كيف يواجه تجار دمشق ضغوط السوق وتراجع القدرة الشرائية؟

تشهد الأسواق التجارية في دمشق تراجعاً في حركة البيع والشراء، وسط شكاوى التجار من انخفاض المبيعات وارتفاع تكاليف التشغيل والإيجارات، بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.

وتختلف انعكاسات هذه الظروف بين القطاعات التجارية، كما تتباين قدرة أصحاب المحال على مواجهة الأعباء تبعاً لطبيعة نشاطهم وما إذا كانوا يملكون محالهم أو يستأجرونها، فيما تطرح حالات الإغلاق تساؤلات عن أسبابها ومدى ارتباطها بتراجع الحركة التجارية.

وللوقوف على واقع العمل داخل هذه المحال، أجرت صحيفة “الثورة السورية” جولة ميدانية في الأسواق، التقت خلالها تجاراً من مهن مختلفة، عرضوا تفاصيل التغيرات التي طرأت على أعمالهم، والتحديات التي تواجههم في إدارة النفقات والحفاظ على استمرارية نشاطهم التجاري.

وانطلقت الجولة من منطقة الحريقة، إحدى أبرز مراكز تجارة الألبسة والأقمشة في دمشق، حيث استعرض أحد التجار المستأجرين الفوارق بين أوضاع المالك والمستأجر في ظل الظروف الحالية، فيما بدت حركة المارة محدودة أمام متجره.

يقول عدنان سلو، إن واقع السوق اليوم يفرض التمييز بين من يملك متجره ومن يدفع بدل إيجار مقطوع. ويوضح أنه استأجر محله منذ نحو ثلاث سنوات لممارسة نشاطه في تجارة الألبسة والأقمشة، ويخوض تجربته في السوق بما تنطوي عليه من تحديات.

ويضيف سلو بأن المعاناة الحقيقية تكمن في الالتزامات المالية الملقاة على عاتق المستأجرين، إذ يتوجب عليهم سداد بدل إيجار مرتفع في نهاية كل شهر أو سنة، ما يضاعف أعباء المصاريف عليهم مقارنة بمالك المتجر الذي لا يتحمل تكلفة الإيجار.

في المقابل، يقول مدحت نشواتي، أحد شيوخ الكار ومالك محل في السوق ذاته، إن شائعات إغلاق المحال وتوقف الحركة تتردد كثيراً، مؤكداً أن صاحب المحل لا يتخلى عن مصدر رزقه بسهولة. ويقدر أن نسبة المحال التي تغلق أبوابها تبقى قليلة حتى في أشد الظروف، مشيراً إلى أن التاجر قد يواصل العمل رغم الخسائر أو تراجع الأرباح.

ويضيف أن “عقيدة السوق” تقتضي إبقاء أبواب المحال مفتوحة، موضحاً أن المحال المغلقة التي قد تظهر خلال الجولة تعود إلى أسباب عائلية خاصة، مثل الخلافات بين الورثة، أو عجز أصحابها عن إدارة أعمالهم بسبب المرض أو التقدم في السن، وليست نتيجة إغلاقات جماعية ناجمة عن كساد السوق.

لا مؤشرات إلى إغلاق جماعي

ويرى رجل الأعمال ونائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق، أن المؤشرات الراهنة في السوق لا تدل على وجود حالات إغلاق جماعية للمحال التجارية، موضحاً أن ما يُتداول بهذا الشأن يقتصر على حالات فردية ترتبط بظروف شخصية، مثل وفاة أصحاب بعض المحال، أو عدم وجود ورثة قادرين على إدارتها، أو سفر أصحابها خارج البلاد.

ويشير الحلاق في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن بعض التجار يلجؤون إلى تجميد نشاطهم مؤقتاً تمهيداً لتغييره مستقبلاً، في محاولة لتجنب الأعباء الضريبية والمالية المرتفعة. ويؤكد أن هذه الحالات تبقى محدودة، ولا ترقى إلى مستوى ظاهرة جماعية في السوق.

