قدّم ريال مدريد أحد أكبر عروضه تكاملاً هذا الموسم، بعدما اكتسح إشبيلية بـ4 أهداف مقابل هدف واحد على ملعب «سانتياغو برنابيو» مساء الأحد.
ووفق شبكة «ذي أثلتيك (The Athletic)»، فقد حقق الفريق المدريدي انتصاره بفضل أداء استثنائي من كيليان مبابي، الذي سجل هدفين رائعين في عرض أعاد إلى الأذهان أفضل مستوياته مع المنتخب الفرنسي في كأس العالم.
وفعل ذلك أيضاً بفضل تألق لافت من التركي أردا غولر، الذي تحكم في إيقاع اللعب بوسط الملعب، وافتتح التسجيل بتسديدة مذهلة.
كما استفاد ريال مدريد من إسهام مؤثر للموهبة الشاب العاجي يان ديوماندي، الذي اختتم الرباعية بتسديدة صاروخية في الدقيقة الـ82.
لكن اللافت أن ريال مدريد فعل كل ذلك من دون فينيسيوس جونيور.
غياب فينيسيوس يفتح باب التساؤلات
تعرض الجناح البرازيلي، البالغ من العمر 26 عاماً، للطرد خلال فوز ريال مدريد على فياريال في ملعبه الأسبوع الماضي، بعدما جذب ناثان ساليبا من شعره، ليُعاقب بالإيقاف 4 مباريات في الدوري الإسباني.
وكانت مواجهة إشبيلية أولى مباريات غيابه، كما سيفتقده ريال مدريد خلال رحلته إلى برشلونة يوم الأحد المقبل.
وبالطبع، فإن مباراة واحدة في غياب فينيسيوس تمثل عينة أصغر بكثير من أن تسمح باستنتاج أن ريال مدريد أصبح فريقاً أفضل من دونه.
لكن انتصار الأحد قدم بالتأكيد لمحة عمّا كان يمكن أن يبدو عليه الفريق لو رحل اللاعب إلى آرسنال خلال الصيف الماضي، وأعاد الجدل المستمر بشأن مكانته داخل الفريق إلى الواجهة بصورة أوضح.
والشكوك المحيطة بفينيسيوس ليست جديدة؛ فمنذ احتلاله المركز الثاني خلف رودري في سباق «الكرة الذهبية» عام 2024، بعد أشهر قليلة من وصول مبابي إلى ريال مدريد،
عانى اللاعب البرازيلي في الحفاظ على المستويات الاستثنائية التي ساعدته وساعدت فريقه في الفوز بـ«دوري أبطال أوروبا» عامي 2022 و2024، عندما سجل في المباراتين النهائيتين.
ولم تساعد مشكلاته مع تشابي ألونسو، عقب الاستبدال به خلال مباراة الكلاسيكو الأولى في الموسم الماضي، على تحسين مكانته.
وفي الوقت نفسه، أكمل ريال مدريد موسمين من دون الفوز بأي بطولة، وسط شعور قوي بأن فينيسيوس ومبابي لا يزالان يواجهان صعوبة في تحقيق الانسجام المطلوب بينهما.
ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، عندما أُقيل ألونسو وحل ألفارو أربيلوا مكانه، سُمعت صافرات الاستهجان من جماهير ريال مدريد في ملعبها خلال مناسبات عدة، وكان فينيسيوس غالباً هدفاً لغضب المشجعين.
جماهير الـ«برنابيو» تحتج على تيباس… وتنتقد مبابي وغولر
لعبت جماهير البرنابيو دوراً في أحداث مباراة إشبيلية أيضاً. ففي البداية، رفع المشجعون لافتة كُتب عليها: «هذه ليست كرة قدم، بل (تيباس ونيجريرا)».
وجاء ذلك رداً على تصريحات نشرها خافيير تيباس، رئيس «رابطة الدوري الإسباني»، عبر وسائل التواصل الاجتماعي يوم الجمعة، عندما قارن الاستراتيجية الإعلامية لريال مدريد بالأساليب التي استخدمها جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية.
ولم تقتصر صافرات الاستهجان على الاحتجاج ضد تيباس؛ فقد تعرض مبابي لبعض الصافرات بعدما أهدر تسديدته الأولى، كما طالت الانتقادات أردا غولر بسبب تأخره في تمرير الكرة إلى ديوماندي.
