
في الطريق إلى مدينتي حرستا ودوما، درّة مدن الغوطة الشرقية وسلّتها الغذائية سابقاً، يلفت الانتباه مشهد مزدوج تختصره الحركة اليومية في الشوارع مقابل حجم الدمار الواسع الذي طال الأبنية والبنى التحتية،
عمال بناء يرممون المنازل، طلاب يتجهون إلى مدارسهم وجامعاتهم، نساء يتسوقن من المحال التجارية، ومزارعون قلائل يحاولون إنقاذ ما تبقى من أراضيهم.. مشهد يعكس إرادة حياة قويّة تتجاوز قسوة سنوات الحرب، رغم واقع خدمي ومعيشي لا يزال مثقلاً بالصعوبات.
مدن عُرفت تاريخياً بخضرتها وغناها الزراعي، وحملت منتجاتها علامة “صنع الغوطة” إلى الأسواق المحلية والخارجية، تحاول اليوم النهوض من جديد بجهود أبنائها، في ظلّ غياب الدعم الحكومي، واعتماد شبه كامل على المبادرات المجتمعية لتجاوز جزء من التحديات المتراكمة.
عودة محفوفة بالمعاناة
لم تكن العودة إلى حرستا ودوما سهلة، كثير من الأراضي الزراعية تُسقى اليوم بمياه الصرف الصحي، ما يهدد صحة السكان والأرض معاً، في حين تُقتطع مساحات زراعية لصالح منشآت صناعية وتجارية، بعضها حصل على موافقات غير قانونية خلال فترة النظام المخلوع.
أحد المزارعين في حرستا أكد اضطراره لريّ أرضه المزروعة بالذرة والخضروات بمياه غير صالحة، لعدم قدرته على تحمّل كلفة ضخّ المياه من الآبار، مشيراً إلى أن إعادة الحياة للأراضي الزراعية كما كانت سابقاً باتت بعيدة المنال في ظل غياب الدعم الحكومي.ّ
وفي قطاع التعليم، ورغم إصرار الأهالي على إعادة أبنائهم إلى مدارسهم، إلا أن الدمار الذي طال المنشآت التعليمية أدى إلى اكتظاظ الصفوف، حيث يصل عدد الطلاب في بعض الصفوف إلى نحو 80 طالباً، ما ينعكس سلباً على جودة التعليم.
أما أزمة السكن، فتشكّل هاجساً دائماً للعائدين، حيث يشير محمد المصري، صاحب ورشة حدادة في حرستا، إلى أن إيجارات المنازل تجاوزت مليوناً ونصف المليون ليرة شهرياً، فيما تتراوح في دوما بين مليوني وأربعة ملايين ليرة، وهو ما يفوق قدرة كثير من أصحاب المهن الحرة.
واقع خدمي منهك
عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة حرستا محمد قدادو أوضح أن رغبة المهجّرين في العودة تصطدم بنقص حاد في المساكن، إضافة إلى دمار واسع في شبكات المياه والصرف الصحي، حيث إن نحو 80 بالمئة من الشبكات متضررة وغير صالحة، مع أعطال شبه يومية ونقص كبير في المضخات والمحولات والكابلات.
وبيّن أن المدينة تعتمد على 11 بئراً فقط من أصل 21 بئراً حفرت سابقاً، بينها أربع مضخات بالكاد تؤمّن الحدّ الأدنى من الضخّ، في حين لا يزال الضغط كبيراً على المدارس والخدمات الصحية، رغم وجود مشفى حرستا الذي يخدّم المنطقة.
قدادو تحدث عن معاناة المجلس البلدي من إهمال الجهات المعنية، مشيراً إلى تعثّر المخطط التنظيمي التوسعي وإعادة إعمار حيّ العجمي المدمر، ورغم مضي خمسة أشهر على تقديمه إلا أنه لا توجد نتائج حتى الآن،
وأكد أن القوانين القديمة والمعقدة تعرقل عملية الإعمار، وأن اللجان المشكلة من قبل المحافظة لمتابعة المخطط التنظيمي لا تلامس واقع معاناة الأهالي.
وأضاف أن عدد العائدين إلى مدينة حرستا بلغ نحو 100 ألف شخص، غالبيتهم يعملون على ترميم منازلهم بهدف التحرر من أعباء الإيجارات المرتفعة، في ظلّ إجراءات فنية وقانونية يسعى المجلس البلدي إلى تبسيطها قدر الإمكان.
وفيما يخص القطاع الزراعي، أكد قدادو أن انتشار المنشآت الصناعية والتجارية على الأراضي الزراعية يشكّل خطراً حقيقياً على الغطاء الأخضر في المدينة، مشيراً إلى وجود تجاوزات واضحة في هذا السياق.
