لم تعد بيانات المستخدمين تقتصر على الصور والملفات الشخصية المحفوظة في الهواتف وأجهزة الكمبيوتر، بل أصبحت جزءاً من كل نشاط تقريباً نمارسه في العالم الرقمي..
بدءاً من عمليات البحث وتصفح المواقع، مروراً بالتسوق الإلكتروني والتواصل عبر التطبيقات، وصولاً إلى تفاصيل تبدو عادية، مثل النقر على رابط أو التوقف عند صفحة معينة.
ومع التطور المتسارع للتكنولوجيا، تتعدد الوسائل التي تجمع هذه البيانات، ولا تقتصر على المنصات الاجتماعية ومحركات البحث والمتاجر الإلكترونية، إذ توجد أدوات أقل شهرة تعمل في الخلفية، وترصد أنماط الاستخدام والتفاعل، وتستخلص معلومات قد لا يدرك المستخدم أنه يشاركها.
تدفق هائل
ووفقاً لتقديرات حديثة أوردها تقرير نشره موقع «SlashGear»، يتجاوز حجم البيانات التي ينتجها العالم يومياً 402 مليون تيرابايت، أي ما يعادل نحو 49 غيغابايت للفرد الواحد يومياً، استناداً إلى عدد سكان عالمي يقدر بنحو 8.2 مليارات نسمة.
وفي ظل هذا التدفق الهائل للمعلومات، تبرز أربع أدوات شائعة لجمع البيانات قد لا ينتبه كثيرون إلى دورها.
أدوات التنقيب
لا تكتفي بعض التقنيات بتتبع ما يبحث عنه المستخدم أو المنتجات التي يهتم بها، بل تتعمق في تحليل ما يحدث داخل الأنظمة الرقمية نفسها. ومن أبرز هذه التقنيات أدوات التنقيب في العمليات (Process Mining)، التي تستخدم على نطاق واسع في المؤسسات والشركات لفهم كيفية إنجاز الأعمال فعلياً.
وتعتمد هذه الأدوات على جمع البيانات المسجلة في سجلات الأحداث ومسارات التدقيق داخل الأنظمة، مثل توقيت الموافقة على طلب، وتحديث ملف، وإرسال نموذج، أو تشغيل إجراء آلي. ومن خلال تحليل هذه المعلومات، تستطيع إعادة بناء مسار العمل خطوة بخطوة، وتحديد مواطن التأخير والاختناقات التشغيلية، والكشف عن الفجوات بين الإجراءات المخطط لها وما يحدث على أرض الواقع.
وتوفر أدوات مثل «Microsoft Process Advisor» و«Celonis» و«Appian Process Mining» تحليلات تساعد المؤسسات على تحسين سير العمل، وتوزيع الموارد بكفاءة، وتطوير الأتمتة، وخفض التكاليف التشغيلية.
مراقبة التفاعل
قد لا يعلم مستخدم الموقع الإلكتروني أو التطبيق أن حركاته ونقراته تخضع للتحليل، فهناك برامج مصممة لرصد كيفية تفاعل الأشخاص مع الصفحات الرقمية، دون الاكتفاء بمعرفة ما يختارونه أو يبحثون عنه.
وتسجل هذه الأدوات، المعروفة ببرامج تسجيل الجلسات، تحركات مؤشر الفأرة، والنقرات، وعمليات التمرير، والصفحات التي يزورها المستخدم، والمسارات التي يسلكها أثناء التصفح. ومن أمثلتها «Contentsquare» و«Microsoft Clarity» و«Crazy Egg».
وتهدف هذه التقنيات إلى فهم السلوك الفعلي للمستخدمين، ومعرفة الأجزاء التي تجذب انتباههم، والصفحات التي يغادرونها، والنماذج التي يتوقفون عن تعبئتها، بما يساعد الشركات على تحسين تجربة الاستخدام.
وتكمن أهمية هذه المراقبة في أن السلوك البشري قد يتغير عندما يعلم الشخص أنه يخضع للملاحظة، وهي ظاهرة تعرف باسم «تأثير هوثورن»، إذ يميل الأفراد إلى تعديل تصرفاتهم عند إدراكهم أنهم تحت المراقبة، ما قد يؤثر في دقة النتائج.
ومع ذلك، فإن وصف هذه التسجيلات بأنها مجهولة الهوية لا يعني بالضرورة أنها خالية من مخاطر الخصوصية، إذ يعتمد مستوى الحماية على طبيعة البيانات المسجلة وآليات التعامل معها.
جمع البيانات
على الرغم من التحول الرقمي، لا تزال الوسائل التقليدية تحتفظ بمكانتها في جمع المعلومات، إذ تعتمد المؤسسات على الاستبيانات والمقابلات ومجموعات التركيز وقوائم التحقق للحصول على بيانات يصعب أحياناً استخلاصها من الأنظمة الآلية.
وتتيح الاستبيانات جمع آراء أعداد كبيرة من الأشخاص، فيما تساعد المقابلات على فهم التجارب الشخصية والدوافع والتفاصيل التي لا تكشفها الإجابات المختصرة.
ومن الأدوات المستخدمة أيضاً مقاييس التقييم المنظمة (Rubrics)، التي تقسم المهارات والسلوكيات إلى معايير واضحة، بما يسمح بتقييم جوانب يصعب قياسها بالأرقام وحدها، مثل مهارات التواصل والعمل الجماعي والقدرة على إنجاز المهام باستقلالية.
كما توفر الملاحظات المباشرة ومقابلات نهاية التجربة وتقييمات الجلسات معلومات مهمة عن طريقة تعلم الأفراد وتفاعلهم وأدائهم. وحتى مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال الأبحاث، تظل الخبرة البشرية ضرورية في تفسير النتائج وفهم سياقاتها.
لوحة فنية
قد يبدو الرسم أو كتابة قصة أو إعداد لوحة فنية بعيداً عن عالم جمع البيانات، لكنه أصبح من الأساليب المستخدمة في الأبحاث الاجتماعية والنفسية لفهم المشاعر والتجارب الإنسانية والأفكار التي يصعب التعبير عنها بالكلمات.
وتتيح أساليب جمع البيانات القائمة على الفنون للمشاركين التعبير عن تجاربهم من خلال الرسومات أو الصور المجمعة أو القصص المكتوبة أو العروض الأدائية، بما يساعد الباحثين على استكشاف مشاعرهم وطريقة فهمهم للمواقف والعلاقات المحيطة بهم.
ولا تقتصر أهمية هذه الوسائل على العمل الفني نفسه، بل تمتد إلى تفسير صاحبه لما رسمه أو كتبه، والمعاني والمشاعر التي أراد التعبير عنها. وبعد ذلك، يحلل الباحثون هذه التفسيرات لاستخلاص الموضوعات المشتركة والأنماط والدلالات التي تساعد على فهم التجارب الإنسانية بصورة أعمق.
تكشف هذه الأدوات أن جمع البيانات لم يعد مقتصراً على ما يكتبه المستخدم أو ينشره عبر الإنترنت، بل امتد إلى طريقة عمله وتفاعله وتعلمه وحتى تعبيره عن مشاعره.
ومع اتساع استخدام هذه التقنيات، تزداد أهمية الوعي بطبيعة المعلومات التي يتم جمعها، ومعرفة سياسات الخصوصية، والتحقق من إعدادات التطبيقات والمواقع، حفاظاً على البيانات الشخصية من الاستخدام غير المصرح به.
البيان