ومع مشاركة ديوماندي أساسياً في الجناح الأيسر بدلاً من فينيسيوس، سادت أجواء من عدم اليقين بشأن ما يمكن أن يقدمه اللاعب الشاب.
وكان ريال مدريد قد تعاقد مع ديوماندي، البالغ من العمر 19 عاماً، قادماً من لايبزيغ الألماني خلال الصيف الماضي، في صفقة قد تصل قيمتها إلى 140 مليون يورو، أي نحو 111.7 مليون جنيه إسترليني، وهو مبلغ قياسي محتمل في تاريخ النادي.
لكن بدايته لم تكن بالمستوى المنتظر.
وعندما أرسل كرة عرضية غير دقيقة إلى منطقة الجزاء قبل مرور نصف ساعة بقليل، انطلقت آهات الاستياء بصورة جماعية من المدرجات.
ومع ذلك، فإن ديوماندي لم يتوقف عن طلب الكرة. وفي الهجمة التالية، تسلم الكرة على الطرف، ثم مررها إلى غولر، الذي افتتح التسجيل بتسديدة رائعة.
ولم يخلُ الهدف من الجدل؛ إذ بدا أن غولر وجه ضربة بمرفقه إلى جيرارد فيرنانديز، لاعب إشبيلية، خلال بناء الهجمة؛ مما أثار احتجاجات الفريق الضيف.
لكن الهدف كان استثنائياً، وقدم لمحة عن الإمكانات الهجومية الجديدة التي قد يمتلكها ريال مدريد.
كيف غيّر غياب فينيسيوس شكل هجوم ريال مدريد؟
لفترة طويلة، تمثل السلاح الهجومي الأعلى موثوقية لريال مدريد في انطلاقات فينيسيوس القوية على الجناح الأيسر. وفي بعض الأحيان، جرى تصويره بوصفه الحل الوحيد داخل منظومة كارلو أنشيلوتي.
لكن مع تراجع مستوى البرازيلي، واستمرار الصعوبات الناتجة عن تحرك مبابي في المساحات الخطيرة نفسها، ساد شعور بأن ريال مدريد فقد توازنه، وأصبح في بعض المباريات أسهل في التعامل معه دفاعياً.
أمام إشبيلية، بدا مبابي أكبر استمتاعاً بحرية التحرك في مختلف مناطق الخط الأمامي، من دون أن يجد زملاءه يشغلون المساحات نفسها بصورة متكررة.
فقد لعب ديوماندي على اليسار، وإندريك على اليمين؛ مما أتاح للمهاجم الفرنسي مساحة أكبر للتحرك والمناورة.
لكن إسهام أردا غولر من مركز وسط الملعب يستحق اهتماماً خاصاً؛ فقد منح اللاعب التركي ريال مدريد قدراً أكبر من الانسيابية في اللعب، بفضل قدرته على تحديد اللحظات المناسبة لتهدئة الإيقاع، وتلك التي تتطلب تسريع الهجمات.
وهذه ميزة افتقدها ريال مدريد كثيراً منذ اعتزال توني كروس عام 2024.
وكان القرار التكتيكي الحاسم في هذه المباراة هو نقل جوزيه مورينيو فيديريكو فالفيردي من وسط الملعب إلى مركز الظهير الأيمن، لإفساح المجال أمام الدولي التركي البالغ من العمر 21 عاماً.
وأكد أعضاء من الجهاز الفني لريال مدريد، تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم لعدم امتلاكهم تصريحاً بالحديث علناً، أنهم شعروا بأن الفريق بدا أشد تماسكاً وتنظيماً.
واتفقوا أيضاً مع التقييم الذي يشير إلى أن مبابي كان يتمتع بحرية أكبر في التحرك.
مبابي يستعيد سحره… وغولر يقود الإيقاع
سرعان ما نُسيت صافرات الاستهجان المبكرة التي تعرض لها مبابي، بعدما سجل هدفاً مذهلاً منح ريال مدريد التقدم بهدفين دون رد.
فبعد لمسة ذكية من جود بيلينغهام، سيطر المهاجم الفرنسي، البالغ من العمر 27 عاماً، على الكرة ببراعة، ثم أربك المدافع الذي يراقبه، واستدار متجاوزاً إياه بحركات قدمين شديدة المهارة، قبل أن ينهي الهجمة بصورة رائعة.
