محليات

في حلب… ورشة يديرها مكفوفون تحوّل القصب إلى مصدر رزق

داخل ورشة صغيرة في مدينة حلب شمالي سوريا، يعمل فريق من الأشخاص المكفوفين يوميا لساعات طويلة في صناعة أثاث منزلي وقطع زينة يدوية باستخدام القصب والخوص،

في تجربة مهنية تحولت بالنسبة لهم إلى مساحة لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة وإثبات قدرتهم على الإنتاج رغم الإعاقة وتداعيات الحرب التي أنهكت البلاد لسنوات.

ويبدأ أعضاء الفريق عملهم يوميا منذ الساعة التاسعة صباحا وحتى المساء، وينهمكون في إنتاج قطع متنوعة تشمل الأراجيح والطاولات والكراسي وأطقم الجلوس والشاي إلى جانب منتجات زينة منزلية مختلفة،

في وقت تتولى فيه شابة مبصرة مساعدة الفريق في اختيار الألوان والتنسيق البصري بين المواد المستخدمة في أثناء عملية التصنيع.

وتعرض المنتجات اليدوية للبيع في مناطق مختلفة داخل سوريا، ولا سيما في سوق “خان الشونة” التاريخي بمدينة حلب، حيث يتولى أحد أعضاء الفريق من المكفوفين إدارة منصة البيع والترويج المباشر للمنتجات والتعامل مع الزبائن.

**تعلموا الحرفة على يد مدربة تركية

وقال جلال مكاراتي، صاحب الورشة البالغ من العمر 51 عاما، في حديث للأناضول، إنه أسس المشروع قبل سبع سنوات في محاولة لخلق مصدر دخل بعد أن فقد الكثير من موارده خلال سنوات الحرب في سوريا.

وأوضح أن الفريق تعلم أساسيات هذه الحرفة خلال دورة تدريبية مكثفة استمرت ستة أشهر، قدمتها عبر الإنترنت مدربة تركية من ذوي الإعاقة البصرية.

وأضاف: “واجهنا صعوبات كبيرة جدًا، فقد خسرنا كل مواردنا بسبب الحرب، وهذا دفعنا للتفكير في مشاريع صغيرة تتيح لنا توفير دخل يساعدنا على إعالة أسرنا”.

وأشار مكاراتي إلى أن الورشة تمكنت تدريجيًا من تطوير جودة الإنتاج وتوسيع تنوع المواد المستخدمة، ما جعل منتجاتها قادرة على المنافسة في السوق المحلية.

وقال: “كل المواد التي نستخدمها محلية الصنع وعالية الجودة، ونحن نعمل باستمرار على تطوير منتجاتنا حتى تصبح قادرة على منافسة المنتجات المستوردة”.

وكشف أن الفريق يسعى مستقبلا للحصول على دعم مالي من جهات مانحة لتوسيع المشروع وتحويل الورشة الصغيرة إلى مصنع يوفر فرص عمل لعشرات الأشخاص من ذوي المشكلات الصحية والإعاقات المختلفة.

وأضاف: “نأمل أن تتحول هذه الورشة الصغيرة إلى مصنع كبير يستطيع توظيف أعداد أكبر من الأشخاص الذين يواجهون ظروفًا صحية صعبة. هذه المهنة تعتمد أساسًا على العمل اليدوي،

ولذلك فهي مناسبة جدًا للمكفوفين، ونحن نريد أن نمنحهم فرصة لحياة كريمة قائمة على العمل لا على الاعتماد على الآخرين”.

**مهنة منحتهم فرصة الاستقلال

من جانبه، قال لؤي نجار، الذي يعمل في الورشة منذ ست سنوات، إن هذه الحرفة أصبحت بالنسبة لهم الخيار المهني الأنسب في ظل محدودية فرص العمل المتاحة للمكفوفين.

وأوضح: “هذه مهنة نستطيع إنجازها بالاعتماد على العمل اليدوي. نحن كمكفوفين نواجه صعوبة كبيرة في العثور على وظائف، ولهذا وجدنا أن هذه الحرفة هي المجال الأكثر ملاءمة لنا”.

وأشار إلى أن أصعب مرحلة خلال فترة التدريب كانت تعلم التمييز بين الألوان المختلفة المستخدمة في التصنيع.

وقال: “عندما بدأت تعلم المهنة، كان الشخص الذي يدربني يمسك بيدي ويجعلني أتحسس طريقة العمل خطوة بخطوة. كثيرًا ما كنت أتعرض لوخز الإبر وواجهت صعوبات عديدة، لكنني اليوم، والحمد لله، لم أعد أواجه تلك المشكلات”.

بدوره، قال أيمن ديباس، أحد العاملين المكفوفين في الورشة، إن أفراد الفريق يسعون باستمرار إلى تطوير أنفسهم وتقديم منتجات أفضل وأكثر جودة.

وأضاف: “نحن مجموعة من المكفوفين اخترنا أن نعمل وننتج مما هو متاح حولنا. وبعد تحرر سوريا، وبفضل الله، نريد نحن المكفوفين أن نثبت وجودنا وألا نكون عبئًا على المجتمع، بل أشخاصًا قادرين على ترك بصمتهم الخاصة”.

الأناضول

Related Articles

Back to top button