وينتقل الحلاق إلى توصيف واقع الأسواق اليوم، مشيراً إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في حالة “الركود التضخمي” التي تضغط على الحركة التجارية وتدفعها نحو شبه الشلل، في ظل توافر البضائع والسلع بكميات كبيرة على الرفوف، مقابل ارتفاع أسعارها إلى مستويات تتجاوز القدرة الشرائية للمواطنين، وتراجع قدرتها على التصريف.

ويتفق الحاج سعيد قصيباتي، صاحب محل عطارة في سوق مدحت باشا الأثري، مع هذا التوصيف، قائلاً: إن ما تشهده الأسواق اليوم هو “الركود التضخمي”، إذ تتوفر البضائع وتتكدس على الرفوف، في مقابل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ويعزو قصيباتي تفاقم الضغوط إلى ارتفاع حصة النفقات الثابتة من الإيرادات مع تراجع المبيعات، فبعد أن كان يبيع ألف عبوة من الزيوت والمواد المختلفة، كانت المصاريف تتوزع على حجم مبيعات أكبر، أما اليوم، مع انخفاض المبيعات إلى النصف وارتفاع تكاليف تشغيل المحل، فقد اضطر إلى رفع هامش ربحه على القطعة الواحدة من 20 ليرة إلى 50 أو 60 ليرة، لتغطية المصاريف الأساسية، ما يضيف عبئاً جديداً على حركة السوق.

ويؤكد محمد علي، بائع في محل للمواد الغذائية والأجبان، أن البضائع متوفرة بكميات كبيرة، إذ تمتلئ الرفوف بالسكر والزيت والأرز والأجبان، فيما تكاد الحركة التجارية تتوقف بفعل ضعف القدرة الشرائية. ويوضح أن الزبون الذي كان يشتري كيلوغراماً أو اثنين من المادة، بات يطلبها بالغرامات أو “بالقطعة”، بما يكفي لتلبية احتياجات يومه.

ويضيف أن تراجع المبيعات يفاقم الضغوط الناجمة عن المصاريف الثابتة، إذ يضطر إلى تشغيل المولدات لضمان تبريد الأجبان والألبان وحمايتها من التلف، إلى جانب تسديد رسوم الخدمات والضرائب المرتفعة. ومع انخفاض تصريف البضائع، ترتفع حصة التكاليف التشغيلية من تكلفة كل مادة، ما يدفعه إلى زيادة هوامش ربحه المحدودة لتغطية هذه الأعباء ومواصلة العمل وفتح أبواب المحل.

ويوضح الحلاق أن ما يجري خلف كواليس هذا المشهد يرتبط بمعادلة حسابية صعبة فرضت نفسها على أصحاب المتاجر؛ فانخفاض حجم المبيعات إلى النصف، مع ثبات المصاريف التشغيلية أو ارتفاعها، بما فيها تكاليف مصادر الطاقة البديلة، يؤدي إلى زيادة حصة النفقات من تكلفة كل قطعة مبيعة، ما يدفع التاجر إلى رفع هامش ربحه على السلعة الواحدة أضعافاً، لتغطية النفقات الإدارية الأساسية وضمان استمرارية عمله. ويرى أن هذه المعادلة تفسر التزامن بين ارتفاع الأسعار وركود الأسواق.

وأمام هذا التراجع الحاد في المبيعات، يشير الحلاق إلى لجوء التجار إلى إجراءات تقشفية متدرجة، تبدأ بالاستغناء عن العمالة المساعدة، بمن فيهم الشباب الذين أمضوا فترات طويلة في العمل، بهدف تقليص فاتورة الرواتب، لا سيما في المتاجر الصغيرة. وتمتد هذه الإجراءات إلى المصاريف اليومية، عبر الحد من استخدام الإنارة غير الضرورية وتقليص نفقات الضيافة، مثل الشاي والقهوة، وهي ممارسات باتت ملحوظة في الأسواق خلال الفترة الأخيرة.

