قلعة حلب -التي بنيت في القرن الـ13- من أهم معالم مدينة حلب التاريخية، ومن أهم القلاع في العالم..
إذ تعد شاهدا على عبقرية العمارة والتحصين العسكري في الشرق الأوسط، إضافة إلى أنها من أقدم القلاع في التاريخ، وتعاقبت عليها حضارات كثيرة.
وظلت للقلعة طوال الفترات التاريخية أهمية عسكرية وإستراتيجية كبيرة، ولا يعرف بالضبط تاريخ بنائها لقدمها، ويقال إنها لم تفتح أبدا بالقوة، بل بالحيلة والخداع. وأدرجتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي عام 1986.
الموقع
تقع وسط مدينة حلب عاصمة محافظة حلب، على ارتفاع نحو 33 مترا عن مستوى بقية المدينة،
وهو ما يمنحها رؤية بانورامية واسعة للمنطقة المحيطة، ويجعلها موقعا مثاليا للمراقبة وتعزيز قدرات الدفاع.
البناء والتأسيس
ترجع أصول قلعة حلب إلى حقب موغلة في التاريخ؛ فالتلة التي تعلوها استُخدمت موقعا محصّنا منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، قبل أن تشهد القلعة مراحل متتالية من البناء والتطوير مع تعاقب الحضارات على المدينة، من الحثيين والآشوريين والفرس إلى اليونانيين والرومان.
ويرجح أن أول من بناها كان سلوقس نيكاتور الأول، وفق ما ذكر ابن شداد في كتابه “الأعلاق الخطيرة”، ثم توالت على بنائها واستعمالها حضارات متعاقبة؛ بدأت بالآراميين واليونانيين، ثم الرومان والبيزنطيين، وانتهت إلى ازدهارها في ظل الحكم الإسلامي في العصور الوسطى.
لكن عصرها الذهبي وازدهارها الأكبر كان في الحقبة الإسلامية، ولا سيما في العهد الأيوبي، حين تولّى الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين إعادة إعمارها وتحصينها وتزيينها، لتغدو رمزا للهيبة والسلطة.
وواصل المماليك والعثمانيون تقويتها بإضافة أبراج وبوابات وحمّامات ومنشآت جديدة، وهو ما جعل القلعة مركزا سياسيا وعسكريا وثقافيا بارزا حتى مطلع القرن الـ20.
وشارك في بناء القلعة عدد من المهندسين المعماريين والبنائين والحرفيين، مع توثيق الدور البارز للمهندس المعماري ثابت بن شقويق في عهد نور الدين زنكي، وقُتل أثناء انهيار كتلة المدخل العلوي للقلعة عام 1204م.
الهندسة
تُعرَف القلعة بعمارتها المميّزة، وأسوارها المهيبة، وأبراجها الشاهقة، إضافة إلى احتضانها مسجدا وقصرا وخزّانات مياه ومنشآت دفاعية مشغولة بدقّة.
وتحيط بالقلعة خنادق عميقة كانت تُغمر بالمياه زمن الحروب، لتشكّل حاجزا يصعّب على الجيوش المهاجمة الاقتراب من الأسوار، ويُعزّز منظومتها الدفاعية بشكل فعّال.
ويصعد للقلعة من بوابة ضخمة عبر جسر مدرج مساره متعرّج ويتكوّن من منعطفات ونقاط عبور عدّة، وفي وسطه بوابة مرتفعة، وهذا جعل اقتحامها مهمة شاقّة وعزّز فعاليتها الدفاعية بدرجة كبيرة.
ويختتم المسار عند المدخل الكبير للقلعة، المكوّن من دهليز ينتهي بباب حديدي ضخم، تعلوه فتحات للرماية والمحارق، ويعود تاريخه إلى عهد خليل بن قلاوون، الذي جدده ورممه.
ويعلو الباب قنطرة حجرية مزخرفة بنحت ثعبانين، فحمل اسم باب الثعابين، وبعد اجتياز هذا المدخل، يصل الطريق إلى دهليز آخر في الإيوان الشمالي، يتصل بدرج يؤدي إلى قاعة الدفاع.
وتضم القلعة بابا رابعا خشبيا يعلوه نقشان لأسدين متقابلين، ويعرف باسم باب الأسدين. وبعد عبور هذا الباب، تتفرّع الممرات داخل القلعة، ومنها الممر الداخلي والدرج المؤدي إلى القصر الملكي ومسجد إبراهيم الخليل، الذي يجاوره مبنى آخر يضم مسجدا بمئذنة مربعة عالية.
ويحيط بالقلعة سور شبه دائري عليه 6 أبراج بنيت في حضارات مختلفة، وكانت تُستخدم للرماية والمراقبة، وتتميّز بنوافذ دفاعية وممرّات داخلية.
وداخل السور مدينة متكاملة قسّمت منشآتها إلى وحدات متعددة الوظائف؛ منها ما خُصِّص للسكن، ومنها ما كان مقرا للإدارة والحكم، إضافة إلى مرافق العبادة والتخزين والتحصين، وفيها أيضا قاعات وساحات ومسرح وحوانيت.
وحظيت القلعة بالعناية الكبيرة طوال تاريخها، منها ما كان في عهد السلطان الظاهر غازي بن صلاح الدين، الذي بنى البوابة الرئيسة وبعض المنشآت والجامع الكبير داخل القلعة.
وتطل القلعة عبر نوافذ أبراجها على الأسواق والمدارس الواقعة ضمن “المدينة القديمة” المسورة.
المعالم
تضمّ قلعة حلب مجموعة من المعالم التي تعكس عمق تاريخ المدينة وتنوّع حضاراتها، أبرزها المسجد الكبير ويقع في قلب القلعة، ويتميّز بمحراب مزخرف وقبّة أنيقة.
ويجاوره مسجد إبراهيم الخليل، الذي أنشأه الملك الصالح إسماعيل زنكي عام 536 هـ، ويزدان مدخله وجدرانه بكتابات تأريخية توثق حقبته الزمنية.
وبالقرب منه تقف ثكنة عسكرية شُيّدت في زمن إبراهيم باشا المصري عام 1834. وفي وسط التلة توجد قاعة كبيرة يمكن الوصول إليها عبر 70 درجة تحت السطح، كانت تُستعمل مستودعا للحبوب والعلف.
وتضم القلعة أيضا قصر الملك الظاهر غازي الذي شكّل مقرّ الحكم والإدارة، ويبرُز فيه الطراز الأيوبي من خلال الزخارف المتقنة والمساحات الرحبة.
وتحت القلعة بني نفق سري، استُخدم لأغراض عسكرية وعمليات الهروب الطارئة، ويكشف عن بُعد إستراتيجي في التخطيط الدفاعي، إضافة إلى وجود سجون.
وبنيت داخل المدينة حمّامات ملكية جسّدت نمط الحياة المترف داخل القلعة، وتحتوي على غرف بخار واستحمام مزدانة بزخارف مميزة.
وفي القصر قاعة العرش، التي تؤدي إليها بوابة مزخرفة بأحجار ملونة ومقرنصات ونقوش مختلفة شُيّدت في العصر الأيوبي.
ودعما للمدينة داخل القلعة، بنيت خزانات للمياه والمؤن لضمان صمود القلعة وسكانها في فترات الحصار الطويلة.
محطات تاريخية
عرفت القلعة تاريخيا بأنها الحصن الأهم في الشمال السوري، فتداولتها الحضارات التي حكمت المنطقة بداية من مملكة يمحاض الأمورية ثم الحيثية فالآرامية والآشورية والفارسية والهيلينية والرومانية والبيزنطية ثم الحضارات الإسلامية.
وكشفت التنقيبات الأثرية عن بقايا تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، إضافة إلى آثار رومانية وبيزنطية، ما يؤكّد أن الموقع ضاربٌ في القدم ويقترب عمره من 3 آلاف عام. ويُرجَّح أن القلعة الأولى شُيّدت فوق تلّ طبيعي شكّل النواة الأصلية للمدينة القديمة.
وأخذت القلعة مكانتها حصنا على يد مؤسس السلالة السورية السلوقية، سلوقس نيكاتور الأول، ثم ظهرت أهميتها الدينية لمّا صارت تحت حكم الرومان عام 64 قبل الميلاد، إذ بنوا فيها كثيرا من المعابد المخصصة لآلهتهم.
