
مع تسارع التحولات الاقتصادية في سوريا والانتقال نحو اقتصاد السوق الحر، يجد السوريون أنفسهم أمام واقع معيشي صعب، تتقاطع فيه القدرة الشرائية الضعيفة مع ارتفاع أسعار السلع، لا سيما الأساسية منها.
وفي ظلّ نظام اقتصادي يقوم على المنافسة وتحرير الأسعار، يبرز تساؤل جوهري حول مصير الفئات الأضعف اجتماعياً: هل يمكن ترك آليات السوق تعمل وحدها؟
أم أن المرحلة تفرض بناء شبكات أمان اجتماعي قادرة على حماية الاستقرار المعيشي ومنع انزلاق شرائح واسعة نحو الهشاشة والفقر؟
بين الضرورة والأعباء
يرى الخبير الاقتصادي سامر رحال، أن رفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية، رغم ضرورته لتصحيح الاختلالات المالية، يفرض أعباء مباشرة على الفئات ذات الدخل المحدود، ما يجعل غياب البدائل خطراً حقيقياً يهدد الاستقرار الاجتماعي.
ويؤكد رحال لصحيفة الثورة السورية أن الإشكالية لا تكمن في مبدأ تحرير الأسعار بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة هذه الخطوة اجتماعياً.
بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في سوريا لعام 2024 نحو 830 دولاراً سنوياً فقط، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المعتمد دولياً للبلدان منخفضة الدخل، وفق البنك الدولي.
يعيش نحو 24,8 بالمئة من السكان في فقر مدقع، أي أقل من 2,15 دولار يومياً للفرد، بينما يعيش 67 بالمئة تحت خط الفقر الأدنى من الدخل المتوسط، أي أقل من 3,65 دولارات يومياً للفرد.
الدعم المباشر
هذا الواقع كشف محدودية نموذج الدعم القديم القائم على الشمول، الذي استفاد منه القادرون وغير القادرين على حدّ سواء، دون أن يحول فعلياً دون انزلاق الفقراء نحو الفقر المدقع.
وهنا تبرز، وفق رحال، أهمية الانتقال من دعم الأسعار إلى الدعم المباشر للأفراد، عبر تحويلات نقدية موجهة تُعد أكثر كفاءة وعدالة، إذ تمنح الأسر حرية تحديد أولويات إنفاقها وتحد من الهدر الذي رافق سياسات الدعم التقليدية.
ويشدد رحال على أن التحدي الأساسي يتمثل في عدم تحول شبكات الأمان الاجتماعي إلى عبء مالي جديد على الموازنة العامة، وهو ما يمكن تحقيقه عبر الاستهداف الدقيق للفئات الأشدّ ضعفاً،
واستخدام قواعد بيانات محدثة، وأنظمة دفع رقمية تقلل التكاليف الإدارية وتحدّ من الفساد، إضافة إلى توجيه جزء من الوفورات المتأتية عن إلغاء الدعم لتمويل هذه الشبكات.
واقعية التنفيذ
يتبنى الخبير الاقتصادي عامر شهدا، مقاربة أكثر حذراً، إذ يرى أن الحديث عن شبكات الأمان الاجتماعي يجب أن يأتي بعد تبلور الآثار الفعلية للتحول إلى اقتصاد السوق الحر.
فاقتصاد السوق، بحسب شهدا، لا تظهر نتائجه فوراً، إنما يحتاج إلى تشكل السعر الحقيقي، وارتفاع الإنتاجية، وتدفق الاستثمارات، وهي مؤشرات لم تتضح بعد في الحالة السورية.
ويشير شهدا إلى أن الأسواق المحلية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة، وسط ضعف واضح في زيادة الإنتاجية وتأخر دخول الاستثمارات المعلنة حيّز التنفيذ، إلى جانب غياب سياسات واضحة لدعم الابتكار أو توفير أدوات استثمارية كأسواق المال،
كما تُوجَّه القروض والمساعدات المتاحة في معظمها لتغطية نفقات جارية، بدلاً من توظيفها في تمويل مشروعات تنموية منتجة.
ويرى أن إطلاق شبكات أمان اجتماعي في ظلّ غياب البيانات الدقيقة حول الأجور الحقيقية، ومستويات المعيشة، وحجم الفئات المستحقة، وغياب فوائض حقيقية في الموازنة، قد يؤدي إلى شبكات ضعيفة أو غير فعالة.
ويضيف: إن أي منظومة حماية اجتماعية ناجحة يجب أن تتضمن برامج واسعة لاستيعاب اليد العاملة، حتى في مشروعات خدمية، إلى جانب تطوير قطاع ثالث تطوعي ومنظم يسهم في تخفيف الأعباء عن الدولة، وهو لا يزال غائباً في سوريا.
أداة تنموية
في السياق ذاته، يؤكد الخبير الاقتصادي فاخر قربي، لصحيفة الثورة السورية، أن شبكات الأمان الاجتماعي ينبغي أن تكون أدوات تنموية حيوية تهدف إلى حماية الفقراء من التقلبات الاقتصادية، والحدّ من التفاوت الاجتماعي، وتعزيز القدرة على الصمود.
ويشير قربي إلى أن فعالية هذه الشبكات تكمن في تنوع أدواتها، من الدعم النقدي والغذائي، إلى برامج التوظيف المؤقت، وتوفير الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، بما يسهم في حماية وتنمية رأس المال البشري، ويمنع تفاقم الهشاشة الاجتماعية.
كما أن لهذه الشبكات دوراً محورياً في تعزيز الاستقرار والتماسك الاجتماعي، ومساعدة الأسر على التعافي من الصدمات الاقتصادية المفاجئة، وفتح آفاق التمكين الاقتصادي عبر التأهيل والتمويل المتناهي الصغر للمشروعات الفردية والأسرية.
غير أن قربي يحذر من أن نجاح هذه الشبكات غالباً ما يصطدم بالتعقيدات الإدارية والروتين، ما يجعل بناء إطار مؤسسي وقانوني قوي شرطاً أساسياً لفعاليتها،
يقوم على الشفافية، والاستهداف الدقيق، والاستدامة المالية، والتحديث التكنولوجي، والتنسيق بين الجهات المعنية، بما يحول شبكات الأمان من إعانات مؤقتة إلى منظومة شاملة للحماية الاجتماعية.
الثورة السورية – هلال عون