وعندما تعجز بعض المتاجر عن تحقيق إيرادات كافية لأصحابها، يبرز تأجيرها للغير خياراً للحفاظ على استثمار الموقع واستمرارية نشاطه التجاري، إذ يتولى مستثمرون جدد تشغيلها بموجب عقود تمتد لسنوات.

غير أن ارتفاع بدلات الإيجار والنفقات التشغيلية، إلى جانب ضعف الميزة التنافسية في مراكز المدن الحيوية، مثل الحريقة والصالحية، قد يدفع هؤلاء المستأجرين إلى إغلاق متاجرهم بعد فترة، عندما تصبح الإيرادات غير كافية لتغطية المصاريف. ويدفع ذلك بعضهم إلى الانتقال نحو مكاتب أو مناطق طرفية، بحثاً عن تكاليف أقل تتيح لهم تحقيق توازن مالي والحد من الخسائر.

ويشدد الحلاق على أن خيار الإغلاق الجماعي الاحتجاجي للضغط من أجل تنشيط الأسواق غير مطروح، ولا يراه مجدياً، لأن الحكومة لا تملك حلولاً آنية وسحرية، مثل رفع الدخل فوراً، مؤكداً أن الهدف المستدام لأي سياسة اقتصادية يجب أن يكون إنعاش الأسواق وضمان قدرة الإنتاج والتوظيف من خلال خلق قوة شرائية حقيقية.

ويحذر من أن الإغلاق قد يرتد سلباً على التجار أنفسهم، موضحاً أن توقف العمل أسبوعين في سوق تاريخية مثل “مدحت باشا” قد يؤدي إلى فقدان جزء من زبائنه، مع توجههم سريعاً نحو بدائل أخرى، مثل مراكز التسوق الحديثة.

معادلة السوق

وفي سوق الصاغة، يقول خالد الشيباني، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إن طبيعة العمل في تجارة الذهب تضع التجار أمام حسابات مختلفة، ترتبط بتقلبات الأسعار صعوداً وهبوطاً، إلى جانب المخاطر اليومية المرتبطة بالمهنة.

وترتبط هوامش الربح في تجارة الذهب بمستوى المخاطر التي يتحملها التاجر، إذ يوضح الشيباني أن طبيعة المهنة لا تسمح بالاكتفاء بعائد محدود أو مماثل للفوائد المصرفية، في ظل احتمالات التعرض لسرقة أو فقدان قطعة أو وقوع حوادث طارئة.

ويشير إلى أن ارتفاع هذه المخاطر يدفع تجار الذهب إلى استهداف هوامش ربح أكبر، بما يتيح تكوين احتياطي مالي يساعدهم على امتصاص الخسائر غير المتوقعة.

من جهته، يشير عصام السيد علي، تاجر منظفات، إلى أن دخول المنتجات المستوردة إلى السوق يفرض تحديات إضافية على المنتج المحلي، مشيراً إلى أن بعض المستهلكين يفضلون البضائع الأجنبية لمجرد وجود فروق سعرية محدودة.

ويضيف أن سياسته في التعامل مع الزبائن تقوم على تشجيعهم على اختيار المنتج المحلي متى توفرت فيه الجودة والمواصفات والنكهة نفسها، حتى لو زاد سعره بنسبة 5 أو 10 بالمئة، معتبراً ذلك مسؤولية أخلاقية واقتصادية.

ويلفت إلى أن شراء الصابون المحلي، على سبيل المثال، يتجاوز اقتناء السلعة بحد ذاتها، إذ يسهم في توفير فرصة عمل لشاب، واستمرار تشغيل مصنع محلي، ودعم حلقات التوزيع، بما يعزز ترابط مراحل الإنتاج والتسويق داخل البلاد.

وفي هذا السياق، يرى الحلاق أن نقطة التعادل تختلف باختلاف طبيعة النشاط التجاري، ولا تمثل رقماً ثابتاً يمكن تعميمه على جميع المشاريع، إذ ترتبط جدوى أي مشروع بقدرته على تحقيق عوائد تتجاوز إجمالي تكاليفه، بما فيها تكلفة رأس المال البشري والمخاطر التشغيلية.

