من تفاحة نيوتن إلى كعكة أنطوانيت.. 5 أكاذيب خدعت العالم وصدقها الملايين

من تفاحة نيوتن التي سقطت على رأسه، إلى فشل آينشتاين في الرياضيات، وكعكة ماري أنطوانيت.. قصص تناقلتها الأجيال، وظهرت في الكتب والأفلام ووسائل الإعلام، قبل أن تكشف الوثائق والأبحاث عن تاريخ مختلف تماماً.

ليست كل الحقائق التي نعرفها حدثت بالفعل، فبعض أشهر الروايات التاريخية والعلمية لم تبدأ بحقائق موثقة، وإنما بتفسيرات خاطئة، أو حكايات أضيفت إليها تفاصيل مع مرور الزمن، أو ادعاءات لم تستند من الأساس إلى دليل.

لكن تكرارها على مدى عقود، وأحياناً قرون، منحها مصداقية جعلت التشكيك فيها يبدو أغرب من تصديقها.

تندرج هذه الظاهرة ضمن ما يُعرف بالمعلومات الزائفة والأساطير التاريخية والعلمية، وإن كان مصطلح «العلم الزائف» أكثر تحديداً، ويُستخدم لوصف ادعاءات وممارسات تقدم نفسها باعتبارها علماً من دون أن تستوفي شروط المنهج العلمي.

وتفسر الجمعية الأمريكية لعلم النفس جانباً من انتشار هذه الروايات بما تسميه «تأثير الحقيقة الوهمية»، وهي ظاهرة تجعل الإنسان أكثر ميلاً لتصديق المعلومات بمجرد تكرار تعرضه لها، حتى عندما يمتلك معرفة سابقة تناقضها. فالتكرار لا يزيد صحة المعلومة، لكنه قد يزيد الإحساس بأنها صحيحة.

وفي التاريخ أمثلة كثيرة على هذا النوع من الروايات، لكن خمساً منها تكشف بصورة خاصة كيف استطاعت تفاصيل مختلقة، وأخطاء في نقل الوقائع، ومبالغات شعبية، أن تتحول إلى ما يشبه الحقائق الراسخة في الذاكرة الإنسانية.

1 – تفاحة نيوتن

تكاد تكون قصة التفاحة التي سقطت على رأس العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن واحدة من أشهر الحكايات العلمية في التاريخ. فوفق الرواية المتداولة، كان نيوتن يجلس تحت شجرة عندما سقطت تفاحة على رأسه، لتقوده الضربة المفاجئة إلى اكتشاف قانون الجاذبية.

غير أن الوثائق التاريخية تقدم رواية مختلفة، فالقصة لم تكن مختلقة بالكامل، لكنها تعرضت لإضافة جوهرية جعلتها أكثر إثارة وأسهل تداولاً.

تحتفظ الجمعية الملكية البريطانية بمخطوطة تعود إلى الطبيب والكاتب ويليام ستوكلي، الذي سجل حديثاً دار بينه وبين نيوتن عام 1726، وروى فيه العالم كيف أثار سقوط تفاحة من شجرة تساؤله بشأن القوة التي تجعل الأجسام تتجه دائماً نحو الأرض.

لم يذكر نيوتن أن التفاحة أصابت رأسه، وإنما تحدث عن مشاهدته سقوطها بينما كان يفكر في طبيعة الجاذبية.

والأهم أن اكتشاف الجاذبية لم يحدث في لحظة مفاجئة مكتملة، وإنما تطور عبر سنوات من البحث الرياضي والفيزيائي، وصولاً إلى نشر كتابه الشهير «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» عام 1687.

وهكذا، تحولت واقعة قد تكون ألهمت سؤالاً علمياً إلى مشهد درامي يوحي بأن واحداً من أعظم الاكتشافات العلمية جاء نتيجة حادث عابر، لا حصيلة سنوات من التفكير والحسابات.

2 – ذكاء آينشتاين

تستخدم قصة فشل ألبرت آينشتاين في مادة الرياضيات باعتبارها درساً في أن التفوق الدراسي لا يعكس بالضرورة مستوى الذكاء. وتظهر الرواية بصورة متكررة في الخطابات التحفيزية والكتب والمقالات، مستندة إلى فكرة جذابة: صاحب النظرية النسبية نفسه كان طالباً ضعيفاً في الرياضيات.

لكن سجلاته الدراسية تكشف عكس ذلك تماماً.

فبحسب أرشيف المعهد التقني الفيدرالي في زيورخ، تقدم آينشتاين عام 1895، وكان عمره 16 عاماً، إلى امتحان القبول في المعهد، ولم ينجح في الاختبار بوصفه كلاً متكاملاً، بسبب ضعف درجاته في المواد اللغوية والتاريخية. أما الرياضيات والعلوم الطبيعية، فقد حقق فيهما نتائج متميزة.

وفي العام التالي، حصل على أعلى درجة في الجبر والهندسة ضمن شهادة إتمام دراسته الثانوية في سويسرا.

وساهم اختلاف أنظمة الدرجات الدراسية بين ألمانيا وسويسرا في الالتباس الذي أحاط بسجلاته. ففي بعض الأنظمة كانت الدرجة الأولى هي الأعلى، بينما تمثل الدرجة السادسة أعلى تقييم في النظام السويسري المعني.

الرواية، إذن، استندت إلى واقعة حقيقية هي عدم اجتياز امتحان قبول، لكنها حولت سبب الإخفاق إلى نقيض الحقيقة، لتصنع أسطورة عالمية عن عبقري فشل في المادة التي برع فيها.

3 – كعكة ماري أنطوانيت

عندما اشتكى الفرنسيون من نقص الخبز وارتفاع الأسعار قبيل الثورة الفرنسية، نُسبت إلى الملكة ماري أنطوانيت عبارة أصبحت من أشهر الشواهد على انفصال الحكام عن معاناة شعوبهم: «إذا لم يجدوا الخبز، فليأكلوا الكعك».

انتشرت العبارة باعتبارها دليلاً على استهتار الملكة بمعاناة الفقراء، وتحولت مع مرور الزمن إلى رمز تاريخي للترف واللامبالاة السياسية.

غير أن المشكلة الأساسية في القصة أن المؤرخين لم يعثروا على دليل موثوق يثبت أن ماري أنطوانيت نطقت بهذه الكلمات.

بل إن الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو أورد رواية مشابهة في كتابه «الاعترافات»، الذي كتب أجزاء منه في ستينيات القرن الثامن عشر، ونسب العبارة إلى أميرة لم يذكر اسمها، وذلك قبل وصول ماري أنطوانيت إلى فرنسا عام 1770.

وحتى مضمون العبارة الأصلية تعرض للتحريف، إذ لم يكن الحديث عن الكعك بمفهومه المتداول، وإنما عن «البريوش»، وهو نوع من الخبز الفرنسي الغني بالزبدة والبيض.

وتشير مجلة «سميثسونيان» إلى أن الصورة التاريخية للملكة تشكلت جزئياً بفعل المنشورات المعادية لها والمبالغات التي أحاطت بحياتها الشخصية وإنفاقها.

ولا يعني سقوط هذه الرواية نفي دور الملكية الفرنسية في الأزمة الاجتماعية والسياسية التي سبقت الثورة، لكنه يكشف كيف يمكن لعبارة مجهولة المصدر أن تلتصق بشخصية تاريخية، ثم تتحول إلى دليل على موقف لم يثبت صدوره عنها.

4 – اكتشاف كروية الأرض

تروي القصة الشائعة أن الأوروبيين في العصور الوسطى اعتقدوا أن الأرض مسطحة، وأن البحارة كانوا يخشون الوصول إلى حافتها والسقوط منها. حتى جاء كريستوفر كولومبوس عام 1492، وأبحر غرباً متحدياً الاعتقاد السائد، ليثبت للعالم أن الأرض كروية.

لكن هذه الرواية تتعارض مع تاريخ العلوم والجغرافيا.

فقد عرف علماء وفلاسفة يونانيون منذ قرون قبل الميلاد أن الأرض كروية، وقدم أرسطو أدلة على ذلك، بينما نجح إراتوستينس في القرن الثالث قبل الميلاد في حساب محيط الأرض بدرجة تقارب ملحوظة من الدقة.

واستمرت المعرفة بكروية الأرض في الأوساط العلمية خلال العصور الوسطى، بما فيها المؤلفات الفلكية والجغرافية المستخدمة في أوروبا والعالم الإسلامي.

وتؤكد الجمعية التاريخية الأمريكية أن كروية الأرض كانت معروفة في المؤلفات العلمية الأوروبية خلال القرون الوسطى، خلافاً للصورة التي صورت تلك المرحلة باعتبارها حقبة جهل كامل بهذه الحقيقة.

والواقع أن الخلاف بشأن مشروع كولومبوس لم يتمحور حول شكل الأرض، وإنما حول المسافة الفاصلة بين أوروبا وآسيا عند الإبحار غرباً. فقد قلل كولومبوس من تقدير المسافة، بينما رأى معارضوه أن الرحلة أطول مما تستطيع السفن ومواردها تحمله.

والمفارقة أن كولومبوس كان مخطئاً في تقديراته الجغرافية، لكن وجود اليابسة الأمريكية في طريقه حال دون اضطراره إلى عبور المحيط وصولاً إلى آسيا.

أما إحدى أبرز المحطات التي ساهمت في ترسيخ الأسطورة، فكانت السيرة التي نشرها الكاتب الأمريكي واشنطن إيرفينغ عام 1828 عن كولومبوس، وتضمنت عرضاً درامياً لصراعه مع معارضين يُصوَّرون على أنهم يرفضون كروية الأرض.

وبمرور الوقت، أصبحت هذه الرواية جزءاً من التصور الشعبي للتاريخ، رغم افتقارها إلى الأساس العلمي والتاريخي الصحيح.

5 –  الإنسان يستخدم 10% فقط من دماغه

من أكثر الادعاءات العلمية انتشاراً فكرة أن الإنسان لا يستخدم سوى 10% من قدرات دماغه، وأن النسبة المتبقية، البالغة 90%، تمثل طاقة عقلية هائلة تنتظر الاكتشاف.

اكتسبت الفكرة شعبية واسعة في الثقافة العامة، واستندت إليها كتب التنمية الذاتية وأعمال سينمائية قدمت شخصيات تستطيع اكتساب قدرات استثنائية بمجرد تنشيط الأجزاء المعطلة من الدماغ.

لكن الأبحاث العصبية لا تدعم وجود هذا المخزون الخامل من الخلايا الدماغية.

فوفقاً لكلية الطب بجامعة هارفارد، تُظهر تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني أن البشر يستخدمون مناطق الدماغ المختلفة بصورة منتظمة، وإن تفاوتت مستويات النشاط من منطقة إلى أخرى تبعاً للمهمة التي يؤديها الإنسان.

ولا يعني ذلك أن جميع الخلايا العصبية تعمل بأقصى طاقتها وفي الوقت نفسه، وإنما أن مناطق الدماغ المختلفة تؤدي وظائف معروفة ومترابطة، ولا توجد أدلة على أن 90% منها معطلة أو عديمة الاستخدام.

وتكشف أبحاث إصابات الدماغ كذلك أن تلف مناطق صغيرة يمكن أن يسبب اضطرابات في الذاكرة أو الحركة أو اللغة أو الإدراك، وهو أمر يتعارض مع فكرة امتلاك الإنسان كتلة دماغية هائلة لا يستخدمها.

أما أصل نسبة 10%، فلم يُحسم بصورة قاطعة. لكن مجلة «ساينتيفيك أمريكان» تربط انتشارها جزئياً بإساءة تفسير أفكار عالم النفس الأمريكي ويليام جيمس، الذي تحدث عن عدم استغلال الإنسان كامل إمكاناته العقلية والجسدية، من دون أن يحدد نسبة ثابتة للأنسجة الدماغية غير المستخدمة.

وبعد انتقال الفكرة إلى مؤلفات تطوير الذات خلال القرن العشرين، اكتسبت النسبة المئوية طابعاً علمياً زائفاً، رغم عدم وجود تجربة تثبت صحتها.

كيف تنجو الروايات الكاذبة من اختبار الزمن؟

تكشف الروايات الخمس عن مشكلة تتجاوز أخطاء النقل التاريخي أو سوء تفسير الاكتشافات العلمية، تتعلق بالطريقة التي تتشكل بها المعرفة العامة نفسها.

فالسقوط على الرأس أكثر إثارة من مشاهدة تفاحة، وفشل عبقري في الرياضيات أكثر تأثيراً من تفوقه فيها، وعبارة ملكة ساخرة من الجوعى أكثر قابلية للبقاء في الذاكرة من تفسير معقد لأسباب الثورة.

وكذلك تبدو قصة بحّار تحدى العالم أكثر جاذبية من خلاف حول الحسابات الجغرافية، وتثير فكرة امتلاك قدرات عقلية خفية اهتماماً أكبر من التفسير العلمي لوظائف الدماغ.

وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن تصحيح المعلومات الخاطئة يمكن أن يكون فعالاً، لكنه لا يمحو بالضرورة أثرها بالكامل، كما أن قوة التكرار والتداول قد تسمح باستمرار الاعتقاد بها حتى بعد ظهور الأدلة التي تدحضها.

والأهم أن الروايات الزائفة لا تأتي دائماً على هيئة أكاذيب مختلقة من البداية؛ فقد تبدأ بواقعة صحيحة، ثم تُضاف إليها تفاصيل، أو يُنتزع تصريح من سياقه، أو يُعاد تفسير حدث قديم بما يناسب توقعات الجمهور.

وهنا تكمن المفارقة: ليست المشكلة أن التاريخ يفتقر إلى الأدلة، بل أن الحكاية الأكثر انتشاراً قد تتغلب أحياناً على الرواية الأكثر دقة.

وفي عصر تتكرر فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم يعد عدد مرات تداول القصة مؤشراً على صحتها، بقدر ما أصبح التحقق من مصدرها الأصلي شرطاً للتمييز بين ما حدث بالفعل، وما اعتاد الناس تصديقه.

↑
Exit mobile version