محليات

الغلاء بعيون الناس! .. الأسر السورية تعيد ترتيب أولوياتها

تقف رانيا علوش، أم لثلاثة أطفال، أمام بائع الخضار في أحد الأسواق الشعبية وسط دمشق، تتفحص الخضار، قبل أن تعيد بعض الأصناف إلى مكانها لارتفاع أسعارها، فلم تعد تشتري كما كانت تفعل سابقاً. وتقول: “صرنا نخطط للطبخة حسب السعر، مو حسب شو منحب”.

وتوضح لـ”الثورة السورية ” أن قائمة الطعام في منزلها تغيّرت كثيراً خلال الأشهر الأخيرة، فاللحوم أصبحت ضيفاً نادراً، والفواكه لم تعد متاحة كما كانت.

وفي محل صغير لبيع المواد الغذائية، يشير صاحبه موفق إبراهيم في حديثه لـ “الثورة السورية” إلى أن السلع على الرفوف لم تعد تتحرك كما في السابق: “الناس صارت تشتري بالقطعة، وليس بالكيلو”.

فبعض الزبائن يطلبون كميات أقل حتى من الحد الأدنى الذي كان يُعتبر طبيعياً قبل فترة قصيرة، والتغيير هنا ليس في الأسعار وحدها، بل في سلوك المستهلك نفسه وأضاف: “هناك أشخاص يشترون الزيت معياراً لطبخة أو المتة بمقدار كأس واحد”.

وبدوره، يحاول علاء سعد الدين وهو موظف في منتصف الثلاثينيات أن يوازن بين دخله الثابت ومتطلبات الحياة المتزايدة. ويوضح لـ “الثورة السورية” أنه اضطر خلال الأشهر الماضية إلى إعادة ترتيب أولوياته بالكامل،

قائلاً: “في مصاريف ما عاد إلها مكان”، يقولها مشيراً إلى أنه ألغى اشتراكاته غير الضرورية، وبالنسبة له لم يعد الأمر متعلقاً بالكماليات فقط، بل امتد ليشمل أساسيات كانت بديهية.

وبشكل عام، لم يعد الحديث عن الغلاء مجرد أرقام تتصدر نشرات الأخبار، ولا مؤشرات اقتصادية تُتداول في التقارير الرسمية وغيرها، فداخل البيوت، وعلى طاولات الطعام، يفرض الغلاء وقعه لتكريس تبدلات تدريجية في نمط الحياة، قد لا تُرى دفعة واحدة، لكنها تتراكم بهدوء وتغيّر الكثير.

وفي قراءة لهذا الواقع يوضح الباحث الاقتصادي علي محمد لـ “الثورة السورية” أن ما يعيشه الناس اليوم هو نتيجة مسار بدأ منذ الربع الأخير من عام 2025، حيث شهدت الأسواق زيادات متتالية قد تبدو محدودة في حينها، لكنها تراكمت شهراً بعد آخر لتُنتج واقعاً مختلفاً يُلمس اليوم بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية.

وهذه الصورة، بحسب المحمد تعكس بشكل مباشر الارتفاعات التي شهدتها الأسواق، لافتاً إلى أن الأسعار ارتفعت خلال الفترة التي سبقت شهر رمضان وخلاله بنسب تراوحت بين 10 و40 بالمئة مع تفاوت واضح بين سلعة وأخرى وهو ما دفع الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها الغذائية.

ويشير المحمد إلى تراجع القوة الشرائية لدى المواطنين، ما دفعهم إلى تقليص الكميات لتتناسب مع دخل لم يشهد تحسناً في القوة الشرائية على الرغم من التحسن الاسمي للرواتب والأجور في القطاع العام بعد قرار الزيادة الأخيرة بنسبة تراكمية وصلت إلى 550%،

لكن واقع الأسعار كان مرتفعاً بما يفوق الزيادة في الدخل ما أدى الى استمرار الضعف في القدرة الشرائية. هذا الواقع يرتبط أيضاً بارتفاع التكاليف التشغيلية، سواء على مستوى الإنتاج أو النقل أو حتى الخدمات، ما ينعكس في النهاية على المستهلك النهائي.

إعادة ترتيب الأولويات

اللافت اليوم أن التغيير في نمط المعيشة يتسلل تدريجياً، فكثيرون لا ينتبهون له إلا بعد فترة، عندما يكتشفون أن عاداتهم اليومية تغيّرت بالكامل،

ومنهم ربا أحمد طالبة في جامعة دمشق والتي توضح لـ”الثورة السورية” بأنها كانت تطلب القهوة كل يوم تقريباً في مقهى الجامعة، واليوم ” صرت أفكر مرتين قبل ما اشتريها” فهذه التفاصيل صغيرة، لكنها تعكس واقعاً جديداً.

