
يواجه قطاع التعليم في سوريا واحداً من أخطر تحدياته منذ سنوات، مع نحو 2.4 مليون طفل سوري خارج المدرسة، في ظلّ تداخل عوامل اقتصادية وبنيوية واجتماعية، وفقاً لبيانات وزارة التربية والتعليم.
وقد أفاد وزير التربية والتعليم السوري محمد عبد الرحمن تركو، في مقابلة خاصة مع “الإخبارية السورية” بُثّت اليوم السبت، بأنّ ملفّ التسرّب المدرسي “لم يعد شأناً تعليمياً فحسب، بل قضية وطنية كبرى تتطلب تضافر جهود الحكومة بكاملها، إلى جانب دور فاعل للمنظمات الدولية” لمعالجة قضية الأطفال المتسربين، مشيراً إلى أنّ حجم المشكلة يستدعي حلولاً شاملة تتجاوز حدود وزارته.
وفي ريف إدلب شمال غربي سورية حيث تتقاطع آثار النزوح مع ضيق الحال، تحوّل التعليم لدى عائلات كثيرة من حقّ أساسي إلى حلم مؤجّل. وتروي المواطنة رولا الأحمد، نازحة تقيم في أحد التجمّعات السكنية في شمال المحافظة، لـ”العربي الجديد” قصة تشبه مئات قصص العائلات التي دفعتها الظروف القاسية إلى إخراج أطفالها من المدارس.
وتقول الأحمد إنّ ابنها، البالغ من العمر 12 عاماً، انقطع عن العملية التعليمية قبل نحو عامَين، بعدما وجدت العائلة نفسها عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية. وتشير إلى أنّ حالة زوجها الصحية، إذ هو مصاب بمرض قلبي، وغياب مصدر دخل ثابت “جعلا الطفل يتحمّل مسؤولية تفوق سنّه”، فاضطرّ إلى العمل في ورشة حدادة لساعات طويلة يومياً.
تضيف الأحمد أنّ “القرار لم يكن سهلاً، لكنّ الفقر وضغط الواقع فرضا نفسَيهما على حساب مستقبل الطفل التعليمي”، مؤكدةً أنّ كثيرين من الأهالي يعيشون المأزق نفسه، إذ تتنازعهم الرغبة في تعليم أبنائهم والخوف من العجز عن تأمين لقمة العيش.
وإذ تلفت الأحمد إلى أنّ ابنها كان متفوّقاً في تعليمه ويحبّ المدرسة، تشرح أنّ الظروف المعيشية القاسية وضعت حداً لذلك في وقت مبكر. وتشدّد على أنّ عائلتها ما زالت تنظر إلى التعليم بوصفه أولوية، لكنّها لا تملك رفاهية هذا الخيار في ظلّ ارتفاع تكاليف المعيشة وغياب كلّ دعم.
وتكمل أنّ ابنها يعود إلى المنزل مرهقاً، “حاملاً معه همّ العمل بدلاً من دفاتره المدرسية”، في مشهد تؤكد أنّه صار مألوفاً بين أطفال المخيمات والنازحين.
وفي قرية البرقوم بريف حلب الجنوبي في شمال سورية، حيث ما زالت مشاهد الدمار واضحة في تفاصيل الحياة اليومية، يقول محمد ديوب، أب لثلاثة أطفال متسرّبين، إنّ المدرسة للوحيدة في القرية دُمّرت قبل سنوات ولم يُعَد تأهيلها حتى اليوم،
يضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “أبنائي يحبّون المدرسة، لكنّ أقرب مدرسة تقع في قرية مجاورة، والوصول إليها يتطلّب أجور نقل يومية لا تستطيع العائلة تحمّلها، في ظلّ غياب أيّ مصدر دخل الثابت”.
من جهته، يرى الخبير التربوي والاجتماعي مازن الخليل أنّ التسرّب المدرسي في سورية ليس مجرّد حالة عابرة، بل هو انعكاس لـ”تآكل البنية التحتية التعليمية” بالتوازي مع تدهور الحالة النفسية للتلاميذ الذين عايشوا سنوات من عدم الاستقرار، الأمر الذي جعل المدرسة بيئة طاردة بدلاً من أن تكون حاضنة.
ويحذّر الخليل، في حديث لـ”العربي الجديد”، من أنّ بقاء آلاف الأطفال خارج المقاعد الدراسية سوف يؤدّي حتماً إلى “فجوة معرفية ومجتمعية” يصعب ردمها مستقبلاً، إذ سوف ينمو جيل كامل يفتقر إلى المهارات الأساسية، الأمر الذي يجعله عرضة للاستغلال في سوق العمل غير المنظّم أو الوقوع في فخّ الجريمة والفقر الدائم.
ويرى الخليل أنّ كلّ جهد تربوي لن ينجح ما لم يقترن بـ”تمكين اقتصادي للأسر، فالحاجة المادية هي المحرّك الأوّل لدفع الأطفال نحو العمل، وبالتالي فإنّ الدعم المالي المباشر للعائلات الأكثر فقراً هو صمّام الأمان لإعادة الأطفال إلى فصولهم الدراسية”.
