشر الوعي بالصحة النفسية خطوة أساسية لتشجيع من يعانون من أعراض مستمرة أو مؤثرة في حياتهم على طلب المساعدة المتخصصة في الوقت المناسب، بعيداً عن الخجل والأحكام المسبقة.

سانا

Back to top button