تحتفظ معلولا بتفاصيل كثيرة تجعلها واحدة من المحطات الأكثر أهمية لرحلة أي سائح في سورية، خصوصاً من يأتون من دول غربية، فهي جزء أصيل من الثقافة المسيحية، وأيضاً اللغة الآرامية التي تحدث بها السيد المسيح.
يتطلب الوصول إلى بلدة معلولا اجتياز 56 كيلومتراً إلى شمال شرق العاصمة السورية دمشق، وصولاً إلى سلسلتي جبال صخرية تقع بينهما البلدة التي يصفها باحثون بأنها أقدم المدن المسيحية في العالم، والتي لا يزال سكانها الذين يتجاوز عددهم 7000 بقليل يتحدثون اللغة الآرامية
ويصرون على تعليمها للأطفال كتابةً ونطقاً، باعتبارها لغة السيد المسيح وجزءاً من الهوية الآرامية التي يتمسكون بها. وتُدرّس هذه اللغة ضمن دورات تخصصية في قاعات كنيسة “القديس جاورجيوس” إلى جانب التعليم الديني ونشاطات فرق الكشاف.
يظن بعضهم أن اسم معلولا يرتبط بـ”الهواء العليل”، أو “علّة مرضية”، لكنه يأتي من الآرامية القديمة ويعني في الأصل “المدخل” أو “المبدأ”، في حين ترجّح بعض المصادر أن اسم معلولا مشتق من الجذر الآرامي “علل” الذي يعني دخل أو مرّ. ويعتبر البعض أن الاسم جاء بسبب موقعها في مكان مرتفع عن محيطها من المناطق الحضرية الأخرى.
وتقول مصادر تاريخية إن اسم معلولا ورد في الكتب الكنسية القديمة بمعنى “المدينة الغنية الجميلة”، لكنها في العهدين اليوناني والروماني كسبت اسم “سكوبولوسا” الذي يعني “الوعرة المحجّرة” بسبب وعورة الطرق التي تصل إليها وكثرة الصخور.
يقول رئيس قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة دمشق الدكتور عمار النهار لـ”العربي الجديد”: “معلولا من أبرز الأمثلة على التفاعل العميق بين الجغرافيا والتاريخ في تشكيل العمران البشري، ولم يكن اختيار موقعها عشوائياً، بل جاء نتيجة مجموعة عوامل طبيعية واستراتيجية ودينية، أولها الطبيعة الجبلية الوعرة حيث تنتشر الصخور الكلسية والتضاريس الحادة، ما وفّر حماية طبيعية للسكان في فترات الاضطراب السياسي والعسكري،
فالممرات الضيقة، مثل الشقوق الصخرية الشهيرة، جعلت المدينة حصناً طبيعياً يصعب اقتحامه. وكان ذلك أمراً مهماً في العصور القديمة والوسيطة، كما لعبت المياه دوراً مهماً، إذ تضم المنطقة ينابيع طبيعية ساعدت في استقرار السكان واستمرار الحياة الزراعية المحدودة، ووجود المغارات الطبيعية في الصخور سهّل اتخاذها مساكن أو أماكن عبادة”.
ويتحدث الباحث في الآثار، الخبير في التراث الثقافي، الدكتور غسان القيم لـ”العربي الجديد” عن قدسية بلدة معلولا، ويقول: “ارتبطت البلدة منذ القرن الرابع الميلادي بالقداسة المسيحية بسبب وجود أديرة رهبانية وكنائس، مثل دير القديسة تريزا ودير مار تقلا، واعتُبرت ملاذاً للرهبان والمهاجرين الروحيين.
وخلال الحقبة البيزنطية والعصور الوسطى استمر نمو المكان كمنطقة للحياة الرهبانية، وترسّخت القداسة من خلال زيارة حجاج أديرتها، أما في العصر الحديث فأصبحت معلولا رمزاً للحفاظ على التراث المسيحي واللغة الآرامية، وعكست الهوية الدينية القوية للمسيحيين في سورية”.
لم يتهجّر سكان معلولا رغم أنها وقعت خلال سنوات طويلة ضمن خريطة المعارك التي شهدتها سورية قبل سقوط الأسد. ولا توجد تقديرات رسمية حالياً لعدد سكانها. ورغم أنها بلدة ذات غالبية مسيحية، فإن عدداً غير قليل من المسلمين يسكنونها، وهي تضم مسجداً ذا مئذنة مربعة الشكل جُدد في خمسينيات القرن الماضي.
ويروي البعض أن النظام السابق منع سكان البلدة غير المسيحيين من العودة إليها بعد معارك حصلت عام 2013. وقال أحد أبناء البلدة لـ”العربي الجديد” إن النظام كان يحمّل سكان البلدة المسلمين مسؤولية دخول البلدة ضمن خريطة المعارك، ويزعم أنهم يشكلون حاضنة شعبية لتنظيمات متطرفة تستهدف المسيحيين بهدف حشد الرأي العام الغربي لصالحه، استناداً إلى الأهمية الدينية والروحانية والتاريخية لمعلولا في الثقافة المسيحية.
وبالنسبة إلى المهتمين باللغة الآرامية، فهم يعتبرون أن هجرة بعض سكان معلولا إلى خارج سورية خلال الحرب تمثل تهديداً مباشراً للآرامية الحديثة الغربية التي يتحدث بها قليلون، ما يتطلب مزيداً من الجهد وإقبالاً من الأهالي على تعليم اللغة للأطفال على مستويي الكتابة والقراءة، وليس النطق فقط.
والآرامية الغربية الحديثة واحدة من اللهجات الآرامية، في حين أن الآرامية الحديثة الشرقية لا تزال حاضرة بين السكان السريان في الجزيرة السورية (محافظة الحسكة).
ويقول الدكتور عمار النهار لـ”العربي الجديد”: “تُعد اللغة الآرامية التي تُستخدم في معلولا وقرى مجاورة، من أقدم اللغات الحيّة في العالم، وترتبط بشكل وثيق بالتراث الديني والثقافي للمنطقة. ورغم ذلك، فهي اليوم مهددة بشكل حقيقي بالانقراض لأسباب عدة، أولها التراجع الديموغرافي نتيجة الهجرة والنزوح، خصوصاً بعد الحرب،
حيث أضعف تشتت السكان البيئة الاجتماعية التي تُستخدم فيها اللغة بشكل يومي، كما أن هيمنة اللغة العربية في التعليم والإعلام والحياة العامة حصرت الآرامية في نطاق ضيق، غالباً داخل أسر أو في سياقات تراثية”.
ويتابع النهار: “انقطع انتقال اللغة الآرامية بين الأجيال، ولم يعد يتقنها كثير من الأطفال كما كان الحال في السابق، وهذا مؤشر خطير إلى تراجعها. وفي ما يتعلق بجهود الحفاظ على اللغة فيمكن رصد مسارات عدة، أبرزها التعليم المحلي من خلال إدخال برامج لتعليم الآرامية في بعض المدارس أو المراكز الثقافية بهدف إعادة ربط الجيل الجديد بلغته، إضافة إلى التوثيق الأكاديمي حيث يعمل الباحثون على تسجيل اللهجات الآرامية المحكية في معلولا ودراستها ضمن إطار اللغويات”.
ويختم بالقول: “يُضاف إلى ذلك المبادرات الثقافية من خلال تنظيم مهرجانات وأنشطة تُبرز اللغة بما هي جزء من الهوية، وتشجع استخدامها في الحياة اليومية، وتوفير الدعم الدولي بعد إدراج الآرامية ضمن اللغات المهددة، ما يفسح المجال لتنفيذ مشاريع لحماية برامج التراث الثقافي، لكن هذه الجهود محدودة التأثير إذا لم تُدعَم بسياسات مستدامة تعيد اللغة إلى المجال العام، وتجعلها لغة تعليم وتواصل فعلي، لا مجرد رمز تراثي”.
محمود عبد اللطيف