وفي هذا السياق، يشير المحمد إلى أن هذا التدرج في التأثير هو نتيجة طبيعية لما يسميه “التضخم التراكمي”، حيث لا تظهر النتائج بشكل صادم في البداية، لكنها تتضح مع الوقت حين تتراكم الزيادات على مدى أشهر.

وعلى مستوى العلاقات الاجتماعية توضح الخمسينية هبة الدالاتي من سكان دمشق لـ “الثورة السورية” بأن الغلاء ترك بصمته على مستوى الحياة اليومية، فبعض العائلات خففت من الزيارات أو استبدلتها بتجمعات أبسط، وتضيف “صرنا نجتمع بدون تكاليف كبيرة كل واحد بيجيب شي بسيط”.

ويأتي ذلك، بحسب المحمد في ظل ارتفاع واضح في أسعار العديد من السلع الأساسية، إذ يلفت إلى أن بعض المواد شهدت قفزات كبيرة، فأسعار اللحوم على سبيل المثال ارتفعت بشكل ملحوظ من 150ألف ليرة سورية الى 250 ألف ليرة

وكذلك الخضار التي تضاعفت أسعار بعضها خلال فترات قصيرة، كما حصل مع البندورة التي ارتفعت من نحو خمسة آلاف إلى ما بين 15 و20 ألف ليرة خلال شهر رمضان.

وفي سوق الملابس لا يختلف المشهد كثيراً، فيوضح غيث سليمان وهو أب لأسرة من خمسة أشخاص لـ “الثورة السورية” أنه لم يعد يشتري الملابس بشكل موسمي كما كان يفعل، بل “نشتري لما يكون في ضرورة فقط، حتى الأطفال بدؤوا يفهمون هذا الواقع”.

ويربط محمد ذلك بارتفاع التكاليف على التجار أنفسهم، مشيراً إلى أن زيادة الإيجارات وارتفاع أسعار الكهرباء أسهما في رفع التكلفة التشغيلية، ما انعكس على أسعار السلع في الأسواق.

ورغم هذه التحديات، تظهر أشكالاً مختلفة من التكيف البعض اتجه نحو البحث عن مصادر دخل إضافية ولو كانت بسيطة، وآخرون أعادوا إحياء عادات قديمة مثل إصلاح الأشياء بدلاً من استبدالها.

لكن المحمد يلفت إلى أن هذا التكيف لا يلغي الضغوط، وخاصة في ظل عوامل خارجية مؤثرة، مثل التوترات الإقليمية وارتفاع أسعار النفط عالمياً، وما يرافقها من زيادة في تكاليف الشحن والتأمين وتعطل سلاسل التوريد وهي عوامل تلقي بظلالها على الأسواق المحلية.

كما يشير إلى أن جزءاً من ارتفاع الأسعار يعود إلى انخفاض العرض في بعض السلع نتيجة تصدير منتجات إلى دول مجاورة، ما أدى إلى ضغط إضافي على السوق المحلية.

يضاف إلى ذلك تقلبات سعر صرف الليرة السورية، حيث شهدت تراجعاً ملحوظاً أمام الدولار خلال فترة قصيرة، الأمر الذي يدفع التجار إلى التسعير وفق توقعات غير مستقرة لسعر الصرف.

و لكن هذا التكيف على أهميته لا يلغي الشعور العام بالقلق، فالكثيرون يتحدثون عن حالة من عدم اليقين، وهنا يعتبر أحمد عيدي وهو في الثلاثينات من عمره أن “المشكلة مو بس اليوم، المشكلة شو ممكن يصير بكرا ” بحسب المحمد.

ويفسر ذلك، بأن غياب الاستقرار في بعض المؤشرات الاقتصادية، مثل سعر الصرف وتكاليف الاستيراد يعزز هذا القلق ويجعل التوقعات مفتوحة على احتمالات متعددة.

وربما كما يرى المحمد فإن هذه المرحلة تدفع المجتمع لإعادة ترتيب أولوياته، والتمييز بين الضروري والكمالي في ظل واقع اقتصادي ضاغط، ويوضح أن تداخل العوامل الداخلية، مثل ارتفاع التكاليف التشغيلية، مع العوامل الخارجية المرتبطة بالاقتصاد العالمي، هو ما أنتج هذا المشهد المعقد.

قد تختلف التفاصيل من شخص لآخر، لكن الصورة العامة تبقى واحدة الغلاء لم يغيّر فقط ما يشتريه الناس، بل غيّر طريقة تفكيرهم وأولوياتهم. هو تحول هادئ يحدث في الظل، لكنه يترك أثراً واضحاً في كل زاوية من زوايا المجتمع.

الثورة السورية- نيفين أحمد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى