سياسة

مينابوليس تحتج.. اختبار جديد لقبضة ترامب الحديدية؟

شكلت الاحتجاجات التي تشهدها مدينة مينابوليس منذ السابع من يناير الجاري، محطة بارزة في المشهد السياسي الأمريكي، بعد مقتل المواطن أليكس بريتي (37 عاماً)، على يد ضباط وكالة الهجرة والجمارك،

وتحولت من احتجاجات سلمية، إلى موجة واسعة من المواجهات العنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن الفيدرالية، ما يعكس حجم الغضب الشعبي تجاه سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب في إنفاذ قوانين الهجرة.

وتأتي هذه الأزمة، بعد حادثة سابقة أودت بحياة رينيه غود في نفس المنطقة، ما أدى إلى تجمع آلاف المحتجين في الشوارع، رغم الطقس القارس، مطالبين برحيل قوات الهجرة، ورفع مستوى الحماية المدنية.

وللحد من الاحتجاجات، لجأت السلطات إلى استخدام الهراوات وقنابل الصوت، وحملات اعتقالات واسعة، فيما طالب مدير شرطة مينابوليس، برايان أوهارا، المحتجين بالهدوء، وعدم تدمير الممتلكات العامة.

وتوسعت الحركة الاحتجاجية، لتشمل شوارع نيويورك، مع شعارات تقول: «مينيسوتا بدأت الأمر، وحان وقت إغلاق وطني شامل»، ما يشير إلى تحول احتجاج محلي، إلى رد فعل وطني أوسع.


وفي الوقت الذي اتهم فيه ترامب، رئيس البلدية وحاكم مينيسوتا الديمقراطيين، بـ «التحريض على التمرد»، يراقب المحللون السياسيون تأثير الاحتجاجات في الانتخابات المقبلة، خاصة في ضوء الدعم الرمزي المقدم لهذه الاحتجاجات من شخصيات بارزة، مثل كلينتون وأوباما.

وتبقى التساؤلات مطروحة حول ما إذا كانت هذه التحركات مجرد احتجاجات محلية محدودة، أم بداية نموذج احتجاج شعبي منظم، قد يمتد إلى ولايات أمريكية أخرى، مؤثرة في المشهد السياسي، تحد من طموحات ترامب، وتغل قبضته الحديدية.

احتجاجات وليست ثورة

في قراءة لتطورات الاحتجاجات الأخيرة في الولايات المتحدة، يرى خبير العلاقات الدولية، الدكتور محمد شكريد، أنه لا يمكن توصيف ما يجري على أنه ثورة شعبية مكتملة الأركان،

بقدر ما هو تعبير عن حالة استياء شعبي، واحتجاجات ذات زخم، انطلقت في الأساس نتيجة وقائع موثقة بالصوت والصورة، تُظهر تجاوزات متكررة من قبل شرطة الهجرة.

ويؤكد شكريد أن توثيق هذه الأحداث، منح الاحتجاجات مشروعية أخلاقية وإعلامية، إلا أن ذلك لا يكفي وحده لتحويلها إلى ثورة شعبية شاملة، مشيراً إلى وجود جملة من العوامل البنيوية والسياسية، التي تحدّ من اتساع نطاقها، وتحولها إلى حراك وطني شامل.

ويأتي في مقدم هذه العوامل، بحسب شكريد، وجود قاعدة جماهيرية واسعة داعمة للرئيس دونالد ترامب، لا سيما من تيارات اليمين واليمين المتطرف، وهو ما يخلق توازناً مجتمعياً، يقلل من فرص تشكل إجماع شعبي مناهض للإدارة الحالية.

كما يلفت إلى أن الرضا النسبي عن الأداء الاقتصادي، وتحسن عدد من المؤشرات الاقتصادية، يلعب دوراً مهماً في امتصاص الغضب الشعبي، ومنع انتقاله إلى مستويات أكثر حدة.

ويضيف أن الظروف المناخية القاسية في عدد من الولايات، لا تساعد على استمرار التظاهر والاحتجاج في الشارع لفترات طويلة، فضلاً عن قدر من التفهم والمرونة الذي أبدته إدارة ترامب، مع احتمال لجوئها إلى تهدئة مرحلية للأوضاع، إلى حين مرور موجة الغضب.

ويذكّر الدكتور شكريد بأن التاريخ الأمريكي شهد سابقاً حوادث موثقة عديدة لتجاوزات الشرطة، خصوصاً بحق الأمريكيين من أصول أفريقية، أعقبتها احتجاجات واسعة، كادت في بعض الأحيان أن تنزلق نحو العنف، قبل أن يتم احتواؤها وإخمادها، تحت شعار حماية الأمن العام والممتلكات.

ويخلص الخبير في العلاقات الدولية، إلى أن تحول هذه الاحتجاجات إلى ثورة شعبية، يظل احتمالاً ضعيفاً في المرحلة الراهنة، ما لم تتكرر هذه الأحداث بوتيرة أكبر، وتترافق مع أخطاء وانزلاقات إضافية في أداء إدارة ترامب، قد تدفع الشارع الأمريكي إلى مستوى مختلف من المواجهة والاحتجاج.

إشكالية قديمة

بدوره، يرى الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، د. حمدي أعمر حداد، أن التطورات التي شهدتها مدينة مينابوليس، أعادت إلى الواجهة إشكالية قديمة في التاريخ السياسي الأمريكي، تتعلق بالحد الفاصل بين الاحتجاج الاجتماعي المشروع، والأزمة السياسية الشاملة.

موضحاً أنه، ومع اتساع رقعة التظاهرات الرافضة لسياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب، لا سيما في ملفات الهجرة، وتوسيع صلاحيات إنفاذ القانون الفدرالي، تصاعدت خطابات تتحدث عن إمكانية تحوّل هذه الاحتجاجات إلى ثورة شعبية ضد الرئيس في ولايته الثانية.

ويؤكد حداد أن توصيف ما يجري من منظور قانوني، لا يرقى إلى مستوى الخروج عن النظام الدستوري، إذ تندرج هذه التحركات ضمن الحقوق التي يكفلها التعديل الأول للدستور الأمريكي، وعلى رأسها حرية التعبير والتجمع السلمي.

غير أن الإشكالية الحقيقية، بحسب رأيه، لا تكمن في مشروعية الاحتجاجات، بل في طبيعة تعامل السلطة الفدرالية معها، خصوصاً حين يتم اللجوء إلى إجراءات أمنية مشددة، أو توسيع نفوذ الأجهزة الفدرالية داخل مدن وولايات تعارض سياسياً توجهات البيت الأبيض.

ويشير حداد إلى أن مينابوليس تحمل دلالات رمزية خاصة، نظراً لارتباطها التاريخي باحتجاجات ضد عنف الشرطة، ولتموقعها كإحدى أبرز بؤر المعارضة المدنية لنهج ترامب.

إلا أنه يحذّر في المقابل من الانزلاق نحو توصيف هذه التحركات كثورة شعبية مكتملة، في ظل غياب قيادة وطنية موحدة، أو برنامج سياسي بديل، أو توافق اجتماعي عابر للاستقطاب الحزبي الحاد.

وفي تقديره، تعكس هذه الاحتجاجات تآكلاً متزايداً في الثقة بين قطاعات من المجتمع الأمريكي والمؤسسات الفدرالية، وصداماً متنامياً بين منطق «الشرعية الانتخابية» ومنطق «الشرعية الحقوقية».

ويرى أن استمرار هذا الصدام وتوسّعه، قد لا يقود إلى ثورة، لكنه ينذر بأزمة حكم مزمنة، تضعف تماسك الدولة، وتعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، في سياق داخلي يتسم باستقطاب غير مسبوق، خلال الولاية الثانية للرئيس الأمريكي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى