محليات

لماذا تتكرر أزمة البنزين في سوريا رغم توفره؟

عادت طوابير السيارات إلى محطات الوقود في عدد من المحافظات السورية خلال الأيام الماضية رغم استمرار وصول شحنات المشتقات النفطية وتأكيد الجهات المعنية توفر كميات من البنزين في المستودعات.

وأعادت الاختناقات المتكررة طرح تساؤلات حول أسباب تجدد الأزمة، وما إذا كانت مرتبطة بنقص المادة نفسها أم بمشكلات في نقلها وتوزيعها.

وأرجعت الشركة السورية للمشتقات النفطية “سادكوب” الازدحام الذي شهدته بعض المحطات يوم الثلاثاء 11 أغسطس/ آب إلى عطل فني طارئ أصاب مضخة نقل البنزين عبر خط بانياس-حمص، ما أدى إلى توقف الضخ وتأخر وصول الكميات المخصصة للتوزيع.

وقالت الشركة إنها لجأت إلى نقل البنزين بالصهاريج مباشرة من بانياس، وإن الصهاريج بدأت بالوصول تباعاً إلى دمشق وبقية المحافظات، مشيرة إلى تفريغ نحو 73 ألف متر مكعب من المشتقات النفطية خلال يومي الاثنين والثلاثاء، مع وجود ناقلتين إضافيتين بانتظار التفريغ.

لكن وزارة الطاقة أعلنت، يوم الأربعاء، فتح تحقيق في نقص البنزين بدمشق، بعدما سجلت محطات الوقود اختناقات رغم توفر المادة في المستودعات. وكلّف وزير الطاقة محمد البشير لجنة بـ”الكشف والتقصي والتدقيق” في عمل شركة المحروقات وتحديد أسباب النقص، على أن ترفع نتائجها خلال 48 ساعة.

في السياق، يرى الباحث والأكاديمي الاقتصادي ياسر الحسين، في حديث لـ”العربي الجديد”، أنّ المعطيات الحالية تشير إلى أن الأزمة أقرب إلى اختناق في سلسلة الإمداد والتوزيع منها إلى نفاد فعلي للمخزون.

ويوضح أن وجود البنزين في المستودعات لا يعني بالضرورة وصوله إلى المستهلك، إذ تمر المادة بسلسلة تبدأ بالاستيراد أو الإنتاج، ثم التخزين والنقل والتوزيع وصولاً إلى المحطات.

ويقول إن العطل الذي أصاب خط بانياس-حمص كشف هشاشة هذه المنظومة، إذ أدى تعطل مضخة واحدة إلى تأخر وصول الكميات إلى المحطات وظهور طوابير في عدد من المناطق.

ويضيف أن وجود مخزون كافٍ على المستوى الوطني يمكن أن يترافق مع نقص محلي إذا لم تكن القدرة على نقل المادة وتوزيعها بالسرعة المطلوبة كافية،

مشيراً إلى أن “الطوابير لا تثبت وحدها وجود نقص في المخزون، لكنها تثبت وجود فجوة بين العرض المتاح والعرض الفعلي في محطات الوقود”.

ولا يختزل الحسين الأزمة في العطل الفني الأخير، معتبراً أن قدرة عطل واحد على إحداث اختناقات واسعة تكشف الحاجة إلى منظومة أكثر مرونة، تتوفر فيها مضخات احتياطية ومسارات نقل متعددة وسعات تخزينية أكبر.

ويشير إلى أن أزمات الوقود السابقة تؤكد أيضاً تعدد أسباب الاختناقات، ومنها اضطرابات الملاحة والنقل البحري، وارتفاع تكاليف الاستيراد، والتحديات التشغيلية خلال إعادة تأهيل البنية التحتية، إضافة إلى تغير سلوك المحطات والمستهلكين مع توقعات تغير الأسعار.

وتأتي الأزمة الحالية رغم وصول شحنات جديدة؛ ففي 30 يوليو/ تموز الماضي، وصلت إلى مصب بانياس على الساحل ناقلة تحمل 37 ألفاً و646 طناً مترياً من البنزين، فيما أعلنت وزارة الطاقة في 11 يوليو إرسال 407 طلبيات بنزين بإجمالي نحو 9.768 ملايين ليتر إلى محطات الوقود في المحافظات.

ويرى الحسين أن زيادة الاستيراد وحدها ليست حلاً، موضحاً أنه إذا جرى استيراد كميات أكبر من دون إصلاح منظومة التخزين والنقل والتوزيع والتسعير، فقد يرتفع حجم المخزون بينما تستمر الطوابير.

ويضع الخبير الاقتصادي أربعة مسارات أساسية لمعالجة المشكلة، تبدأ ببناء مخزون استراتيجي يكفي لمواجهة تعطل خطوط النقل أو تأخر الشحنات، ثم إصلاح البنية اللوجستية عبر تعدد مسارات النقل وتوفير المضخات والصهاريج الاحتياطية وتوزيع المستودعات جغرافياً.

أما المسار الثالث، فيتعلق بالتسعير، وفق الحسين الذي يرى ضرورة أن يكون شفافاً وقابلاً للتوقع، ومرتبطاً بتكلفة الاستيراد وأسعار النفط وسعر الصرف والنقل، فيما يتمثل المسار الرابع في زيادة الاستيراد عند وجود فجوة حقيقية في العرض.

وتتزامن أزمة البنزين مع تحركات قد تؤثر مستقبلاً في مصادر إمدادات الطاقة السورية، إذ كشفت وكالة رويترز في 4 أغسطس/ آب الحالي أن الحكومة السورية وافقت على خفض وارداتها من النفط الروسي بصورة كبيرة، ضمن مباحثات مع الإدارة الأميركية بشأن رفع اسم سورية من قائمة “الدول الراعية للإرهاب”.

وقد ازداد اعتماد سورية على الخام الروسي خلال الفترة الماضية، فيما لم تعلن حتى الآن بصورة مفصلة كيفية تعويض أي تراجع محتمل في هذه الإمدادات.

كما يعاني قطاع الطاقة السوري أضراراً في منشآت النفط والغاز والمصافي ومستودعات التخزين وشبكات النقل، في وقت تعمل فيه الحكومة على إعادة تأهيل البنية التحتية ورفع القدرة الإنتاجية.

ويقول الحسين إنّ جوهر الأزمة الحالية يتمثل في تحويل المخزون الموجود إلى إمدادات منتظمة تصل إلى محطات الوقود، مؤكداً أن وجود البنزين في المستودعات لا يحل المشكلة ما لم تتوفر القدرة على نقله وتوزيعه في الوقت والمكان المناسبين.

ويخلص إلى أن استمرار الطوابير ممكن حتى مع توفر كميات كافية من البنزين على المستوى الوطني، إذا لم تُصلح حلقات التخزين والنقل والتوزيع والتسعير مجتمعة، مشدداً على أن نتائج لجنة التحقيق ستكون ضرورية لتحديد أسباب الاختناق والمسؤولية عنه بدقة.

العربي الجديد- حسام رستم

Related Articles

Back to top button