مدرسة الفردوس في حلب.. تحفة أيوبيّة تاريخية

خلف أسوار حلب القديمة، تقف مدرسة الفردوس منذ ثمانية قرون شاهدة على عصر أيوبي ازدهرت فيه العمارة والعلم والفنون، فيما ما تزال نقوشها الحجرية تحكي قصة أميرة جعلت من البناء رسالة ثقافية وروحية باقية عبر الأجيال.

وتُعد مدرسة الفردوس واحدة من أعظم المنشآت الدينية والعمرانية التي شُيدت خلال العصر الأيوبي، لما تختزنه من جمال معماري وروحانية فنية وتاريخ سياسي ارتبط باسم المرأة التي أمرت ببنائها، الأميرة الأيوبية ضيفة خاتون، زوجة الملك الظاهر غازي.

وتقع المدرسة خارج السور الجنوبي للمدينة القديمة، إلى الجنوب الغربي من المدرسة الظاهرية، وقد بدأ تشييدها عام 633 للهجرة الموافق 1235-1236م، واكتمل بناؤها قبل وفاة ضيفة خاتون عام 640 هـ/1242م، لتصبح لاحقاً من أبرز المعالم الوقفية والتعليمية في حلب.

مجمع ديني متكامل

لم تكن مدرسة الفردوس مجرد مدرسة لتدريس علوم الدين، بل شُيدت بوصفها مجمعاً دينياً متكاملاً يضم مسجداً وتربةً ورباطاً للصوفيين، إضافة إلى مرافق خدمية وأوقاف واسعة خُصصت للإنفاق على الفقراء وطلاب العلم.

ويشير الباحث في التاريخ الدكتور حازم جوهر إلى أن المدرسة تمثل نموذجاً متقدماً للعمارة الأيوبية، حيث تظهر فيها العناية الدقيقة بالتناسق الهندسي والعلاقات البصرية بين عناصر البناء.

وأوضح جوهر في تصريح لـ سانا الثقافية، أن الدخول إلى المدرسة يتم عبر بوابة تنحرف عن محور الجدار الشرقي، لتفضي إلى ممر طويل يلتف نحو الفسحة السماوية، التي تتوسطها بحرة مثمنة ذات حنيات ركنية وفق الطراز الأيوبي السائد آنذاك.

وأضاف: إن الفسحة السماوية تحيط بها أروقة من ثلاث جهات، بينما يحتل الإيوان الجهة الشمالية، وتتألف الأروقة من قاعات مستطيلة تعلوها القباب، ليصل عدد القباب المحيطة بالباحة إلى إحدى عشرة قبة، في تكوين معماري يعكس توازناً دقيقاً بين الجمال والوظيفة.

محراب رخامي وزخارف هندسية

يتميز المبنى وفق جوهر بأرضيته المرصوفة بالحجر الكلسي والبازلتي بأشكال هندسية متناسقة، إلى جانب الأعمدة المزينة بتيجان فنية بديعة، فيما تتوسط الباحة بركة ماء مثمنة الشكل.

أما قاعة الصلاة الجنوبية فتضم محراباً ومنبراً مصنوعين من الرخام المشقف، ويُعد المحراب من أبرز العناصر الفنية في المدرسة لما يتميز به من تناغم لوني وزخرفي، حتى إن بعض الباحثين يعدونه من أجمل المحاريب الإسلامية في المشرق.

كما تنتشر في جدران المدرسة نوافذ ذات قضبان معدنية مفتوحة، تتيح إطلالات مباشرة على الحدائق المحيطة، وفق ما يورده جوهر، في دلالة معمارية تنسجم مع اسم المدرسة “الفردوس”، الذي يحيل إلى صورة الجنة والحديقة في المخيال الإسلامي.

شريط كتابي ونقوش دينية فريدة

تُعد مدرسة الفردوس في حلب من أبرز النماذج المعمارية التي تتميز بشريط كتابي طويل يلتف داخل المبنى بخط الثلث، ويُعد من أهم العناصر الزخرفية في العمارة الأيوبية.

وتحمل الكتابات المنقوشة على الجدار الشرقي، وفق ما يورده جوهر، اسم ضيفة خاتون وألقابها الملكية، فيما تتوزع على الجدران الأخرى نصوص دينية وأبيات شعرية صوفية موزونة ومقفاة، تصف التجربة الروحية أثناء أداء العبادات،

في أسلوب زخرفي ومعماري يخرج عن النمط السائد في المباني الدينية التي كانت تعتمد في الغالب على الآيات القرآنية فقط.

كما تضم الواجهة الشرقية الخارجية كتابة أخرى تمتد لنحو أربعين متراً، تتحدث عن أهداف الوقف ووظائفه الاجتماعية، وتصف الحدائق المحيطة بالمبنى.

معلم يجسّد رؤية ضيفة خاتون العمرانية

تكشف مدرسة الفردوس عن الدور السياسي والثقافي البارز الذي لعبته ضيفة خاتون في إدارة شؤون حلب خلال العصر الأيوبي، حيث كانت الحاكمة الفعلية للمدينة خلال مرحلة حساسة من تاريخها، وتميزت بحكمتها واهتمامها بالعمران والعلم والرعاية الاجتماعية.

ويؤكد مؤرخون أن ضيفة خاتون لم تكتفِ ببناء مدرسة دينية، بل أرادت إنشاء معلم يجسد صورة المدينة المزدهرة روحياً وثقافياً، فجاءت مدرسة الفردوس تحفة معمارية متكاملة تجمع بين الفن والعقيدة والوقف والخدمة الاجتماعية.

معلم خالد في ذاكرة حلب

رغم مرور ما يقارب ثمانية قرون على تشييدها، لا تزال مدرسة الفردوس تحتفظ بجمالها المعماري وتفاصيلها الفنية الدقيقة، لتبقى شاهداً حياً على ازدهار العمارة الأيوبية في مدينة حلب، وعلى الدور الحضاري البارز الذي أسهمت به المرأة في صياغة المشهد العمراني والثقافي للمدينة.

وتناول عدد من المؤرخين هذا المعلم في مؤلفاتهم، من بينهم المؤرخ كامل الغزي في كتابه “نهر الذهب في تاريخ حلب”، والباحث محمد أسعد طلس في كتابه “الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب”، حيث اعتبرا المدرسة واحدة من أهم روائع العمارة الإسلامية في سوريا.

سانا

Exit mobile version