تعرضت الأوقاف في سوريا، على مدى عقود، لمسار طويل من التعديات والاستباحة، شمل هدم معالم تاريخية وتجريف أصول وعقارات، وصولًا إلى إخضاع جانب منها لشبكات نفوذ ارتبطت بنظام الأسد المخلوع.
ويكشف وثائقي جديد نشرته منصة “سوريا الآن” أمس الأربعاء، قصة تحوّل الأوقاف التي يفترض أن تشكل إيراداتها تمويلا للمدارس والمستشفيات ورعاية المحتاجين وغير ذلك من الأعمال الخيرية، إلى غنائم لشبكات فساد استفادت من عوائدها لعقود،
قبل أن تبدأ الحكومة السورية الجديدة إجراءات التدقيق والتقييم لاستعادة مئات العقارات وإعادة تنظيم عوائدها.
حقبة حافظ الأسد.. هدم وتغيير الهوية
ويكشف الوثائقي كيف شهدت العقود الأولى من حكم حزب البعث ثم سلطة حافظ الأسد تعديات صريحة على أموال الأوقاف،
حيث جرى استبدال وظائف العقارات الوقفية وتعديل عقود الملكية والتأجير لصالح مؤسسات الدولة ومراكز الحزب والمتنفذين، ضمن ممارسات وصفها باحثون في تاريخ الأوقاف بـ”المهينة” تحت شعار “التقدمية”.
مجمع يلبغا.. تنافس على الفساد
ومن أبرز الأوقاف الإسلامية في سوريا، يظهر اسم “مجمع يلبغا” الواقع في منطقة حيوية وسط العاصمة السورية، حيث بات شاهدا على واحدة من قصص فساد نظام الأسد،
حيث يكشف الوثائقي كيف شُطب جامع يلبغا المملوكي وسط دمشق وملحقاته من سجل الآثار التاريخية بموجب قرار حكومي عام 1967، ، لتدخل الجرافات أواخر السبعينيات وتهدم البناء بذريعة تشييد مجمع حديث.
الباحث في الفقه الإسلامي والأوقاف قاسم الصلاح قال لـ”سوريا الآن” إن “مسجد يلبغا هو شاهد على حقبة مظلمة من تاريخ الأوقاف في سوريا، لأنه يمثل الاستهتار والاستهانة والتعدي على الأوقاف وحرمتها”.
وفي عهد حافظ الأسد، أُسند مشروع “مجمع يلبغا” إلى مؤسسة الإسكان العسكرية برئاسة رياض شاليش (ابن شقيقة حافظ الأسد)، ضمن ظروف مشبوهة، إذ إن المؤسسة معروفة بـ”الفساد” وتتسم بـ”لون معين، حيث لا يستطيع جميع أبناء المجتمع الانتماء إليها”، بحسب الباحث في تاريخ الأوقاف، معالي الدين الأيوبي.
ودخل ملف المجمع بعد ذلك في دوامة فساد تعطل فيها البناء وتوقف لأكثر من أربعة عقود، حتى بات يعرف لدى سكان دمشق على أنه “مبنى إسمنتي ضخم دون فائدة” في واحدة من أهم مناطق وسط العاصمة.
ويقول الدكتور الأيوبي إن والده زياد الدين الأيوبي، الذي عُين وزيرا للأوقاف في السنوات الأولى من عهد بشار الأسد، حاول تطوير استثمارات عقارية تابعة للأوقاف، أبرزها أرض معرض دمشق الدولي القديمة في وسط العاصمة، ومجمع “يلبغا”، غير أن المحاولات باءت بالفشل وأدت حسب قوله للإطاحة بوالده فيما بعد.
ويُضيف الأيوبي أن “مجمع يلبغا” طُرح للاستثمار، وفازت به شركة سعودية بعرض قيمته 240 مليون ليرة سنوياً، لكن سرعان ما تدخل القصر الرئاسي ليُبلغ الوزير بوجود عرض إماراتي بقيمة 520 مليون ليرة، ما أدى إلى ترجيح كفة الشركة الإماراتية والاعتذار من الشركة السعودية.
وبعد بدء الشركة الإماراتية عملها، دخل رامي مخلوف، ابن خال الرئيس المخلوع، على خط المنافسة، وشرع بممارسة الضغوط والابتزاز ضد الشركة، التي اشتكت لوزارة الأوقاف ورفعت الأخيرة الشكوى بدورها لمكتب بشار الأسد دون جدوى.
وبعد شهر واحد من هذه الواقعة عام 2007، صدر مرسوم رئاسي بإبعاد وزير الأوقاف زياد الدين الأيوبي عن وزارته، بتهمة “معاداة إيران”، و”التدخل في شؤون أرض المعرض ومجمع يلبغا”، ليُحلّ محله وزير جديد هو محمد عبد الستار السيد، الذي ألغى العقد المبرم مع الشركة الإماراتية فور تسلّمه المنصب.
أرض معرض دمشق
لم تتوقف وقائع الفساد عند “مجمع يلبغا” الشهير، إذ تلا ذلك انتزاع مباشر لأصول وقفية بارزة لصالح واجهات اقتصادية مقربة من القصر.
ويروي الوثائقي كيف نُقل حق التصرف بأرض “معرض دمشق الدولي” من وزارة الأوقاف إلى محافظة دمشق، لتُمنح لاحقا لشركة مرتبطة بأسماء الأسد بغرض إقامة مشروع “وردة مسار” الذي لم يكتمل أيضا،
بالتوازي مع إخضاع أجزاء من التكية السليمانية التاريخية لمشروعات تجارية أدارتها “الأمانة السورية للتنمية” التابعة لأسماء زوجة بشار الأسد.
وفي محافظة الرقة، جرت إعادة توظيف مقبرة ووقف “أويس القرني” عام 1988 استجابة لطلب إيراني، ليتم مسح المقبرة بالكامل عام 2004 وتغيير الهوية التاريخية للمكان الذي تحول لمزار شيعي.
ويكشف الوثائقي، أنه ونتيجة الفساد المالي واعتماد سياسة التأجير بأسعار رمزية، تدهورت عوائد الأوقاف الضخمة، فلم تتجاوز إيراداتها السنوية مليون دولار أمريكي فقط، رغم أنها تضم نحو 33,700 عقار وقفي، وما يقارب 170 ألف دونم من الأراضي.
الأوقاف بعد سقوط النظام
وأظهرت عمليات مراجعة ملفات الأوقاف بعد سقوط نظام الأسد، وجود مئات العقارات المؤجرة بأسعار صورية لا تتجاوز نصف دولار شهريا للوحدة، إضافة إلى اكتشاف أكثر من 600 عقار غير موثق في السجلات، و546 عقارا تشغلها مؤسسات حكومية ببدلات إيجار رمزية.
وينقل الوثائقي عن وزارة الأوقاف السورية، اتخاذها إجراءات متسارعة لاستعادة الأصول وإعادة تقييم العقود، حيث قفز العائد الاستثماري للأجزاء التجارية في “مجمع يلبغا” من 70 ألف دولار إلى 950 ألف دولار سنويا،
وأُعيد تأجير أرض وقفية قرب ساحة الأمويين بـ 320 ألف دولار بشكل نصف سنوي بعدما كانت تُؤجر بـ 60 ألف دولار فقط لذات المدة الزمنية، مع استمرار الملاحقات القضائية وعمليات الحصر لاسترداد مئات العقارات الوقفية الموزعة في حلب وإدلب وبقية المحافظات السورية.
الجزيرة
