اقتصاد

لماذا يراهن ترامب وفريقه على العملات المستقرة؟

قبل نحو عام كتب ستيفن ميران، الرئيس السابق لمجلس المستشارين الاقتصاديين في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يشغل حالياً منصب محافظ بالاحتياطي الفيدرالي، ورقة أثارت قدراً من القلق في الأسواق المالية.

لقد ألمح ميران إلى أن ترامب قد يستخدم التعريفات الجمركية واتفاقية «مار-أ-لاغو» النقدية لتعزيز الهيمنة الأمريكية، وهي فكرة أثارت قلق التقدميين وخبراء اقتصاد السوق الحرة على حدٍ سواء.

وبعد مرور اثني عشر شهراً، تبنَّى ترامب بوضوح التعريفات الجمركية، بينما تلاشت رؤية العملة عن الأنظار. وبات ميران يطرح الآن أفكاراً جديدة، وينبغي على خصومه الانتباه.

فهو يعتقد أننا على وشك أن نشهد تحولاً ملحوظاً في التدفقات المالية قد يؤثر في استخدام الدولار وأسعار الفائدة. ويمكن أن نسمي هذا فصلاً جديداً في التمويل الجغرافي، أو حتى «الإمبريالية المالية الأمريكية».

والقضية المحورية هنا هي العملات المستقرة، أو العملات المشفرة المدعومة بأصول أخرى، وهي التي، حتى وقت قريب، كان الكثير من الممولين يعتبرونها مجرد عرض جانبي، أو ما هو أسوأ من ذلك، أداة إجرامية.

ولا عجب في ذلك، فقد واجهت تيثر، أكبر مُصدر للعملات المستقرة، انتقادات قانونية في السابق، ومع ذلك أعلنت إدارة ترامب دعمها للعملات المستقرة.

وليس من قبيل المصادفة أن يكون لدى هوارد لوتنيك، وزير التجارة، علاقات مع «تيثر»، وقد اعتمد الكونغرس أخيراً إطاراً تنظيمياً للعملات المستقرة، وهو قانون «جينيوس».

وتعمل وزارة الخزانة الآن على تحويل هذا الأمر إلى قواعد، وهو ما يثير بعض المعارك خلف الكواليس، فالكثير من اللاعبين في هذا المجال يرغبون في إطلاق عملات مستقرة ذات عائد.

بينما يعارض رؤساء البنوك الأمريكية، مثل نظرائهم في المملكة المتحدة، ذلك بشدة، لأنها قد تستنزف ودائعهم، وهو ما أشارت إليه من قبل اللجنة الاستشارية لسندات الخزانة.

من جانبي، أتوقع فوز البنوك. ويبدو أن ميران يوافق على ذلك، فقد صرّح لكلية كامبريدج جادج للأعمال في المملكة المتحدة هذا الأسبوع بأن الطلب على العملات المستقرة سيظل ضعيفاً على الأرجح داخل الولايات المتحدة، إذا لم تُقدّم هذه العملات عوائد.

وأضاف: «أتوقع أن يأتي معظم الإقبال على العملات المستقرة من أماكن لا يمكنها الوصول فيها إلى أدوات دولارية»، مثل الكثير من الأسواق الناشئة.

ومع ذلك، وحتى في ظل هذه القيود، تتوقع جهات ومؤسسات بارزة مثل ستاندرد تشارترد أن ينمو قطاع العملات المستقرة من 280 مليار دولار إلى تريليوني دولار بحلول عام 2028، بينما يتوقع وزير الخزانة سكوت بيسنت أن ينمو إلى 3 تريليونات دولار بحلول عام 2030.

وبما أن قانون «جينيوس» يشترط «دعماً احتياطياً بنسبة 100 % بأصول سائلة»، فإن هذا سيخلق بلا شك طلباً جديداً على السندات الدولارية.

وفي الواقع، يتوقع ستيفن ميران أن ما يسميه «فائضاً عالمياً في العملات المستقرة» مستقبلاً سيعزز هذا الطلب على نطاق يُضاهي برامج التيسير الكمي التي تبناها الاحتياطي الفيدرالي مؤخراً.

