
قد يعتقد كثيرون أن الطائرات تقيس المسافات بالكيلومترات أو الأميال البرية، لكن الواقع مختلف تماما، ففي عالم الطيران، تُستخدم الأميال البحرية (Nautical Miles) كوحدة القياس الأساسية للمسافات، تماما كما هو الحال في الملاحة البحرية.
ورغم ارتباط هذا المصطلح بالسفن والمحيطات، فإنه أصبح جزءا أساسيا من أنظمة الطيران الحديثة، لدرجة أنه يُستخدم في تخطيط الرحلات، وحساب الوقود، والملاحة الجوية في مختلف أنحاء العالم.
ويرجع استخدام الأميال البحرية إلى أنها تتوافق مع طبيعة الأرض الكروية، إذ تعتمد على خطوط الطول والعرض، مما يجعلها أكثر دقة عند حساب المسافات الطويلة التي تقطعها الطائرات فوق القارات والمحيطات.
قبل ظهور الطيران بقرون، واجه البحارة تحديا كبيرا في تحديد مواقعهم وقياس المسافات بسبب انحناء سطح الأرض. ومع تطور علم الملاحة، جرى اعتماد نظام خطوط الطول والعرض،
وأصبح الميل البحري يُعرَّف بأنه قوس من خط الطول أو العرض يعادل دقيقة واحدة من خطوط العرض.
وفي عام 1929، وخلال المؤتمر الدولي الاستثنائي الأول للهيدروغرافيا الذي عُقد في موناكو، تم توحيد تعريف الميل البحري دوليًا ليصبح 1852 مترا، أي ما يعادل نحو 1.151 ميلا بريا أو 6076 قدما. وللمقارنة، يبلغ طول الميل البري المستخدم على الطرق 5280 قدما فقط.
وعندما بدأ الطيران التجاري في الظهور، وجد الطيارون أن النظام الذي استخدمه البحارة لعقود طويلة يناسب الملاحة الجوية أيضًا، خاصة في الرحلات الطويلة فوق المحيطات، حيث تكون الخرائط والإحداثيات الجغرافية هي المرجع الأساسي لتحديد المواقع.
وكانت رحلة الطيار الأمريكي تشارلز ليندبيرغ التاريخية عبر المحيط الأطلسي عام 1927 من أبرز المحطات التي عززت استخدام الأميال البحرية في الطيران، بعدما أثبتت فعاليتها في الملاحة الجوية، لتصبح لاحقًا المعيار المتبع في هذا القطاع، وفق تقرير نشره موقع “slashgear”.
لماذا تُعد الأميال البحرية أكثر دقة للطائرات؟
تكمن الميزة الأساسية للميل البحري في ارتباطه المباشر بالإحداثيات الجغرافية. فبدلًا من الاعتماد على مسافات مستقيمة على سطح مستوٍ، يأخذ هذا النظام في الاعتبار انحناء الكرة الأرضية، وهو ما يمنح الطيارين دقة أكبر عند تحديد المواقع وحساب المسافات أثناء الرحلات الطويلة.
كما تساعد الأميال البحرية الطيارين على تقدير استهلاك الوقود بصورة أكثر دقة، إذ تعتمد خطط الطيران وحسابات المسافة والسرعة والزمن على هذه الوحدة، ما يسهل التخطيط للرحلات ويعزز كفاءة التشغيل.
ولا يقتصر دورها على الملاحة التقليدية، بل تتوافق أيضا مع أنظمة الملاحة الحديثة المعتمدة على الأقمار الصناعية مثل “GPS”، وهو ما جعلها تحافظ على مكانتها رغم التطور الكبير في تقنيات الطيران.
معيار عالمي للطيران والملاحة
تعتمد كل من منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والمنظمة البحرية الدولية (IMO) الأميال البحرية كوحدة قياس قياسية في قطاعي الطيران والملاحة البحرية، لضمان توحيد عمليات الملاحة والاتصالات بين مختلف دول العالم.
لماذا لم يُستبدل بالنظام المتري؟
في عام 1947، أصدرت منظمة الطيران المدني الدولي قرارا يهدف إلى توحيد وحدات القياس، مع وضع خطة تدريجية للاستغناء عن الميل البحري والعقدة وهي وحدة السرعة التي تعادل ميلًا بحريًا واحدًا في الساعة، واستبدالهما بوحدات النظام المتري، وذلك لتجنب أي اضطرابات في قطاعي الطيران والملاحة.
وفي عام 1960، اعتمد المؤتمر العام الحادي عشر للأوزان والمقاييس (CGPM) النظام الدولي للوحدات (SI)، إلا أن قطاعي الطيران والملاحة البحرية لم يتخليا عن استخدام الميل البحري والعقدة، نظرًا لارتباطهما الوثيق بأنظمة الملاحة والإحداثيات الجغرافية المستخدمة عالميًا.
البيان