وعاد البيزنطيون واستعملوها حصنا في مواجهة الغزو على المدينة، وكان السكان يلجؤون لها كلما تعرضت المدينة للهجوم. ففي عام 540 اجتاح الملك الساساني كسرى الأول مدينة حلب، وبدأ ينشر الخراب فيها، ولولا لجوء الأهالي إلى القلعة لكانوا قد لقوا حتفهم جميعا.
واهتم بترميمها البيزنطيون كثيرا قبل أن تفتح على يد الصحابيين أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد، اللذين باشرا بإصلاحها إثر الزلزال المدمر الذي ضرب المنطقة حينئذ.
ويُروى أن خالدا بن الوليد اقتحمها بالحيلة، متخفّيا مع جيشه في جلود الماعز، فظهروا مثل قطيع يرعى على سفح التلة بينما كان الروم في حالة احتفال وسكر، فتمكّنوا من قتل حامية البوابة وفتح الأبواب بعد إشعال النيران، وأجلوا من فيها من الجنود والسكان.
عاصمة الدولة الحمدانية
بقيت القلعة حصنا إسلاميا منذ فتحها، وصمدت أمام هجمات الروم والمغول والتتار. وكان أول من استخدمها واهتم بها في العصر الإسلامي سيف الدولة الحمداني الذي أمر بتشييدها وتحصينها وبناء سور حول مدينة حلب،
خاصة بعد تدميرها من الإمبراطور البيزنطي نقفور وحرق مساجدها بعد احتلالها عام 962م، وقتل عددا من أهلها وسبى نساءها وأطفالها،
ولم ينجُ من القتل والأسر سوى من لجأ إلى القلعة من العلويين والهاشميين والكُتّاب وأصحاب الثروات، إذ لم تكن القلعة محاطة بسور آنذاك.
وحاول البيزنطيون حصارها، لكنها صمدت واستعصت عليهم، قبل أن يغادروا المدينة بعد 8 أيام فقط، لأسباب غير معلومة.
وقد اتخذ الحمداني القلعة مقرا لإقامته وإدارة الحكم، واستمرّت العناية بها في العهود اللاحقة.
وتعرّضت القلعة لزلزال آخر في القرن الـ12 عام 1138 عُدّ أحد أقوى الزلازل في التاريخ وتضررت بسببه كثيرا، فأعاد نور الدين زنكي بناء أسوارها وقلعتها، وحينئذ أخذت شكلها الحديث، وجعل منها سجنا للعديد من القادة والصليبيين.
عام 1183م فتحها صلاح الدين الأيوبي وعيّن ابنه واليا عليها، وبلغت حينئذ في عهده أوج ازدهارها وتحصينها، إذ حظيت بأكبر أعمال الترميم والبناء في تاريخها.
وشهدت القلعة ازدهارا كبيرا في عهد الظاهر غازي بن صلاح الدين الأيوبي، الذي ترك فيها آثارا عسكرية ومعمارية بارزة،
وشكّلت التحصينات والهياكل التي أنشأها نموذجا متقدّما في العمارة العسكرية للقرون الوسطى، بما في ذلك منحدرات الحصون والجدران المتقنة التي صعّبت التسلق عليها.
وذكر ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية” عن الأيوبي، واصفا حبه الشديد لمدينة حلب: “ثم إن القلعة وقعت منه بموقع عظيم،
ثم قال: ما سررت بفتح قلعة أعظم سرورا من فتح مدينة حلب، وأسقطت عنها وعن سائر بلاد الجزيرة المكوس والضرائب”.
تدمير وترميم
وفي العهد المملوكي، جُدّدت القلعة على يد الأشرف خليل بن قلاوون، ثم رمم السلطان الملك الناصر بن برقوق بعض أجزائها، وكانت آخر أعمال الترميم المملوكية في عهد السلطان قانصوه الغوري، وحافظت على جمال القلعة ومظاهرها المعمارية.
وتشير المراجع التاريخية إلى أن السلاطين والأمراء أولوا قلعة حلب اهتماما بالغا، إذ كانوا يعينون واليا للمدينة وآخر للقلعة، لضمان السيطرة ومواجهة أي احتمالات للعصيان.
حاول المغول غزوها بقيادة هولاكو، الذي حاصرها ودمرها مشترطا على أهلها الاستسلام لحمايتها، فتضررت بشكل بالغ عام 1260م، لكنها تحررت منه بعد انتصار المسلمين في معركة عين جالوت.
