أعلنت لجنة رسمية كلَّفتها السلطات السورية بالتحقيق في ملابسات وفاة شاب يعاني من مرض الهيموفيليا في مخفر للشرطة، إحالة أحد المحققين إلى القضاء، بعدما خلصت إلى أنه قام بصفع الموقوف خلال استجوابه.
وكانت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية (غرب) أوقفت، الأحد، سبعة من عناصر مخفر بلدة الحفة، بعد وفاة الموقوف محمد غميرة (29 عاماً).
ونعته وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بوصفه أحد كوادرها، مشيرة إلى أنه قضى «متأثراً بمضاعفات نزيف دماغي وفي جهازه الهضمي نتيجة تعرضه للضرب بعد توقيفه».
وأعلن اللواء أحمد لطوف، رئيس لجنة التحقيق ومعاون وزير الداخلية للشؤون الشرطية، «إحالة المحقق أحمد جواد إلى النيابة العامة في اللاذقية».
وأضاف في مؤتمر صحافي أن وزارة الداخلية كُلّفت «التوسع في التحقيق المسلكي» مع رئيس المخفر ومحقق آخر.
وخلصت اللجنة، استناداً إلى شهادات موقوفين من عناصر المخفر، إلى أن جواد أقدم على «صفع الموقوف» في أثناء التحقيق، رغم إبلاغه من رئيس المخفر «بوجود وضع صحي خاص بالموقوف».
وكان غميرة يعاني من مرض الهيموفيليا أو الناعور، وهو مرض يمنع الدم من التجلط بشكل سليم.
وأقرت اللجنة، بالنظر إلى خطورة الوضع الصحي لغميرة، «بحصول خطأ خلال التحقيقات معه»، وفق لطوف الذي أكد أنه «ستتم محاسبة هذا الخطأ الجسيم عن طريق القضاء».
من جهته، تعهد وزير الداخلية السوري أنس خطاب، في تغريدة على «إكس» بأن «أي مخالفة أو تجاوز من قبل عناصر وزارة الداخلية سيتم التعامل معه بحزم ضمن القوانين والإجراءات المتبعة»، مضيفاً أن «كل مخالف سينال جزاءه العادل».
ونعى وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح غميرة ووصفه بأنه «أخ وصديق وزميل»، مرفقاً بيانه بصورة للشاب وهو في زي الدفاع المدني.
وأضاف: «اليوم أوقفت عناصر المخفر المتهمين بضرب الفقيد محمد، وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم».
وتابع: «لقد ضحى السوريون طوال 14 عاماً حتى يصلوا إلى سوريا التي تصون كرامتهم وتحفظ إنسانيتهم»، مؤكداً أنه لن يكون هناك «إفلات من العقاب».
ووفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، توفي عدد من الأشخاص خلال وجودهم قيد الاحتجاز منذ تولي السلطة الجديدة الحكم.
وذكرت وسائل إعلام رسمية في يناير (كانون الثاني) 2025، أن معتقلاً توفي في مدينة حمص بوسط سوريا عقب «انتهاكات» ارتكبها عناصر أمن، حيث جرى اعتقالهم وإحالتهم إلى القضاء.
وأفادت اللجنة بأن تقرير الأطباء الذين عاينوا الجثة أكد «عدم وجود أي آثار لعنف أو تعذيب جسدي على جثة المتوفى»، وفق لطوف.
وتعهّد المحامي العام في محافظة اللاذقية أسامة شناق «بتسريع الإجراءات القانونية لينال عقابه العادل كل من يثبت تورطه بتقصير أو إهمال في وفاة غميرة».
وأثارت وفاته انتقادات واسعة، بعدما أعادت التذكير بمعاناة السوريين المريرة في مراكز الاحتجاز والمعتقلات خلال حقبة الحكم السابق.
وطالب ناشطون ومنظمات حقوقية بمحاسبة كل من يثبت تورطه، لا سيما بعد تقارير عن حالات وفاة موقوفين آخرين لدى أجهزة الأمن السورية.
واعتبر المحامي ميشال شماس، وهو عضو المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، أن «التناقض بين التقرير الطبي والأدلة والشهادات يفرض فتح تحقيق قضائي مستقل؛ لأن أي تقرير لا ينسجم مع الوقائع المادية والشهادات المباشرة يفقد قيمته القانونية»،
مشيراً إلى «المسؤولية في موت محمد غميرة تقع أولاً على قاضي النيابة العامة الذي قرر تحويل الشكوى إلى الشرطة وتمديد التوقيف لمدة 48 ساعة للتوسع في التحقيق بشكوى ما كان يجب أن تحال إلى محكمة بداية الجزاء أساساً».
وأضاف أن «لجنة وزارة الداخلية ليست جهة تحقيق قضائي، ولا تُعفي النيابة العامة من واجبها في التحرك الفوري عند وقوع جريمة داخل مكان الاحتجاز، فعند وقوع شبهة تعذيب داخل أحد مخافر الشرطة، فإن القاعدة القانونية تنص على أن (لا يجوز تكليف الشرطة أو أي ضابط تابع لوزارة الداخلية بالتحقيق في الجريمة، حتى لو كانوا ضباطاً كباراً)؛ لأن الجهة المتهمة لا يجوز أن تحقق بنفسها».
الإصلاح ضرورة
بعد وفاة المعتقل «محمد غميرة» الذي نقل إلى المستشفى عقب احتجازه لمدة ثلاثة أيام في مخفر بلدة الحفة بريف اللاذقية، شكلت وزارة الداخلية، لجنة تحقيقية مختصة بالبحث والتحقيق ومتابعة الملابسات والأسباب المحيطة بوفاة «غميرة»،
وتوقيف 7 عناصر على ذمة التحقيق، كانوا موجودين في قسم شرطة الحفة خلال فترة توقيفه، وذلك بعد الحملات الرقمية ودعوات السوريين لمحاسبة المتورطين من العناصر.
وأكد مستشار وزير الداخلية للشؤون القانونية وحقوق الإنسان، العميد سامر الحسين، أن «حقوق المواطنين مصونة ومحفوظة، وأن المحتجز أو نزيل السجن أمانة»،
وإشارته إلى «أن العقوبة تقيد الحرية لكنها لا تمس الكرامة»، وأن الوزارة «تعمل على بناء قدرات العناصر وتدريبهم بشكل دوري، بهدف بناء جهاز أمن داخلي يمارس مهامه وفق أعلى المعايير.
أما مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، فشدد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، على أن «التدريب (في الداخلية السورية)، على حقوق الإنسان ضروري، لكنه لا يكفي إذا ظل الاحتجاز غير مسجل والاستجواب غير موثق والرقابة غائبة، واستمر العنف بلا عواقب مهنية أو قضائية».
وبحسب عبد الغني، فإن الإصلاح يتطلب فرض احترام القانون كنظام عمل يومي، وذلك من خلال منع الاحتجاز غير المسجل، وإلزام التسجيل الفوري لكل حالة توقيف، وإبلاغ الموقوف بسبب توقيفه وحقوقه،
وتمكينه من الاتصال بمحامٍ وبأسرته دون تأخير، وعرضه سريعاً على قاضٍ مختص ومستقل، وتمكينه من الطعن في قانونية الاحتجاز.
ومن شروط التوقيف، «إجراء فحص طبي مهني عند الدخول والنقل والخروج، وعند ظهور أي إصابة أو ادعاء بالتعرض للعنف، وتوثيق الاستجوابات مرئياً وحفظها وضمان حضور المحامي منذ المراحل الأولى للاحتجاز بوصفه ضمانة وقائية أساسية بمواجهة الإكراه وسوء المعاملة، كذلك، إنشاء آلية سرية وآمنة للشكاوى، مع حماية المبلغين والشهود من الانتقام».
استقلالية لجان التحقيق
ويتفق كل من مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، وميشال شماس، على أهمية خطوة وزارة الداخلية في تشكيل لجنة تحقيق التي تعد «مفيدة وضرورية»،
إلا أنهما أكدا «عدم حصر التحقيق بوزارة الداخلية، أو أن تكون بديلاً عن القضاء، ولا ينبغي أن تكون الجهة الوحيدة التي تبت في اتهامات تمس منتسبي الوزارة نفسها».
كما يشير فضل عبد الغني إلى أن «مهلة 72 ساعة قد تكون مناسبة لاتخاذ التدابير الأولية، مثل حفظ الأدلة، وإبعاد المشتبه بهم، والاستماع العاجل للشهود، لكنها مدة غير كافية لإنجاز تحقيق كامل في وفاة يحتمل أن تكون غير مشروعة، بما يتطلبه ذلك من تشريح وتحليل طبي، ومراجعة للوثائق، واستجواب متقاطع للشهود».
ويرى أن الشراكة مع المنظمات الحقوقية والإنسانية المستقلة ضرورية، شريطة ألا تكون رمزية، ويمكن لهذه المؤسسات أن تسهم في «توثيق الشكاوى، وتدريب المحققين والأطباء الشرعيين، وتحليل الأنماط المتكررة، وتقديم الدعم القانوني والنفسي للأسر والضحايا، وتعزيز الثقة العامة».
الشرق الأوسط
