تكرر مشهد خروج إنجلترا من نهائيات كأس العالم مرة أخرى، وينتهي حلم معانقة اللقب للمرة الثانية، ليعود مجدداً السؤال الذي رافق منتخب «الأسود الثلاثة» على مدار عقود،
لماذا يتكرر السيناريو نفسه في البطولات الكبرى، رغم تغير المدربين والأجيال وتطور كرة القدم؟
وجاء التعاقد مع الألماني توماس توخيل على أمل كسر هذا الإخفاق، مستفيداً من خبرته التكتيكية الواسعة، وإنجازاته الأوروبية، خصوصاً مع تشيلسي والفوز بدوري أبطال أوروبا،
لكن النهاية بدت مألوفة، ومتكررة، بداية قوية للإنجليز، هدف مبكر، ثم تراجع تدريجي، قبل أن يخسر المنتخب، ويودع البطولة.
ورغم توجيه الانتقادات إلى اختيارات توخيل وتغييراته وقراءته، خلال مواجهة الأرجنتين، يبدو أن المشكلة تتجاوز قرارات مباراة واحدة، إذ تعكس سلوكاً متكرراً لازم المنتخب الإنجليزي في معظم مشاركاته الكبرى، خلال العقود الثلاثة الماضية،
ففي أكثر من بطولة نجحت إنجلترا في التقدم خلال مباريات الأدوار الإقصائية، لكنها فشلت في الحفاظ على الأفضلية، بعدما تراجعت إلى الخلف، ومنحت منافسيها زمام المبادرة، قبل أن تنتهي مغامرتها بالخروج.
وتكررت هذه الصورة أمام ألمانيا في يورو 1996، والأرجنتين في مونديال 1998، والبرازيل في 2002، والبرتغال في 2004، وآيسلندا في 2016، وكرواتيا في مونديال 2018، ثم إيطاليا في نهائي يورو 2020.
ويشير هذا التسلسل إلى أن الأزمة ليست مرتبطة بمدرب بعينه، حين اعتمدت إنجلترا حتى على المدربين الأجانب الثلاثة طوال تاريخها،
فالسويدي سفين غوران إريكسون، والإيطالي فابيو كابيلو، والآن الألماني توخيل، اصطدموا جميعاً بالعقبة ذاتها، رغم اختلاف مدارسهم التدريبية، وخلفياتهم التكتيكية.
وكان الهدف الأساسي من التعاقد مع مدرب أجنبي لمنتخب إنجلترا محاولة تغيير الأسلوب، إلا أن المدربين الأجانب الذين تولوا قيادة المنتخب انتهوا تدريجياً إلى تبني أسلوب المنتخب نفسه، بدلاً من فرض أفكارهم الخاصة، ليصبح تأثير هوية المنتخب أقوى من شخصية المدرب.
وكان توخيل قد تحدث خلال البطولة عن رغبته في بناء منتخب يلعب بجرأة، ويضغط على المنافس، ويفرض إيقاعه، لكنه أقر بعد الخروج بأن المنتخب أصبح سلبياً، وافتقد القوة المطلوبة عندما اشتدت الضغوط.
وبات جلياً أن المشكلة تكمن في صعوبة محافظة إنجلترا على أسلوبها الهجومي طوال المباراة، إذ يبدأ المنتخب بإيقاع مرتفع، قبل أن يتراجع تدريجياً، سواء بفعل الإرهاق أو فقدان الثقة أو العجز عن الاحتفاظ بالكرة تحت ضغط المنافس.
على العكس تماماً تتميز المنتخبات الكبرى بقدرتها على التحكم في نسق المباراة عندما تتغير الظروف، بينما تبدو إنجلترا أكثر ميلاً إلى رد الفعل بدلاً من فرض أسلوبها، وهو ما جعلها لتكرار السيناريو نفسه.
ولا تبدو أزمة «الأسود الثلاثة» مع كأس العالم أو البطولات الكبرى تكتيكية بقدر ما هي أزمة هوية كروية، فكل مدرب جديد يصل محملاً بأفكار مختلفة، لكنه يجد نفسه مع مرور الوقت يتكيف مع العادات الراسخة للاعبين، بدلاً من تغييرها.
وبينما ستواصل إنجلترا البحث عن لقب طال انتظاره منذ عام 1966 يبقى السؤال الأهم: هل تكمن المشكلة في هوية المنتخب نفسها؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فإن تغيير المدرب وحده لن يكون كافياً لكسر الحلقة، التي تتكرر في كل بطولة كبرى.
البيان