ويشير إلى أن لكل منشأة هيكل تكاليف وترتيبات تشغيلية وزمنية خاصة؛ فمصنع الصابون يختلف في هيكل تكاليفه عن محطة توليد الكهرباء أو المنشآت الموسمية، ما يجعل تحديد نقطة تعادل موحدة لجميع الأنشطة أمراً غير ممكن.

ويوضح أن الحد الأدنى لجدوى المشروع يُقاس بقدرته على تحقيق عائد يتجاوز العائد البديل الذي يمكن أن يوفره توظيف رأس المال في البنوك، أي تكلفة رأس المال المالي، مضافاً إليه “تكلفة رأس المال البشري”، التي تمثل القيمة المالية لجهد المستثمر ووقته مقارنة بما يمكن أن يحصل عليه مقابل عمله في سوق الوظائف، فضلاً عن “تكلفة مخاطر العمل”، التي ترتبط بحجم التهديدات التشغيلية المحتملة في كل قطاع، مثل صناعة الذهب والمجوهرات.

وعلى صعيد السلوك الاستهلاكي، يشدد الحلاق على أهمية دعم المنتج الوطني من خلال تبني سياسة استهلاكية واعية، بالتوازي مع رفع معايير الجودة في المنتجات المحلية.

ويرى أن تفضيل السلع المحلية، حتى مع وجود فروق سعرية محدودة لمصلحة المنتج الأجنبي، يمثل مسؤولية تنموية وأخلاقية تسهم في توفير فرص العمل واستمرار عمل الصناعيين، وتحريك عجلة الإنتاج والتوزيع، بما ينعكس على الإيرادات الضريبية والرفاه الاجتماعي، شريطة التزام المصانع الوطنية بتقديم منتجات عالية الجودة قادرة على المنافسة.

أزمة تدفقات نقدية

وفي قراءة اقتصادية لواقع الأسواق، يرى الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد برهان، أن النشاط التجاري يواجه أزمة تدفقات نقدية وضعفاً في الطلب، بالتوازي مع إعادة تموضع جزئية في السوق، في مشهد لا يصل إلى حد الانهيار الشامل أو إعادة الهيكلة الكاملة لمصلحة كبار التجار.

ويعزو برهان جذور المشكلة إلى ضعف النظام المصرفي، الذي وصفه صندوق النقد الدولي بأنه “مختل بشدة”، إلى جانب تجدد الضغوط التضخمية وتآكل دخل الأسر، فضلاً عن الانفتاح التجاري السريع الذي أثر في الورشات المحلية، المثقلة بارتفاع تكاليف الطاقة.

ويلفت برهان إلى مفارقة بين مؤشرات النمو وواقع الأسواق خلال عام 2026؛ فعلى الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي بنمو يدعمه أداء قطاعات الزراعة والطاقة والكهرباء، تتركز عوائده في قطاعات لا تنعكس بصورة مباشرة على دخل المستهلكين. ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه معدلات الفقر مرتفعة، إذ تبلغ 47 بالمئة بحسب البنك الدولي، بينما تتأثر الأسعار بارتفاع تكاليف الوقود والغذاء المستوردين والمرافق والسكن.

ويفسر برهان لجوء بعض أصحاب المحال إلى “التجميد المؤقت” لنشاطهم بأنه سلوك تجاري يهدف إلى حماية رأس المال عندما يصبح سعر بيع السلع أقل من تكلفة إعادة شرائها، مشيراً إلى أن هذا الخيار يرتبط بحسابات اقتصادية ولا يعكس بالضرورة حالة من اليأس.

لكنه ينطوي على مخاطر تتصل بتقادم المخزون واستمرار أعباء الإيجار، ما يضع المحال الصغيرة أمام ضغوط مزدوجة تتمثل في ضعف الطلب وارتفاع التكاليف، مقارنة بالشركات الكبيرة الأكثر قدرة على تحمل الخسائر والاحتفاظ بمخزونها لفترات أطول.

خارطة الحلول والأولويات

ولمعالجة الاختلالات التي تواجه الأسواق، يطرح الخبير برهان حزمة من الحلول الاستراتيجية، واضعاً إصلاح النظام المصرفي في مقدمة الأولويات، باعتباره أساساً لأي معالجة اقتصادية مستدامة. ويشمل ذلك إعداد قانون جديد للمصارف والمصرف المركزي، وإجراء تقييم شامل لسلامة القطاع المصرفي، إلى جانب وضع إطار فاعل لمكافحة غسل الأموال.

ويقترح بالتوازي إطلاق منظومة مدفوعات إلكترونية فورية، بما يسهم في خفض تكلفة التعاملات النقدية وتسريع الدورة التجارية، إلى جانب توفير طاقة صناعية بأسعار تنافسية، عبر خفض تكلفة الكهرباء على الورشات المحلية، بدلاً من الاكتفاء بزيادة الرسوم على المستوردات.

كما يدعو برهان إلى اعتماد حماية انتقائية ومؤقتة لقطاعات محددة، مثل المنسوجات، وفق جدول زمني واضح، بالتوازي مع خفض تكاليف التشغيل وتقديم إعفاءات جمركية وضريبية على المواد الأساسية.

ويشدد على أهمية إتاحة مرونة تنظيمية في تحديد ساعات العمل وفق طبيعة المنطقة والموسم، واعتماد هوامش ربح استرشادية بدلاً من التسعير الجامد الذي قد يضطر التجار إلى البيع بخسارة، فضلاً عن تقسيط الضرائب المستحقة على المحال الصغيرة.

وحول سياسة الدخل، يرى برهان أن رفع الأجور من دون زيادة الإنتاجية قد يؤدي إلى تغذية التضخم، داعياً إلى تفعيل برامج التشغيل والتمويل متناهي الصغر، وتوجيه الدعم نحو الفئات الأضعف، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات حازمة لمكافحة الإغراق والتهريب، بما يحمي المستهلكين ذوي الدخل المحدود ويساعد على ضبط الأسواق.

أما في ما يتعلق بتنظيم العمل في الأسواق، فينتقد الحلاق تأخر مواعيد افتتاح المحال التجارية، داعياً إلى اعتماد دوام يبدأ من الثامنة صباحاً وينتهي عند السادسة مساءً، بدلاً من فتح المحال عند الحادية عشرة صباحاً والاستمرار حتى ساعات متأخرة من الليل. ويرى أن هذا التغيير من شأنه استثمار ساعات النهار ورفع كفاءة الأداء والإنتاجية، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

ويدعو الحلاق الحكومة إلى تحديد ساعات إغلاق واضحة وملزمة للأنشطة الاقتصادية، مع استثناء القطاعات التي تفرض طبيعة عملها أوقاتاً مختلفة، مثل المناطق السياحية والفنادق والمطاعم الحيوية، على ألا يتجاوز موعد إغلاق مطابخها منتصف الليل. وينتقد استجابة الحكومة المتكررة لمطالب أصحاب المحال بالإبقاء على ساعات العمل المتأخرة، معتبراً أنها تكرّس خللاً تنظيمياً.

ويستند الحلاق في طرحه إلى تجربة الإغلاق خلال جائحة كورونا، قائلاً إن المبيعات الإجمالية لم تتراجع حينها، وفق ما لمسه التجار والمستهلكون، لأن الزبائن يقصدون الأسواق لشراء احتياجاتهم الأساسية بصرف النظر عن توقيت الإغلاق.

ويضيف أن تقليص الدوام أسهم في تنظيم العمل وحصره بثماني ساعات فعلية، بدلاً من امتداده إلى 12 ساعة تتخللها فترات غير منتجة، مثل تصفح الهواتف والتدخين، فضلاً عن إتاحة وقت أكبر للعاملين لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الاجتماعية.

سيناريوهان للمستقبل

ويؤكد برهان أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل أولوية تتقدم على دعم المشروعات الأكبر، نظراً إلى أنها تشكل ما بين 80 و85 بالمئة من المشاريع السورية، وتستوعب معظم القوى العاملة، كما أن قصر دورة رأسمالها يجعل أثر تمويلها على دخل الأسر والطلب أسرع من أثر مشروعات البنية التحتية الكبرى، كالطرق والموانئ، التي تحتاج إلى سنوات قبل أن يلمس المواطن نتائجها.

ويرى أن خطة التمويل الأصغر لعام 2026، رغم تخصيصها جزءاً معتبراً للمشروعات الصغيرة، لا تزال عاجزة عن تلبية احتياجاتها، في ظل معاناتها من شح السيولة وارتفاع تكاليف التشغيل. ويشير ذلك، بحسب تقديره، إلى أن التحدي يرتبط بحجم التمويل وسرعة وصوله ومدى ارتباطه بالاحتياجات الفعلية للمشروعات.

ويطرح برهان سيناريوهين محتملين لمسار الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة؛ أولهما تعافٍ تدريجي يبدأ عام 2027، يتباطأ خلاله التضخم ويستقر السوق مع خروج المحال الأضعف، شريطة نجاح إصلاح القطاع المصرفي وضبط السياسات الاقتصادية. أما الثاني، فيتمثل في استمرار الركود التضخمي وتعميق تركز السوق لمصلحة السلاسل التجارية الكبرى، واتجاه مزيد من الأنشطة نحو اقتصاد الظل في حال تعثر الإصلاحات.

ويشدد برهان على أن الحوكمة تمثل شرطاً أساسياً لنجاح الحلول الاقتصادية، محذراً من أن غيابها قد يحوّل أدوات الائتمان والحماية ودعم الطاقة إلى موارد تُوزع بالقرب من مراكز القرار، بما يفرغ معايير العدالة من مضمونها ويصب في مصلحة الجهات الأكثر نفوذاً.

ويرى برهان أن ذلك يتطلب إعلان معايير الإقراض وقياس نتائجها بالأرقام، لضمان وصول التمويل إلى الفئات الأكثر احتياجاً، إلى جانب تحويل الحماية الانتقائية والإعفاءات الضريبية إلى أطر عامة تطبق على الجميع وفق الشروط ذاتها، بما يمنع نشوء اقتصاد الريع.

ويستدعي هذا التحول الهيكلي، بحسب برهان، تفعيل الرقابة المستقلة، وتوفير حماية قانونية للمبلغين عن المخالفات، وإجراء مناقصات علنية تستند إلى معايير منشورة وتكفل حق الطعن، فضلاً عن الإفصاح عن ملكية كبار المسؤولين، ومنع الجمع بين المنصب العام وعقود الدولة.

كما يدعو إلى تأسيس سلطة مستقلة للمنافسة تتولى منع الاحتكار وحماية المحال الصغيرة من التسعير التفضيلي، ونشر مؤشرات دورية دقيقة، تشمل نسبة المشروعات الصغيرة من إجمالي التمويل، ومتوسط مدة التراخيص، وأعداد المحال المسجلة والمغلقة، بما ينقل النقاش العام من الاتهامات المرسلة إلى الاستناد إلى بيانات قابلة للقياس.

ويشير برهان إلى أهمية ربط التمويل الدولي بالالتزام بهذه المعايير، باعتباره أداة ضغط مشروعة تسهم في خفض تكلفة المخاطر على المستثمرين وتعزيز تكافؤ الفرص، بما يشجع عودة الاستثمارات إلى القطاعات الإنتاجية، ويحول الحلول المطروحة من نصوص نظرية إلى نتائج ملموسة تنعكس على القدرة الشرائية للمستهلك السوري.

الثورة السورية – مجد عبيسي

↑
Exit mobile version