أخبارسياسة

ملف المقاتلين الأجانب في سوريا… مقاربة حذرة لتحدٍّ شائك

طفا ملف المقاتلين الأجانب في سوريا مجدداً على السطح، عقب توتر في إدلب شمال غربي البلاد، قبل أيام، استدعى تدخلاً واسع النطاق من قبل جهاز الأمن العام في وزارة الداخلية السورية.

ويبدو أن الوزارة تقارب تفاصيل هذا الملف بحذر، لتفكيكه على مراحل، وذلك لتجنب تشكيله تهديداً مباشراً على الأمن والاستقرار في البلاد، التي تواجه ملفات شائكة وتحديات أمنية كبرى. 

وبحسب مصادر متقاطعة، اندلعت اشتباكات متقطعة في ريف إدلب، الثلاثاء الماضي، بين قوات جهاز الأمن العام، ومقاتلين أوزبك، عقب مداهمة هذه القوات مقرات هؤلاء المقاتلين الأجانب في عدة بلدات، وتوقيف عدد من المتهمين منهم بمحاصرة جهاز الأمن الجنائي في مدينة إدلب.

وبدأ التوتر بين الطرفين عقب قيام جهاز الأمن العام قبل أيام، بتوقيف أحد المقاتلين الأوزبك الذي أطلق النار داخل المدينة، إثر حادثة تصادم بين سيارته وأخرى تابعة للشرطة العسكرية في الجيش السوري، أعقبه تجمع عدد من هؤلاء المقاتلين ونظموا احتجاجاً عند مبنى الأمن الجنائي للمطالبة بإطلاق سراحه.

وكانت وكالة رويترز قد نقلت أول من أمس الأربعاء، عن مصادر محلية ومسؤولين سوريين أن قوات الأمن نفذت اعتقالات في عدة مناطق بريف إدلب، من بينها بلدتا كفريا والفوعة، لمقاتلين أوزبك شاركوا في الاحتجاج، كما تم نشر تعزيزات وأرتال عسكرية حول البلدتين حيث سمع دوي إطلاق نار متقطع.

وهذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها مقاتلون أجانب التمرد على السلطة. ففي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شهد مخيم الفردان في شمال غربي سورية قرب الحدود مع تركيا، يُعرف بـ”مخيم الفرنسيين”،

ويضم مقاتلين من جنسيات فرنسية بقيادة عمر ديابي (المعروف باسم عمر أومسن)، اشتباكات عندما حاولت السلطات توقيفه بسبب انتهاكات نفذها في المنطقة.

وانتهت الحملة الأمنية بعد موافقة أومسن على الخضوع لقوانين الدولة السورية وتفكيك محكمة كان أنشأها في المخيم، والتحاق مقاتلي المجموعة التي يقودها بالفرقة 84 ضمن الجيش السوري والتي تضم عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب وتنتشر في الجبال الساحلية، ويبلغ قوامها نحو 30 ألف مقاتل موزعين على عدة ألوية.

علماً أن الحكومة السورية سعت إلى إضفاء الطابع الرسمي على وضع عدد من المقاتلين الأجانب في سورية ودمج الآلاف منهم في الجيش السوري، بعد إسقاط نظام بشار الأسد نهاية 2024، فيما تولى بعضهم مناصب رفيعة في الدولة.

ولا توجد إحصائيات رسمية لعدد المقاتلين الأوزبك في سورية، غير أن مصادر إعلامية قدرت في العام الماضي، هذا العدد بنحو 1500 مقاتل، اتخذوا من بلدات في إدلب مكان إقامة من بعد إسقاط نظام الأسد،

وأبرزها كفريا والفوعة اللتان هُجّر سكانهما باتفاق مع النظام السابق عُرف في حينه بـ”صفقة المدن الأربع” (2017، تقضي بإخراج سكان ومقاتلين من الزبداني ومضايا بريف دمشق إلى إدلب، مقابل إخراج سكان الفوعا وكفريا ومقاتليهما إلى مناطق خاضعة للنظام السابق).

والعام الماضي، نقلت “رويترز” عن مصدر أمني سوري قوله إن هناك حوالي 1500 مقاتل أوزبكي في سورية، وبعضهم برفقة عائلاتهم.

ملف المقاتلين الأجانب في سوريا

ويعد ملف المقاتلين الأجانب في سورية من الملفات المعقدة والشائكة التي تواجه الإدارة السورية الجديدة التي كانت حصلت العام الماضي على موافقة الولايات المتحدة الأميركية على دمجهم في المنظومة العسكرية السورية للسيطرة عليهم والحد من تأثيرهم على الأمن والاستقرار في البلاد، ولقطع الطريق أمام تنظيم داعش، لاستقطابهم إلى صفوفه.

وقاتل آلاف الأجانب والعرب بخلفيات جهادية، ولا سيما من الإيغور المنحدرين من الصين، إلى جانب فصائل إسلامية سورية خلال سنوات الثورة (2011)، وبعضهم تولى مهمات قيادية بارزة في هذه الفصائل.