رمم الملك الأشرف قلاوون ما تهدّم منها على يد المغول، ثم جاء تيمور لنك الأعرج سنة 1400م، ودمر المدينة والقلعة، قبل أن يحررها المماليك ويرمموها.
واستولى العثمانيون على القلعة عام 1516، وجاء إبراهيم باشا بن محمد علي باشا من مصر عام 1831، وأنشأ ثكنة عسكرية وجعلها مقرا لجنوده حتى 1840.
وفي الحقبة العثمانية، تراجع الدور العسكري للقلعة تدريجيا، ففي عام 1521 رممها السلطان سليمان الأول، واستخدمت لاحقا ثكنة للجنود العثمانيين فقط.
وفي عام 1822 تضررت القلعة بشدة نتيجة زلزال مدمر أودى بحياة نحو 20 ألف شخص في المدينة، قبل أن تتم إعادة ترميمها نحو عام 1850 بأمر من السلطان عبد المجيد الأول.
أما في عصر الانتداب الفرنسي في الجزء الأول من القرن الـ20، فقد أُجريت حفريات أثرية وأعمال ترميم واسعة النطاق في القلعة، مع سرقة العديد من آثارها، أبرزها محراب مسجد إبراهيم.
ومنذ عام 1950، أجرت المديرية العامة للآثار في الجمهورية العربية السورية في القلعة أعمال ترميم وتجديد، إضافة إلى حفريات أثرية للكشف عن تاريخ الموقع قبل الإسلام.
معلم أثري
نفذت مجموعة آغا خان أشهر مشاريع الترميم للقلعة منذ عام 2000، ضمن نشاطها في سوريا، واستمرت القلعة مقصدا للسياح وسكان حلب وغيرها من المدن السورية.
وتغير واقعها جذريا في منتصف عام 2012، عندما استخدمها النظام السوري المخلوع لنصب مرابض المدفعية وراجمات الصواريخ لاستهداف الأحياء الخارجة عن سيطرته، وجعلها حصنا لعناصره، خاصة أن منطقة المدينة القديمة كانت نقطة تماس مباشرة.
وتسببت عشرات التفجيرات والهجمات المتبادلة بين الجيش السوري الحر وقوات الرئيس المخلوع بشار الأسد في دمار واسع داخل القلعة بين عامي 2012 و2016، لا سيما عند بواباتها الخارجية التي امتلأت بآثار الطلقات النارية والشظايا، إلى جانب انهيار جزء من سورها التاريخي.
وتبادلت المعارضة والنظام الاتهامات حول تفجير أنفاق تحت القلعة الأثرية؛ إذ اتهم النظام مسلحي المعارضة بتفجير أنفاق في المدينة القديمة عام 2015، ما تسبب بأضرار كبيرة في سور القلعة، خاصة في الجهة الشمالية الشرقية.
ومن جهتها أكدت المعارضة أن التفجير ناتج عن حفر القوات الحكومية نفقا أثريا تحت القلعة، مما أدى إلى انهيار السور، وتبعت ذلك اشتباكات عنيفة بين الطرفين.
وعقب استعادة النظام المخلوع السيطرة على القلعة، أشار بعض سكان المنطقة إلى استبدال عدد كبير من حجارة القلعة وسفحها الأصلية بأحجار حديثة لا تتوافق مع مواصفات الحجارة القديمة،
كما ظهرت تقارير عن تنقيبات غير شرعية تورطت بها شبكات من المستفيدين بعد كشف جدران لمعابد قديمة داخل القلعة.
وألحق الزلزال الكبير الذي ضرب جنوب تركيا عام 2023، ووصلت هزاته إلى معظم المدن السورية، أضرارا جسيمة بقلعة حلب، إذ سقطت أجزاء من الطاحونة العثمانية، وظهرت تشققات وتصدعات في الأسوار الدفاعية الشمالية الشرقية.
كما انهارت أجزاء كبيرة من قبة منارة الجامع الأيوبي، وتضررت مداخل القلعة، وسقطت حجارة من مدخل البرج الدفاعي المملوكي، وتعرضت واجهة التكية العثمانية لأضرار واضحة.
الجزيرة