ولفت إلى مشروع إقامة مشفى خاص مؤلف من سبعة طوابق أُنشئ بالكامل على أرض زراعية، بعد حصول أصحابه على موافقات غير قانونية تعود إلى فترة النظام المخلوع، بذريعة استثمار جزء من أرض زراعية واسعة، إلا أن المشروع استحوذ على كامل المساحة دون الإبقاء على أي غطاء نباتي.
وأضاف أنه بعد تسلّم المجلس البلدي مهامه، تمّ إصدار قرار بوقف تنفيذ المشروع، غير أن ضغوطاً من جهات أعلى حالت دون تطبيق القرار، حيث لجأ المستثمر إلى هيئة الاستثمار واستمر العمل،
موضحاً أنه جرى طرح الملف أمام محافظ ريف دمشق، الذي وعد بإيقاف المشروع، بينما لا يزال المجلس والأهالي بانتظار صدور أمر وقف التنفيذ نظراً للأضرار الكبيرة التي يسببها للمساحات الزراعية.
كما لفت إلى أن قلّة المياه الصالحة للزراعة وارتفاع كلفة الضخّ دفعت بعض المزارعين إلى استخدام مياه الصرف الصحي، وهو أمر تتم معالجته عبر الجمعية الفلاحية بحرث الأراضي المخالفة فور اكتشافها.
وحول الدعم المالي، أكد قدادو أن المجلس البلدي لم يحصل على أي إعانات حكومية حتى الآن، ويعتمد بالكامل على التبرعات الشعبية، حيث جُمِع نحو 1.2 مليار ليرة، صُرف معظمها على مشاريع الصرف الصحي وتأهيل طريق حرستا- دوما وصيانة المضخات والمحولات.
دوما نموذج للمبادرات المجتمعية
في دوما، يبدو المشهد أفضل نسبياً، بفضل الدعم الكبير من أبناء المدينة داخلها والمغتربين عنها، إذ أوضح رئيس البلدية المهندس سمير بويضاني أن المجلس نفذ، بالتعاون مع المجتمع المحلي، مشاريع واسعة لترميم المدارس والمنشآت العامة، وتحسين شبكات الصرف الصحي والكهرباء.
وأشار إلى أن عدد مراكز تحويل الكهرباء ارتفع من 27 إلى 40 مركزاً، بجهود مجتمعية، رغم أن العدد قبل الثورة كان 256 مركزاً، مؤكداً أن الكهرباء تشكل أولوية لاستقرار السكان وتشغيل الورش وتأمين المياه.
وشدّد بويضاني على أن التعليم يشكّل أولوية قصوى، حيث جرى ترميم عدد من المدارس وتجهيز أكثر من 500 مقعد دراسي، إلى جانب دعم طلاب الجامعات عبر تأمين وسائل نقل لهم، وإطلاق مبادرات خاصة لخدمة طلاب الشهادتين خلال فترة الامتحانات، موضحاً أن 12 مدرسة كانت مهدّمة جرى ترميمها بجهود المجتمع المحلي، إضافة إلى إعادة تأهيل المعهد التجاري.
وفيما يخص الواقع الخدمي، أشار إلى أن أعمال تزفيت الشوارع تتطلب مبالغ مالية كبيرة، حيث جرى تزفيت عدد من الشوارع الرئيسية التي تربط المدن ببعضها، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى اعتمادات إضافية لمعالجة الحفر الموجودة في بقية الشوارع.
وفي ملف المياه، أكد أن جميع آبار المدينة ملوثة وغير صالحة للشرب، ويتمّ العمل حالياً على تجهيز سبعة آبار في المنطقة الجبلية بالتعاون مع منظمات دولية، إضافة إلى ترميم الخزان الرئيسي بسعة 3500 متر مكعب.
وحول الاستثمارات، أكد بويضاني أن الأولوية هي تأمين السكن وإعادة الإعمار، في ظلّ ارتفاع الإيجارات، مشيراً إلى إعداد مخطط تنظيمي جديد يقوم على مبدأ الأحياء، وتنفيذه عبر شركات تطوير عقاري، مع توقيع مذكرة تفاهم مع شركة سعودية لتنفيذ أبراج سكنية ومجمع تجاري، بما يشكل نواة للبناء الحضري الحديث.
ختاماً، بين حرستا ودوما، تتجلى صورة الغوطة الشرقية اليوم: إرادة مجتمعية صلبة تحاول ترميم ما دمره النظام المخلوع، مقابل دعم حكومي لا يزال دون مستوى التحديات،
وبين المبادرات الشعبية والمشاريع الاستثمارية المنتظرة، تبقى عودة المهجّرين مرتبطة بإعادة الإعمار الشامل، وتأمين الخدمات الأساسية، ووضع المنطقة في صلب أولويات التنمية الوطنية.
الثورة السورية – هناء ديب