وبعد الاستراحة، حصل مبابي على ركلة جزاء، نفذها بنجاح على طريقة «بانينكا».
كان ريال مدريد يقدم عرضاً هجومياً مبهراً. وحتى الهفوة القصيرة التي ارتكبها مبابي، عندما فقد الكرة في نصف ملعب فريقه؛ مما أتاح لمانو بوينو تقليص الفارق إلى 3 – 1، لم تنجح في تغيير الحالة المزاجية داخل الملعب.
ووقفت الجماهير لتصفق لإندريك خلال مغادرته أرض الملعب، كما خصت بيلينغهام بتحية حارة عند الاستبدال به في الدقيقة الـ69.
لكن الهدف الرابع الذي سجله ديوماندي قدم الدليل الأوضح على أن شيئاً مهماً قد تغير في الفريق.
ديوماندي يختار التسديد بدلاً من منح مبابي الهاتريك
عندما اقترب ديوماندي من مرمى إشبيلية، كانت أمامه خيارات عدة: كان بإمكانه تمرير الكرة عرضياً إلى مارك كوكوريّا، الذي أصبح يتقدم بصورة متكررة إلى منطقة الجزاء من الجهة اليسرى.
وكان يستطيع أيضاً تمريرها إلى مبابي، ليمنحه فرصة تسجيل هدفه الـ3 وإكمال الثلاثية الشخصية… لكنه اختار الاعتماد على نفسه.
أطلق ديوماندي تسديدة قوية استقرت في الزاوية العليا للمرمى، ليصبح أول لاعب دون الـ20 عاماً يسجل هدفاً ويصنع آخر في مباراة واحدة بالدوري الإسباني مع ريال مدريد خلال القرن الحالي.
والحقيقة أن ما حدث لم يكن كله نتيجة مجرد ابتعاد فينيسيوس عن التشكيلة. ومن المرجح أن يستمر الجدل بشأن تأثير غيابه لبعض الوقت.
لكن الأجواء داخل الـ«برنابيو» هدأت أخيراً يوم الأحد، وبدا الجمهور أكبر ارتياحاً لما يشاهده من فريقه.
مورينيو يدافع عن فينيسيوس: لو كنت مكانه لرحلت
سيغيب فينيسيوس مجدداً عن مواجهة برشلونة، حامل لقب الدوري الإسباني، يوم الأحد المقبل. لكن مورينيو أكد أن اللاعب البرازيلي سيشارك أساسياً في مباراة الأربعاء أمام لايبزيغ في «دوري أبطال أوروبا».
وكان المدرب البرتغالي، البالغ من العمر 63 عاماً، قد دافع مراراً عن فينيسيوس أمام الانتقادات التي تعرض لها خلال الموسم الحالي.
وفي المؤتمر الصحافي الذي سبق مواجهة إشبيلية يوم السبت، تحدث مورينيو عن علاقته بالجناح البرازيلي قائلاً: «إنه شاب رائع، ومن السهل للغاية أن تكون لديك علاقة جيدة معه».
وأضاف: «لا يمر يوم واحد من دون أن أقضي بعض الوقت معه على انفراد. أحبه كثيراً، إنه شاب رائع».
وتابع: «أمنحه تقديراً هائلاً لقدرته على التعامل مع ما يواجهه، والاستمرار في الحياة والصمود والحفاظ على ابتسامته. أقدر ذلك بصورة هائلة». ثم قال: «لو كنت في موقفه، فلربما ما بقيت هنا».
وأوضح مورينيو: «في الصيف الماضي، ربما كنت سأضغط من أجل الرحيل إلى مسابقة أخرى، أو بلد آخر، أو مجموعة من المنافسين الذين يحترمونني».
واختتم المدرب البرتغالي حديثه قائلاً: «لكنه جدد عقده بدافع حبه النادي والمدينة، وواصل مسيرته بتلك الابتسامة… بالنسبة إليه؛ لا… لا توجد أماكن أفضل يمكنه أن يكون فيها».
وبين تألق ريال مدريد من دون فينيسيوس، ودفاع مورينيو المستمر عنه، يبقى السؤال مفتوحاً: هل كشفت رباعية إشبيلية عن صيغة هجومية أكبر توازناً، أم إنها مجرد ليلة استثنائية لا تكفي للحكم على مستقبل أحد أبرز نجوم الفريق؟