ولا توجد أيضاً إحصائيات لعدد المقاتلين الإيغور، إلا أن بعض المصادر تشير إلى أنه يتراوح ما بين ثلاثة إن خمسة آلاف يتبعون ما يُعرف بـ”الحزب الإسلامي التركستاني”.

في يونيو/ حزيران الماضي، نقلت “رويترز” عن ثلاثة مسؤولين دفاعيين سوريين، أن الخطة التي طرحتها القيادة السورية ووافقت عليها واشنطن، تنص على انضمام نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من أقلية الإيغور إلى الفرقة 84 من الجيش السوري، والتي ستضم سوريين أيضاً.

وكانت الإدارة السورية الجديدة قد منحت في ديسمبر/ كانون الأول 2024 مقاتلين أجانب رتباً عسكرية في خطوة لم تلق ترحيبا من الشارع السوري في حينه.

والقادة الأجانب الذين مُنحوا رتباً عسكرية، هم: عبدل صمريز بشاري (ألباني) ومولان ترسون عبد الصمد (طاجيكي) وعلاء محمد عبد الباقي (مصري) وبنيان أحمد الحريري (أردني)، الذين منحوا رتبة عقيد،

إلى جانب عبد الرحمن حسين الخطيب (أردني) وعمر محمد جفتشي (تركي الجنسية) وعبد العزيز داوود خدابردي (من الأقلية التركستانية في الصين)، الذين منحوا رتبة عميد.

كتل غير منضبطة

وتعليقاً على مقاربة السلطات لملف المقاتلين الأجانب في سورية، ميّز الباحث السوري في المجالات الأمنية والعسكرية نوّار شعبان، في حديث مع “العربي الجديد”، بين كتلتين من هؤلاء.

وأوضح أن هناك مقاتلين “مستعدين للضبط مثل كتلة الإيغور”، مستدركاّ أنه “مع مرور الوقت ظهرت كتلة مخالفة، بدأت مع حادثة مخيم الفرنسيين المعروفة التي شهدت مناوشات مع الحكومة منعت تطبيق الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين”.

ورأى أن هناك كتلة من المقاتلين الأجانب في سورية “غير منضبطة (في العلاقة) مع مؤسسات الدولة، وهي محصورة في شمال غربي سورية”، مضيفاً أنه “يتم التعامل معها مع حدوث أي إشكالات، وهو ليس الحل المناسب ولا يسمح بإنشاء منظومة أمنية قوية”.

واعتبر أن “تكرار هذه الإشكالات بات يفرض على الدولة اتخاذ حلول مستدامة تقوم على الضبط”، مشيراً إلى أن البلاد “تواجه تحديات وإشكاليات أمنية، تفرض إيجاد آليات بضوابط أمنية لحل مشكلة المقاتلين الأجانب بشكل استراتيجي بعيداً عن المعالجات الآنية”.

وفي رأيه فإن “التعامل الأمني مع هذه الكتلة بشكل واسع سيكون له تداعيات سلبية على استقرار المجتمع في شمال غربي سورية، والموجودين فيه منذ عدة سنوات”.

و”يحظى هذا الملف باهتمام داخلي وخارجي”، بحسب المحلل العسكري العميد مصطفى فرحات، الذي أشار في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن الإدارة السورية تتعامل مع ملف المقاتلين الأجانب في سورية “بشكل مختلف عما كان سائداً”، موضحاً أن “المقاربة اليوم ليست أمنية صرفة، بل قانونية وواقعية في آن واحد”.

ولفت فرحات إلى وجود “إدراك لدى دمشق أن هذا الملف من تركات سنوات الحرب المعقدة التي دارت في البلاد على مدى نحو 13 سنة، ولا يمكن معالجته بردات فعل وشعارات، بل عبر مسار تدريجي منظم يوازن ما بين متطلبات الأمن الوطني والالتزامات الدولية”.

وفي رأيه فإن الدولة السورية “تعمل على استيعاب هؤلاء المقاتلين بشكل إيجابي في مختلف المجالات”، معتبراً أن “المجال مفتوح أمام هؤلاء للاندماج في المجتمع السوري ضمن النظم والقوانين في الدولة”.

وأوضح أن الدولة “تتعامل مع كل من يشكل تهديداً للأمن والاستقرار بالبلاد بإجراءات أمنية صارمة وفورية”، مضيفاً أن “من يرتبط بأجندات عابرة للحدود يعالَج ملفه بشكل مسؤول”.

كما أشار إلى أن سورية “لن تكون ساحة مفتوحة لمقاتلين من خارج البلاد من بعد اليوم، لكن في الوقت نفسه هناك حرص على ألا يكون ملف المقاتلين الأجانب عامل توتر في البلاد، لذلك يتم التعامل معه بخطوات محسوبة”.

ما يجري اليوم، وفق فرحات، “ليس إدارة أزمة، بل تفكيك إرث ثقيل بطريقة تضمن عدم إعادة إنتاجه مستقبلاً”، مضيفاً أن “هذا الملف أحد الاختبارات أمام الإدارة السورية، لذا تتعامل بشكل مسؤول وقانوني”.

العربي الجديد- محمد أمين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى