
ارتفع منسوب نهر الفرات في سوريا إلى مستويات غير مسبوقة، منذ ثمانينات القرن الماضي، نتيجة الأمطار الغزيرة في سوريا وتركيا،
بالتزامن مع ذوبان الثلوج في المرتفعات التركية، وفتح بوابات المفيض في سد “أتاتورك”، ما أدى إلى تدفقات مائية وصلت إلى 4 أضعاف مستوى الجريان الطبيعي، تسببت في أزمات إنسانية وخدمية واسعة.
ودفعت التطورات الحكومة السورية إلى إخلاء عدد من المناطق، مع خروج نحو 50 محطة لضخ المياه ومحطات تغذية كهربائية عن الخدمة.
كما انهارت 3 جسور ترابية رئيسية جرى ترميمها سابقاً في مدينة دير الزور وريفها، ما أدى إلى انقطاع التواصل بين ضفتي نهر الفرات الشرقية والغربية، المعروفتين محلياً بـ”الجزيرة” و”الشامية”، وسط مخاوف من امتداد مياه النهر إلى مساحات إضافية واتساع رقعة المناطق المتضررة.
وقالت إدارة سد “الفرات” إن تدفق المياه مرشح للارتفاع إلى ما بين 500 و800 متر مكعب في الثانية، ما سيرفع مستوى المياه في المناطق الواقعة بعد سد كديران، دون أن يشكل خطراً مباشراً على القرى والبلدات الممتدة على جانبي النهر.
كما حذرت السكان من الاقتراب من مجرى النهر أو السباحة فيه، ودعت إلى سحب المعدات الزراعية من المناطق القريبة، مؤكدة أن ارتفاع منسوب المياه سيستمر عدة أيام.
وفتحت أنقرة بوابات التصريف في سد “أتاتورك”، أكبر سدود تركيا وأحد أكبر السدود في العالم من حيث حجم الردم، وذلك للمرة الأولى منذ 7 سنوات، حسبما ذكرت وكالة “الأناضول”.
خطة متكاملة للحفاظ على السدود
ومع بدء تدفق المياه من تركيا، ارتفع منسوب المياه تدريجياً، ليصل جريان نهر الفرات إلى نحو ألف متر مكعب في الثانية، ما استدعى فتح 3 بوابات مفيض في سد الفرات لتصريف المياه بعد امتلاء بحيرة السد بالكامل، في حدث لم يشهده السد منذ نحو 30 عاماً.
وفي وقت لاحق، جرى فتح البوابة الرابعة بعد ارتفاع التدفقات المائية إلى ما بين 1800 و2000 متر مكعب في الثانية.
قال مصدر في وزارة الطاقة السورية لـ”الشرق”، إن “الإجراء جاء ضمن خطة متكاملة للحفاظ على السلامة الإنشائية والتشغيلية للسدود، وسط تواصل أعمال المراقبة والتشغيل على مدار الساعة، بما يضمن التعامل الآمن مع كميات المياه الواردة وفق المعايير الفنية المعتمدة”.
وأشار إلى أن “الكوادر المختصة تعمل على تعزيز جاهزية مجموعات التوليد الكهرومائية، بما يسهم في دعم الشبكة الوطنية بالطاقة الكهربائية وتعزيز استقرار المنظومة الكهربائية في البلاد”.
وبدأت التحذيرات الحكومية قبل 3 أيام من عيد الأضحى، عبر بيانات صادرة عن إدارة سد الفرات ودائرة الإنذار المبكر في وزارة الطوارئ، دعت سكان محافظتي الرقة ودير الزور إلى توخي الحذر من ارتفاع متوقع في منسوب النهر، مع استمرار الهطولات المطرية.
وشهدت سوريا في عام 1988 فيضانات مماثلة نتيجة هطولات مطرية غزيرة، ما دفع المعنيين حينها إلى فتح جميع بوابات سد الفرات لتجنب انهياره، الأمر الذي تسبب بغرق عدد من القرى والبلدات الواقعة على امتداد مجرى النهر.
لماذا ارتفع منسوب النهر؟
ومع استمرار الهطولات المطرية حتى مايو، بالتزامن مع ذوبان الثلوج في المرتفعات الجبلية التركية، تشكلت ضغوط مائية كبيرة أدت إلى ارتفاع تدفقات المياه إلى مستويات غير مسبوقة، بحسب الخبير الجيولوجي عزيز ميخائيل.
وقال ميخائيل لـ”الشرق” إن “امتلاء السدود التركية الواقعة على نهر الفرات، وفي مقدمتها سد أتاتورك، دفع السلطات التركية إلى فتح بوابات المفيض، ما أدى إلى ارتفاع تدفقات المياه باتجاه الأراضي السورية إلى ما بين 1800 و2000 متر مكعب في الثانية”.
وأشار إلى أن العراق يحصل على حصته من مياه النهر عبر سوريا، وفق اتفاقية تقاسم مياه الفرات بين الدول الثلاث الموقعة عام 1987، والتي تنص على التزام تركيا بتمرير ما لا يقل عن 500 متر مكعب في الثانية لكل من سوريا والعراق.
ولفت إلى أن “فتح بوابات المفيض يتم بهدف إحداث توازن بين مخزون السدود وزيادة الوارد المائي، بما يضمن استمرار تدفق المياه من دون حدوث أي أضرار فنية”.
سد الفرات
وبدأ تأسيس سد الفرات عام 1968 بدعم من الاتحاد السوفيتي، قبل أن يدخل الخدمة بشكله الحالي عام 1974 في مدينة الطبقة، على بعد نحو 50 كيلومتراً غرب الرقة، ويمتد بطول يبلغ نحو 4500 متر، وبعرض يصل إلى 512 متراً عند القاعدة و19 متراً عند القمة، فيما يبلغ ارتفاعه نحو 60 متراً.
أما بحيرة السد، فيبلغ طولها نحو 80 كيلومتراً، وعرضها 8 كيلومترات، بسعة تخزينية تتجاوز 14 مليار متر مكعب من المياه، وتغذي مساحات واسعة بمياه الري والشرب في محافظات الرقة ودير الزور وحلب.
كما يوفر السد تغذية كهربائية عبر عنفات توليد تتفاوت قدرتها الإنتاجية بحسب مستويات تخزين المياه وتدفق نهر الفرات.
أضرار واسعة
وبعد 4 أيام من الارتفاع المستمر في منسوب نهر الفرات، أعلنت محافظة دير الزور حالة الطوارئ مع تزايد خطر وصول المياه إلى مستويات غير مسبوقة،
ما أدى إلى انهيار عدد من الجسور، وخروج معظم محطات الكهرباء والمياه عن الخدمة، وإخلاء جزيرتين سكنيتين داخل مجرى النهر، إضافة إلى غرق مساحات زراعية ومنشآت سياحية مشيدة على ضفاف الفرات، بينها مطاعم ومنتزهات.
وتسبب ارتفاع منسوب النهر في غرق 3 أطفال، فضلاً عن انهيار عدة جسور ترابية تربط بين ضفتي الفرات، أبرزها الجسر الترابي في مدينة دير الزور،
ما زاد من مخاطر استخدام العبارات النهرية التي لا تزال تمثل وسيلة النقل الرئيسية بين ضفتي النهر، بعد تدمير معظم الجسور التي كانت تربط مدن وبلدات المحافظة خلال سنوات الحرب السورية بفعل غارات طيران التحالف الدولي وروسيا وقوات النظام السوري السابق.
وأعلنت لجنة الطوارئ وإدارة الكوارث في محافظة دير الزور “إخلاءً فورياً” لجزيرتي حويجة صكر وحويجة كاطع “حرصاً على سلامة الأهالي وحماية أرواحهم وممتلكاتهم”.
وأشارت اللجنة إلى فتح 3 معابر نهرية قرب جسر السياسية والبغيلية في مدينة دير الزور، إضافة إلى معبر قرب جسر الميادين في ريف المحافظة الشرقي، بهدف تنظيم حركة نقل الحالات الإنسانية بين ضفتي النهر.
وخرجت غالبية محطات مياه الشرب عن الخدمة بعد تفكيك تجهيزاتها لمنع تعرضها للتلف، ومن بينها محطات الشميطية ومعدان وزغير شامية والمسرب، إضافة إلى خروج محطة الصعوة عن الخدمة بنسبة 90%، وتأثر محطة المحاريج، وفق مديرية إعلام دير الزور.
كما بدأت مؤسسة المياه تفكيك بقية محطات المياه كإجراء احترازي لتجنب تعرضها للضرر مع استمرار ارتفاع منسوب النهر.
وفي السياق ذاته، تم فصل محطات التغذية الكهربائية عن عدة مناطق في ريف دير الزور، ما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من الريفين الشرقي والغربي للمحافظة.
وأكدت المؤسسة العامة لمياه الشرب في دير الزور، في بيان، أن “50 محطة مياه في ريف دير الزور خرجت عن الخدمة، بما يعادل 25% من إجمالي محطات المياه في الريف، في حين لا تزال محطات المدينة تعمل بشكل مقبول حتى اللحظة”.
وأوضحت المؤسسة أن “السبب الرئيسي لخروج هذه المحطات عن الخدمة يعود إلى إنشائها سابقاً ضمن سرير النهر والمناطق المعرضة للغمر، من دون اتخاذ الاحتياطات الفنية الكافية لمواجهة حالات الفيضان وارتفاع منسوب المياه”.
كما تضررت عدد من المنشآت السياحية والمطاعم المقامة على ضفاف نهر الفرات، بعد غمرها جزئياً أو كلياً بمياه النهر، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة وتكبدها أضراراً مادية كبيرة.
أما في الرقة، فقد أدى ارتفاع منسوب المياه إلى غرق عدد من التجمعات السكنية والقرى في الريف الجنوبي، بينها المحوكية والفخيخة وكسرة الشيخ جمعة وحويجة السوافي وحويجة الحمرات، إضافة إلى غمر مخيمي الكسرات والبيت اليوناني.
كما غمرت المياه مساحات زراعية واسعة على امتداد تلك القرى والبلدات، فيما خرجت محطتا مياه الحمرات والمياه عن الخدمة، ما تسبب بانقطاع المياه عن تجمعات سكانية واسعة في المنطقة.
تدخل حكومي
ومع ارتفاع المخاطر الناتجة عن فيضان النهر، أعلنت وزارة الطوارئ والكوارث تنفيذ خطة تدخل طارئة تركز على رفع سواتر ترابية في عدة مناطق لمنع وصول المياه إليها والتخفيف من آثار الفيضان على عدد من المناطق السكنية في ريف دير الزور، بينها حويجة زهرة وحويجة بدر.
كما تتضمن الخطة نقل الحالات الإنسانية بين ضفتي النهر عبر زوارق وطوافات مائية، وتجهيز فرق إسعاف وقوارب إنقاذ، إلى جانب تنفيذ أعمال رفع سواتر ترابية حول محطات مياه حيوية في دير الزور والرقة.
وفي موازاة ذلك، شكلت وزارة الصحة غرفة عمليات مشتركة مع مديريات الصحة في الرقة ودير الزور، وبالتنسيق مع محافظة دير الزور ووزارة الطوارئ والكوارث وقوى الأمن الداخلي والهلال الأحمر العربي السوري، لمتابعة الأوضاع الصحية في منطقة الجزيرة شرق الفرات.
الهلال الأحمر: 3 محاور للاستجابة
من جهته، قال مدير إدارة الكوارث والعمليات في الهلال الأحمر العربي السوري، طارق الأشرف، إن “فرق الهلال بدأت، منذ إطلاق التحذيرات بارتفاع منسوب المياه واحتمال حدوث فيضانات، بتقييم الواقع الميداني بالتعاون مع محافظات دير الزور والرقة وحلب ووزارة الطوارئ والكوارث”.
وأضاف الأشرف، لـ”الشرق”، أن “تدخل الهلال الأحمر يتركز على 3 محاور رئيسية، تشمل تأمين مياه الشرب للمناطق التي ستتأثر أو تأثرت نتيجة خروج محطات الضخ عن الخدمة، والعمل على حماية محطات الضخ القريبة من النهر عبر رفع سواتر ترابية حولها بالتنسيق مع مؤسسة مياه الشرب”.
وتابع أن “المحور الثالث يتعلق بتأمين مساعدات إغاثية طارئة، تشمل سللاً غذائية وغير غذائية ومواد إيواء، للعائلات النازحة من منازلها في المناطق المتضررة، إلى جانب التوعية بمخاطر استمرار ارتفاع منسوب النهر”.
وأشار إلى أن “عمل الهلال الأحمر يتم بالتنسيق مع الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في سوريا”.
تحذير جديد من وزارة الطاقة
ومع استمرار ارتفاع تدفق المياه، نوهت وزارة الطاقة السورية إلى أن موجات التدفق العالية القادمة عبر نهر الفرات بدأت تصل تدريجياً إلى المناطق الواقعة ضمن محافظة دير الزور، مع دخول آثار موجة التصريف السابقة، المقدّرة بنحو 1600 متر مكعب في الثانية، إلى الحدود الإدارية للمحافظة.
وأوضحت الوزارة أن ذلك تسبب بارتفاع إضافي في منسوب المياه، بعد قيام الجهات الفنية في المؤسسة العامة لسد الفرات، قبل يومين، بفتح البوابة الرابعة لمفيض السد ورفع كميات التصريف إلى نحو 1800 متر مكعب في الثانية، حفاظاً على سلامة السدود والمنشآت المائية.
وحذرت الوزارة من أن “منسوبات نهر الفرات قد تشهد ارتفاعات إضافية خلال الساعات والأيام المقبلة مع وصول موجة التدفق الجديدة بشكل كامل”.
وحذر معاون وزير الطاقة لشؤون الموارد المائية، أسامة أبو زيد، في تصريح لـ”الشرق”، من أن ارتفاع مناسيب المياه وسرعة جريانها قد يؤديان إلى تشكل سيول مفاجئة وانجرافات خطرة تهدد الأرواح والممتلكات، خصوصاً في المناطق القريبة من ضفاف النهر والجزر النهرية ومواقع التنزه والرعي والزراعة.
ودعا الأهالي إلى الابتعاد عن سرير نهر الفرات، وتوخي الحذر والابتعاد عن مجرى النهر والمناطق المنخفضة المحاذية له خلال فترات الهطولات المطرية الغزيرة وزيادة الإطلاقات المائية، مشدداً على ضرورة عدم الاقتراب أو الجلوس ضمن سرير النهر أثناء ارتفاع المناسيب، ومنع الأطفال من السباحة أو اللعب بالقرب من مجرى النهر.
واقع تشغيلي استثنائي
من جهته، قال مدير المؤسسة العامة لسد الفرات، هيثم بكور، لـ”الشرق”، إن التدفقات المائية الواردة خلال الأيام الماضية وصلت إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية، نتيجة غزارة الموسم المطري الحالي وفتح بوابات المفيض في السدود الواقعة على مجرى النهر داخل الأراضي التركية.
وأضاف أن “هذه الكميات الكبيرة من المياه فرضت واقعاً تشغيلياً استثنائياً على السدود والمنشآت المائية السورية، إذ يجري حالياً تمرير نحو 1800 متر مكعب في الثانية عبر السدود والمنظومة المائية، ضمن إجراءات فنية مدروسة تهدف إلى الحفاظ على سلامة السدود وضمان استقرار المنظومة المائية بشكل كامل”.
وأوضح أن “بحيرات السدود السورية وصلت إلى نسب تخزين مرتفعة تجاوزت 98.5%، الأمر الذي لم يعد يسمح بتخزين كميات إضافية من المياه من دون التأثير في حدود الأمان التشغيلية، ما استدعى الاستمرار في تمرير كميات كبيرة باتجاه مجرى النهر”.
ولفت إلى أن “الموجة المائية الحالية احتاجت إلى نحو يوم ونصف للوصول من منطقة السد إلى محافظة دير الزور، فيما تبلغ سرعة الجريان الحالية قرابة 1.5 متر في الثانية، مع تسجيل ارتفاعات متفاوتة في منسوب المياه تبعاً لطبيعة مجرى النهر والمناطق المحيطة به”.
وذكر بكور أن “السدود والمنشآت المائية بحالة فنية مستقرة وآمنة بالكامل، ولا يوجد أي خطر إنشائي على جسم السدود أو البوابات أو التجهيزات التشغيلية”، مشيراً إلى أن “القدرة الفنية للسدود تسمح بتمرير كميات أكبر من التدفقات الحالية عند الحاجة، وأن جميع الأعمال الجارية تتم وفق مراقبة فنية دقيقة، وعلى مدار الساعة”.
وكشف مدير المؤسسة العامة لسد الفرات أن الأضرار المسجلة حتى الآن تتركز بمعظمها في مناطق التعديات والعشوائيات المقامة ضمن حرم النهر، أو في سريره الطبيعي، إضافة إلى بعض الأراضي الزراعية الواقعة ضمن مناطق الغمر.
وأكد أنه “لم يتم تسجيل أي مخاطر على التجمعات السكانية النظامية أو المنشآت الرئيسية المرتبطة بالسدود”.
وأضاف أن المعطيات الحالية تشير إلى استمرار التدفقات المرتفعة القادمة من الجانب التركي حتى مساء الأحد، على أن تبدأ بعدها بالانخفاض التدريجي، وفق المعلومات الفنية المتوفرة حتى الآن.
الشرق















