مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران… صمود مؤقت أم انهيار قريب؟

بين انتظارٍ أمريكي لرد مناسب من إيران اليوم بخصوص التعهد حول وقف استهداف السفن التجارية وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتحركات تفاوضية تمر عبر وساطات تبدو العلاقة بين واشنطن وطهران عند مفترق حساس.

ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول مصير مذكرة التفاهم الموقعة بين الجانبين في منتصف يونيو الماضي، وذلك بعد أقل من ثلاثة أسابيع على إبرامها. هل نتوقع صموداً مؤقتاً أم انهياراً قريباً؟ سيما بعد تأكيد ترامب أن وقف إطلاق النار انتهى.

وجاءت مذكرة التفاهم، التي وقعت بدعم من وسطاء إقليميين ودوليين بهدف احتواء التصعيد العسكري وفتح نافذة للحوار خلال مهلة زمنية محددة، لتقف اليوم أمام اختبار ميداني قاسٍ هدد الأسس التي قامت عليها.
تنقسم التقديرات بشأن مآلات المذكرة؛ فبينما يرى فريق من المراقبين أن الاتفاق دخل فعلياً مرحلة «الموت السريري» بعدما عجز عن فرض قواعد اشتباك مستقرة أو بناء الحد الأدنى من الثقة بين الطرفين،

يعتقد آخرون أن ما يجري لا يتجاوز محاولة متبادلة لتحسين المواقع التفاوضية، وأن واشنطن وطهران ما زالتا تدركان أن كلفة الانزلاق إلى مواجهة شاملة تفوق بكثير المكاسب المحتملة من التصعيد.

مرحلة حساسة  

ويرى مراقبون أن المذكرة دخلت مرحلة شديدة الحساسية، حيث يحاول كل طرف استخدام أوراق الضغط التي يمتلكها لتحسين موقعه التفاوضي.

ففي الوقت الذي لجأت فيه واشنطن إلى تفعيل أدواتها العسكرية والاقتصادية، تتمسك طهران بأوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها أمن الملاحة والطاقة في الخليج، وسط اتهامات متزايدة لها بزعزعة أمن المنطقة وتهديد الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

ومع تسارع الأحداث والتصريحات النارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن مستقبل مذكرة التفاهم، لا تزال الوساطات الإقليمية والدولية تتحرك للحيلولة دون انهيار المسار التفاوضي بالكامل، إدراكاً لحجم التداعيات التي قد تترتب على أي انفجار واسع للمواجهة.

كما ألقت هذه الأجواء ظلالها على أسواق الطاقة العالمية، حيث عززت التوترات الجيوسياسية من مخاوف المستثمرين بشأن أمن الإمدادات واستقرار الممرات البحرية الحيوية، ما أبقى أسعار النفط رهينة للتطورات الميدانية والتحركات السياسية في آن واحد.

اتفاق هش

وفي هذا السياق، يرى الباحث السياسي أحمد المصري أن توصيف الوضع الحالي بـ«الهدنة الميتة» يعكس هشاشة الإطار التفاهمي أكثر مما يعكس انهياره الكامل.

ويقول المصري: إن الاتفاق في جوهره لم يكن معاهدة سلام، بل إدارة مؤقتة للأزمة فرضها الإنهاك المتبادل.

ويضيف أن كل طرف يفسر بنود المذكرة وفق حساباته الخاصة؛ فواشنطن تطلب صمتاً استراتيجياً، بينما تسعى طهران إلى تثبيت مكتسباتها، وهو تناقض يعطل أي مسار دبلوماسي جاد.

يؤكد المصري أن مآلات هذا المسار لن تخرج عن سيناريوهين: إما التحلل التدريجي والعودة إلى الصدام المفتوح، أو إحداث «مراجعة قسرية» تفرض واقعاً أمنياً جديداً يحدد فيه الميدان السقف الدبلوماسي.

ويختم الباحث رؤيته بأننا أمام «دبلوماسية حافة الهاوية» التي تهدف إلى ربح الوقت،

مشدداً على أن المذكرة ستبقى قائمة طالما أن موازين القوى في الميدان تمنع أي طرف من حسم الصراع لصالحه، ما يجعل مستقبل المنطقة رهينة لمدى قدرة الطرفين على ضبط «إيقاع المواجهة» خلال الأسابيع الخمسة المقبلة

3 سيناريوهات

بدورها، تقول الدكتورة سمر الخمليشي، أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط: إن الحديث عن «هدنة ميتة» قد يكون سابقاً لأوانه، لكنه يعكس هشاشة مذكرة التفاهم أكثر مما يعكس نهايتها.

وتضيف أن المذكرة لم تكن معاهدة سلام نهائية، بل إطاراً مؤقتاً لإدارة التصعيد وفتح مسار تفاوضي خلال فترة زمنية محددة.

ومع تجدد الضربات العسكرية، يتضح أن الطرفين لم يتمكنا من بناء الحد الأدنى من الثقة السياسية والأمنية اللازمة لتنفيذ بنودها بصورة مستقرة.

وفي المقابل، لا تزال هناك مؤشرات على أن واشنطن وطهران لا ترغبان في الانزلاق إلى مواجهة شاملة، إذ تستمر الاتصالات الدبلوماسية والوساطات الإقليمية، وهو ما يعني أن المذكرة لم تسقط قانونياً أو سياسياً بشكل كامل، لكنها دخلت مرحلة من التعثر الشديد وأصبحت رهينة للتطورات الميدانية.

وتضيف: «من وجهة نظري، فإن مآلات الوضع ستتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول احتواء التصعيد والعودة إلى تنفيذ مذكرة التفاهم عبر وساطة إقليمية، وهو السيناريو الأقل تكلفة للطرفين.

أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الضربات المحدودة والمتبادلة بما يحول المذكرة إلى إطار شكلي دون تطبيق فعلي، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.

في حين يتمثل السيناريو الثالث في انهيار كامل للمسار الدبلوماسي إذا توسعت العمليات العسكرية أو تعرض أحد الطرفين لضربة استراتيجية تغير قواعد الاشتباك».

وتختتم الخمليشي حديثها لـ«البيان» بالتأكيد على أن مذكرة التفاهم في وضعها الحالي ليست «ميتة»، لكنها في حالة «إنعاش سياسي»،ويتوقف بقاؤها على قدرة الوسطاء، وعلى إرادة واشنطن وطهران في الفصل بين إدارة الأزمة والانزلاق إلى حرب مفتوحة.

Exit mobile version