محليات

الإعمار المؤجل.. لماذا تغيب خطط البناء عن المناطق المدمرة؟

تعود الحياة ببطء إلى بعض قرى ريف إدلب الجنوبي، لكن هذه العودة لا تشبه موجات الإعمار أو مشاهد الانتعاش التي ترافق عادة نهاية الحروب، بل تتقدّم بصمت يشبه صمت الخراب نفسه،

فعائلات دفعتها قسوة المخيمات وارتفاع تكاليف النزوح إلى البحث عن ملاذ آخر، اختارت العودة إلى ديار لم يبق منها سوى جدران مهدّمة ومساحات تراب حافظت على أسماء أصحابها.

في بلدة التمانعة وقراها المجاورة، تتوالى مشاهد العودة الخجولة، أبواب صدئة يعاد فتحها بعد سنوات من الإغلاق، طرق ترابية تُعاد عليها حركة الناس تدريجياً، ومنازل جزئية أو مدمّرة تسكن من جديد رغم غياب المقومات الأساسية للحياة.

ورغم إدراك الأهالي لحجم الدمار الذي يطوّق بلداتهم، فإن كثيرين منهم رأوا في العودة خياراً أقل مرارة من البقاء في مخيمات مكتظة تعاني من الفقر والبرد والازدحام، وهكذا تحوّلت رحلة العودة إلى مواجهة مباشرة مع واقع الخدمات المنهارة.

بين الحنين والواقع القاسي: لماذا يعودون؟

لا ترتبط دوافع الأهالي بالخيارات العقلانية وحدها، بل تتداخل فيها العاطفة وظروف الحياة القاسية، إذ يقول إبراهيم سلوم، أحد العائدين إلى بلدته: “الحنين للبلد أول سبب خلانا نرجع، رجعنا هرباً من عذاب المخيمات ومن المصروف الكبير”.

ويشير إلى أن العودة كانت محاولة لإنقاذ ما تبقى من مصدر رزقهم الوحيد، إلا أن واقع الخدمات كان صادماً: “ما في شيء اسمه خدمات، لا صرف صحي، ولا مركز صحي، والكهرباء نادراً ما تجي، والمياه وضعها مأساوي”.

وتروي عائشة، التي عادت إلى بلدتها بعد سنوات في المخيمات: “طلعنا من الضيعة تحت القصف، وعشنا سبع سنين تحت الخيمة، ورغم كل صعوبة المخيم، الصراحة ارتحت، أما هون، لا مي، لا كهربا، ولا أي خدمة، والغلاء قاتل”.

وتؤكد أن بعض المنظمات زارت القرية وأجرت “تقييمات وإحصاءات”، لكن شيئاً لم يتغير على الأرض، وتضيف: “اضطررت أرجع استأجر بيت بإدلب المدينة، الحياة بالضيعة مستحيلة”.

مختار التمانعة: الناس تحتاج ما هو أكثر من الوعود

في التمانعة، البلدة الزراعية التي يعتمد معظم سكانها على زراعة الفستق الحلبي، يصف مختار البلدة زهير البكري الوضع بكلمة واحدة: “ضعيف جداً”، ويقول: “أهل البلد محتاجين للغذاء وللتدفئة، خصوصاً بعد سنوات طويلة من الهجرة، الزراعة تضررت بنسبة 70 بالمئة، والمنازل بنسبة 80 بالمئة”.

ويؤكد أن التعايش الاجتماعي موجود، لكن غياب المشاريع الفعلية واضح، قائلاً: “المنظمات بتجي بتعمل تقييمات وإحصاءات، بس ما شفنا شيء على الأرض، مشروع الصرف الصحي اللي وصلنا ما بيكفي ربع الحاجة، والشبكة مدمرة بالكامل، إذا ما صار تدخل سريع، رح تصير عنا كارثة شتوية”.

جهود خجولة وخطوات بطيئة لإعادة الإعمار

رغم التحديات الكبيرة، تبذل المجالس المحلية في ريف إدلب محاولات متفرقة لإعادة جزء من الخدمات الأساسية، ويقول رئيس المجلس المحلي في بلدة التمانعة غازي محمد البكري: إن نحو ألفي عائلة عادت تدريجياً إلى البلدة، لكنها تواجه واقعاً صعباً وانهياراً واسعاً في البنى التحتية.

ويضيف في تصريح لصحيفة “الثورة”: “من أخطر التهديدات حالياً هو وضع الصرف الصحي، بدأنا مشروعاً لصيانته تنفذه الخدمات الفنية عبر متعهد، وسنقوم أيضاً بتزفيت الطريق الواصل من الشارع الرئيسي إلى المدرسة الابتدائية الشمالية”.

ومن أبرز التحديات التي تواجه البلدة أيضاً، انتشار ركام الأبنية المهدمة في الأحياء السكنية، وهو ما يعيق حركة الأهالي ويزيد من مخاطر انتشار الأمراض، مثل حبة السنة التي عادت للظهور مؤخراً.

وبحسب رئيس البلدية، يجري حالياً ترميم المستوصف الصحي، ومن المتوقع أن يبدأ باستقبال الحالات مع بداية العام القادم، كما تم ترميم مدرسة التمانعة المحدثة بدعم من اليونيسف، بينما لا تزال بقية المدارس بحاجة إلى إعادة إعمار.

وتم كذلك تركيب محطتين لضخ المياه، إحداهما على البئر الغربي، والثانية على بئر طريق سكيك بدعم من منظمة إحسان، وتخدمان بلدة التمانعة وقرية سكيك المجاورة.

لكن تبقى الطرقات من أكثر الملفات تعقيداً، إذ “إن معظم طرق البلدة بحاجة إلى تعبيد وتزفيت”، كما يقول رئيس المجلس، مؤكداً أن ضعف التمويل وصعوبة الوصول يشكّلان أبرز العوائق أمام إنجاز هذه المشاريع.

أما على مستوى المحافظة، فيوضح المسؤول ضمن العلاقات العامة في محافظة إدلب، بلال مخزوم، في تصريح لصحيفة “الثورة” أن الخطة الحالية تركز على “تأمين الخدمات الأولية والبنى التحتية كأساس لعودة السكان”،

مع تنفيذ مشاريع جزئية تشمل تركيب محطات مياه، وتأهيل 50 بالمئة من المدارس، وتغطية 25 بالمئة من شبكة الكهرباء في معرة النعمان، فضلاً عن أعمال محدودة في قطاع الصرف الصحي.

الثورة – إيمان سرحان

زر الذهاب إلى الأعلى