ما أضرار الاستخدام المفرط للإنترنت؟

مع تزايد الوقت الذي يقضيه الناس أمام الشاشات، بات الاستخدام المفرط للإنترنت أحد أبرز التحديات النفسية والسلوكية في العصر الرقمي، لما يترتب عليه من آثار تمتد إلى الصحة النفسية والإنتاجية والعلاقات الاجتماعية.

ورغم إدراك كثيرين أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يؤثر سلباً في العمل والدراسة والعلاقات، تظل مقاومة الرغبة في العودة إلى الإنترنت أمراً بالغ الصعوبة.

وبلغ عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم 6.12 مليار شخص في بداية أبريل (نيسان) 2026، أي ما يعادل 73.8 في المائة من سكان العالم، بارتفاع قدره 59 مليون مستخدم خلال الاثني عشر شهراً الماضية، وفق تقرير «Digital 2026» الصادر عن منصة «DataReportal».

المحرك الرئيسي لاستخدام الإنترنت

ويقضي مستخدم الإنترنت في المتوسط نحو 33 ساعة و13 دقيقة أسبوعياً في تصفح المحتوى الرقمي.

وبينما يُعتقد أن التوتر وسوء المزاج هما المحركان الرئيسيان لهذا السلوك، كشفت دراسة ألمانية عن عامل أكثر تأثيراً قد يغيّر أساليب الوقاية من الاستخدام الإشكالي للإنترنت وعلاجه.

ويُعرَّف هذا الاستخدام بأنه نمط من الإفراط في الأنشطة الرقمية -مثل الألعاب ووسائل التواصل والمقامرة والتسوق الإلكتروني- يؤدي إلى فقدان السيطرة على الوقت، ويؤثر سلباً في الحياة اليومية، وقد يصاحبه ضيق نفسي أو صعوبة في تقليل الاستخدام رغم إدراك آثاره السلبية.

واعتمدت الدراسة، التي أجراها باحثون من مستشفى جامعة إيسن الألمانية، على تقييم 900 شخص بالغ صُنّفوا بعد مقابلات تشخيصية إلى ثلاث فئات: استخدام إشكالي، ومحفوف بالمخاطر، وطبيعي.

وطُلب من المشاركين، على مدى 14 يوماً، تسجيل مستويات التوتر والمزاج يومياً، ومدى الإغراء لاستخدام الإنترنت، والوقت المُستغرق، ومستوى المتعة، وما إذا أهملوا أنشطة أخرى نتيجة لذلك.

ووجد الباحثون أن أصحاب الاستخدام الإشكالي أكثر عرضة للتوتر وسوء المزاج، ويقضون وقتاً أطول على الشبكة، ويهملون جوانب مهمة من حياتهم.

لكن التحليل الإحصائي أظهر أن الإغراء اللحظي كان العامل الأكثر تأثيراً في استمرار الاستخدام، في حين عزّزت مشاعر المتعة والارتياح هذا السلوك وتكراره. ونُشرت النتائج في 30 يوليو (تموز) 2026 بدورية «PLOS One».

تأثير الإنترنت على الدماغ

ويوضح استشاري الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، أن كل استخدام للإنترنت يرفع مستوى «الدوبامين» المسؤول عن الشعور بالمتعة والمكافأة بالدماغ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدماغ مع تكرار هذا السلوك يربط الاستخدام بهذا الإحساس، فيطالب بجرعات أكبر لاستعادة الشعور نفسه، مما يُخل بنظام المكافأة وتبدأ عندها ملامح الإدمان في الظهور.

وأشار فرويز إلى أن استمرار هذا النمط ينعكس على الوظائف الذهنية والنفسية، إذ يعاني الشخص ضعف التركيز وتشتت الانتباه وصعوبة التعلم، وقد يصبح أكثر عصبية وانفعالاً، وهو ما قد يتطور إلى أعراض اكتئابية أو تصرفات غير محسوبة في الحالات الشديدة.

ونبّه إلى أن المحتوى المتكرر يُخزَّن في العقل الباطن بوصفه «خبرة» يستدعيها الدماغ لاحقاً عند مواجهة مواقف مشابهة، مؤثراً بذلك في طريقة الاستجابة.

وتشمل أبرز علامات الإدمان، حسب فرويز، العجز عن الابتعاد عن الهاتف رغم المحاولات المتكررة، وتأثر الأداء الدراسي أو الوظيفي، وإهمال المسؤوليات الأسرية.

وحذّر من أن الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً، لما قد ينتج من تراجع في التركيز والتحصيل الدراسي، وارتفاع معدلات السمنة، واكتساب سلوكيات غير سليمة في غياب الرقابة الأسرية،

مؤكداً أن أولى خطوات العلاج هي الاعتراف بالمشكلة، مع ضرورة مراجعة مختص نفسي، ووضع أوقات محددة لاستخدام الأجهزة الرقمية والالتزام بها.

من جانبه، اعتبر أستاذ الطب النفسي، الدكتور وائل أبو هندي، أن إدمان الإنترنت يتجاوز الإفراط في الاستخدام ليتحول إلى اضطراب سلوكي يمس الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية، مصنّفاً إياه ضمن الإدمان السلوكي غير الكيميائي، ومشبّهاً إياه بإدمان القمار من حيث تنشيطه مراكز المكافأة في الدماغ.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أعراض هذا الإدمان تتجلّى في لهفة شديدة نحو التصفح، وعجز متكرر عن ضبط الوقت، وإخفاقات متكررة عند محاولة التقليل، على غرار أنماط أخرى من الإدمان السلوكي مثل إدمان الطعام أو الجنس.

ويرى أبو هندي أن جذور هذا السلوك تكمن غالباً في الهروب من واقع مؤلم، أو تعويض غياب علاقات اجتماعية صادقة، مما يحوّل الاستخدام العابر إلى ملاذ دائم، تتراكم آثاره في اضطرابات النوم وتراجع الأداء الدراسي أو المهني وتفكك العلاقات الأسرية.

ويشدد على أن العلاج السلوكي يجب ألا يركز على استهداف المقاطعة التامة، بل ترسيخ استخدام رشيد ومتوازن عبر تنظيم الوقت ومعالجة الأسباب النفسية الكامنة.

وفي ظل تصاعد الإدمان الرقمي بين الطلاب تحديداً، دعا أبو هندي وزارة التعليم إلى إعادة النظر في اعتمادها المتزايد على الأجهزة اللوحية والملفات الرقمية داخل الصفوف الدراسية،

محذراً من أن ذلك قد يكرّس التعلق المرضي بالشاشات بدلاً من الحد منه. وشدد على أن العودة إلى الكتاب الورقي لا تمثل تراجعاً عن التطور، بل خط دفاع أول ضد الإدمان المبكر، لما توفره من فوائد معرفية تجعلها خياراً أكثر أماناً وفاعلية من نظيراتها الرقمية.

الشرق الأوسط

Exit mobile version