ويشدّد على ضرورة التوسّع في برامج التعليم التعويضي والمسرّع، لاستقطاب الفئات التي فاتها قطار التعليم لسنوات، مشيراً إلى أنّ المناهج التقليدية والدوام الصارم قد لا يتناسبان مع ظروف هؤلاء الأطفال حالياً.
ويقترح الخبير السوري إعادة صياغة العلاقة ما بين المدرسة والمستقبل، عبر “تطوير التعليم المهني والتقني” وربطه بمتطلبات سوق العمل الفعلية، ليشعر التلميذ ووليّ أمره بأنّ التعليم ليس مجرّد شهادة ورقية، بل هو استثمار حقيقي يضمن حياة كريمة.
ويبيّن الخليل أنّ إنقاذ القطاع التربوي في سورية يتطلب إرادة دولية ومحلية مشتركة، تبدأ من ترميم الحجر وتنتهي ببناء البشر، محذّراً من أنّ كلفة الجهل مستقبلاً سوف تفوق بكثير تكلفة الاستثمار في التعليم اليوم.
وفي خلال حديثه اليوم، عرّف وزير التربية والتعليم السوري التسرّب المدرسي بأن يكون كلّ طفل في سنّ التعليم الإلزامي في خارج العملية التعليمية، سواء في حال لم يتمكّن من الالتحاق بها في الأساس أو اضطرّ إلى تركها في وقت لاحق.
ويقسّم تركو التسرّب المدرسي إلى أنواع عدّة، من بينها ما يسمّيه “التسرّب التعليمي” ويعني الأطفال الذين يرغبون في التعليم من دون أن تتوفّر لهم مدارس في مناطقهم على خلفيّة الدمار أو غياب البنية التحتية. ويقدّر عدد هؤلاء بنحو 400 ألف طفل.
أمّا الشريحة الأكبر من الأطفال المتسرّبين في سورية فهي مشمولة بـ”التسرّب الاقتصادي” على خلفية “عمالة الأطفال”، بحسب ما أضاف تركو، شارحاً أنّ آلاف الأطفال يُجبَرون على العمل في سنّ مبكرة للمساهمة في إعالة عائلاتهم، نتيجة الفقر وتدهور الأوضاع المعيشية.
وتابع الوزير أنّ عدداً كبيراً من الأطفال السوريين باتوا يتحمّلون مسؤولية إعالة عائلاتهم، الأمر الذي يجعل إعادتهم إلى المدرسة مهمّة شديدة التعقيد، وأكّد أنّ “التسرّب مرتبط مباشرةً بالوضع الاقتصادي، وكلّ تحسّن يطرأ على دخل العائلة ينعكس تلقائياً بانخفاض أعداد المتسرّبين”.
في هذا السياق، تعمل وزارة التربية والتعليم في سورية على إعادة ربط الأسر الأكثر فقراً ببرامج الحماية والدعم الاجتماعي، وذلك بالتنسيق مع وزارات أخرى ولا سيّما وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، إذ إنّ تحسين الوضع الاقتصادي شرط أساسي لضمان الحقّ في التعليم.
وقد شدّد الوزير على أنّ جعل الحقّ في التعليم في متناول كلّ طفل سوري وعلى كامل الجغرافيا السورية يمثّل “واجباً وطنياً”، مشيراً إلى صدور مرسوم رئاسي يسمح للمدارس الدولية بالعمل في سورية أخيراً. لكنّ هذا المسار يصطدم بتحديات كبيرة، أبرزها تضرّر واسع في البنية التحتية ونقص في المستلزمات التعليمية.
يُذكر أنّ نحو ثمانية آلاف مدرسة في سورية تحتاج إلى إعادة تأهيل، وقد رُمّم حتى الآن أكثر من ألف مدرسة منها، فيما تخضع نحو ألف مدرسة أخرى لأعمال ترميم في الوقت الراهن، أي ما بين 15 و18% من إجمالي المدارس المتضرّرة.
وفي محاولة لإعادة ضبط المنظومة التعليمية، اتّخذت وزارة التربية والتعليم السورية قراراً بتوحيد المناهج والصفوف الانتقالية في خلال العام الدراسي الحالي، على أن تُجرى امتحانات الشهادتَين الإعدادية والثانوية في عام 2026 وفقاً للمناهج القديمة. وحدّدت عام 2027 موعداً لتوحيد المناهج والامتحانات العامة في عموم سورية.
تجدر الإشارة إلى أنّ نحو 570 ألف طفل عادوا من المهجر إلى مدارس سورية في الفترة الأخيرة، بحسب بيانات وزارة التربية والتعليم التي اعتُمدت مناهج خاصة تتيح للمنقطعين إتمام عامَين دراسيَّين في عام واحد لتعويض الفاقد التعليمي.
كذلك نفّذت الوزارة برامج دعم نفسي للأطفال بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في محاولة لمعالجة الآثار النفسية العميقة التي خلّفتها سنوات الحرب.
وأعلنت الوزارة إعادة المعلّمين المفصولين على خلفية دعمهم الثورة السورية، وقد باشر نحو 11 ألف معلّم أعمالهم حتى الآن، بالتوازي مع الجهود المبذولة لتوحيد أوضاع المعلّمين من ضمن نظام إداري مالي موحّد.
العربي الجديد- هاديا المنصور