ويخلص إلى أن «هذا قد يُسبب ضغطاً هبوطياً على أسعار الفائدة الأمريكية بما يصل إلى 40 نقطة أساس»، مشيراً إلى أن هذا التحول قد يُعادل أيضاً ثلث (أو أكثر) «فائض المدخرات» العالمي الذي وصفه رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق بن برنانكي عام 2005 والذي تدفق إلى الأصول الدولارية ودفع أسعار الفائدة إلى الانخفاض.

هذا المستقبل مختلف تماماً عن المستقبل الذي حددته إيزابيل شنابل، عضوة المجلس التنفيذي للبنك المركزي الأوروبي، في وقت سابق من هذا العام، والتي تخشى «أننا ننتقل من فائض مدخرات عالمي إلى»فائض سندات عالمي«، حيث ترفع الديون الغربية المفرطة التكاليف طويلة الأجل».

وقد يشكك النقاد في تفاؤل ميران بشأن أسعار الفائدة، لكن تقريراً حديثاً لصندوق النقد الدولي يشير إلى أنه في أواخر عام 2024 – أي قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض – كانت أكبر عملتين مستقرتين، تيثر وسيركل، تمتلكان بالفعل سندات خزانة أكثر من المملكة العربية السعودية أو ألمانيا، وكادتا تتفوقان على النرويج. ومنذ ذلك الحين، من المرجح أن تزداد حيازاتهما بشكل كبير.

وهذا بدوره له تأثيرات وتداعيات على الدولار الأمريكي، فمنذ تولي ترامب منصبه، تزايدت التكهنات حول التخلي عن الدولار بسبب ارتفاع الدين الأمريكي والانقسام الجيوسياسي.

لكن ستيفن ميران قال أمام كامبريدج جادج إن اعتماد عملات الدولار المستقرة في الأسواق الناشئة قد «يدعم مواجهة الضجة المتعلقة بالتخلي عن الدولار»، أو كما أشار الخبيران الاقتصاديان مارينا أزيمونتي، وفينشينزو كوادريني، أخيراً، إلى أن «الامتياز الكبير للدولار سيتعزز من خلال نمو العملات المستقرة».

وإذا كان الأمر كذلك، فمن الواضح أن هذا سيسعد ترامب كثيراً، لكنه قد يثير الرعب لدى دول أخرى. وتخشى هيلين ري، الخبيرة الاقتصادية، من «تزايد التهرب الضريبي وانخفاض الطلب على السندات الحكومية غير الأمريكية»، وتقول:

«بالنسبة لبقية العالم، بما في ذلك أوروبا، فإن الاعتماد الواسع على عملات الدولار الأمريكي المستقرة لأغراض الدفع سيكون بمثابة خصخصة لرسوم سك العملة من قِبل جهات عالمية».

وبعبارة أخرى، قد تتبين صحة تنبؤ إيزابيل شنابل بـ«وفرة السندات»، لكن فقط بالنسبة للسندات غير الأمريكية، كما قد يُعرّض تبني العملات المستقرة أوروبا أو الكثير من الأسواق الناشئة للخطر.

هل سيحدث ذلك؟ قد يعتقد منتقدو ترامب، أو يأملون، ألا يحدث ذلك، ويميل بعض الاقتصاديين إلى تجاهل ميران باعتباره تابعاً سياسياً للرئيس، لا سيما أنه دعا أخيراً إلى خفض أسعار الفائدة الأمريكية بشكل كبير، لكنني أعتقد أن هذا الانتقاد الأخير خاطئ، فتحليل ميران يعكس إطاره الفكري الراسخ وفضوله، وليس لمجرد مصلحة سياسية.

والنقطة الأساسية هي أن فريق ترامب يسعى لتعزيز الهيمنة المالية الأمريكية في عالم يشهد اضطرابات جيواقتصادية؛ لذلك، سواء أعجبتك أم لم تعجبك تنبؤات ميران الجديدة، فإن تجاهلها من قِبَل المستثمرين يعرّضهم للخطر.

فايننشال تايمز

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى