
لم يكن إعلان استبدال العملة وإطلاق الليرة السورية الجديدة، مع حذف صفرين من قيمتها، حدثاً عابراً في سوريا، بل خطوة تمس تفاصيل حياة الناس اليومية،
وسط تساؤلات عمّا سيتغير فعلياً، ومخاوف من انعكاساتها على الأسواق، إضافة إلى القلق المتعلق بالديون المؤجلة والمدخرات والعقود والمهور.
وفي خضم هذا الجدل، جاء بيان مجلس الإفتاء الأعلى ليضع الإجراء في إطاره الصحيح، باعتباره خطوة تنظيمية تهدف إلى تنظيم الشأن النقدي وتحقيق المصلحة العامة، دون أي مساس بالحقوق أو تغيير في قيم الالتزامات المالية،
إذ أكد المجلس أن حذف الصفرين إجراء تنظيمي وإداري بحت لا يترتب عليه أي تغيير في القيم الحقيقية، مشدداً على أن الديون والعقود والمهور وسائر الالتزامات المالية تبقى محفوظة ومعتبرة شرعاً، على أن تُحوَّل حسابياً إلى العملة الجديدة بالقيمة المكافئة دون زيادة أو نقصان.
وأوضح المجلس أن عملية تبديل العملة تتم عبر تسليم العملة القديمة، واستلام القيمة المكافئة بالعملة الجديدة يداً بيد، دون تأجيل أو زيادة، فيما تنعكس القيم الجديدة تلقائياً على الحسابات البنكية بالقيمة نفسها، كما شدد على تحريم استغلال عملية الاستبدال للإضرار بالناس، سواء عبر رفع الأسعار أو الانتقاص من الحقوق.
وتكمن أهمية هذا الموقف في وظيفته الاجتماعية، في ظل احتمال استغلال مخاوف المواطنين من طرح العملة الجديدة وعدم إلمامهم الكامل بتفاصيلها، إذ حرّم المجلس هذا الاستغلال لما فيه من ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل”، مؤكداً أن استقرار المعاملات المالية يُعد مقصداً شرعياً أساسياً ينبغي الحفاظ عليه.
الأرقام تتغير والالتزامات ثابتة
أوضح الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر في حديث لـ«الثورة السورية» أن حذف الأصفار من الليرة السورية يُعدّ تعديلاً رقمياً يهدف إلى إعادة ترتيب النظام النقدي وتسهيل التعاملات اليومية، بما يمنح المواطنين تحكماً أكبر في أموالهم،
مشيراً إلى أن تبسيط الأرقام يحدّ من الفوضى في المعاملات النقدية، ولا سيما عند دفع الرواتب أو إجراء التسويات المالية الصغيرة، إذ إن الأرقام الأقل تعطي صورة أوضح للمعاملات اليومية، وتخفف من الأخطاء الحسابية، ما يسهم في تعزيز الانضباط المالي لدى الأفراد والمؤسسات.
وأوضح السيد عمر أن الأثر الاقتصادي الحقيقي لهذه الخطوة يرتبط بثقة المواطن بقوته الشرائية، مؤكداً أن حذف الأصفار لا يعني تلقائياً انخفاض الأسعار أو تحسناً في القدرة الشرائية، ما لم يرافقه اتخاذ إجراءات أوسع، تشمل دعم الإنتاج المحلي، ومراقبة معدلات التضخم، وتنظيم السيولة في الأسواق.
وفي هذا السياق، حذّر من احتمال استغلال بعض التجار لهذا التغيير الرمزي لإعادة تسعير المنتجات بطريقة تؤدي إلى زيادات فعلية في الأسعار، ما يجعل الدور الرقابي للجهات الرسمية أمراً محورياً، من خلال متابعة الأسعار في الأسواق،
ومراقبة العقود التجارية، وضمان الالتزام بالقوانين لمنع أي تشوهات سعرية، كما شدد على أهمية توعية المواطنين بكيفية قراءة الأسعار الجديدة، والتأكد من أن القيمة الفعلية للسلع لم تتغير، بما يحدّ من فرص الاستغلال خلال هذه المرحلة.
وفيما يخص المدخرات والديون والرواتب، أكد السيد عمر أن قيمتها الحقيقية تبقى كما هي، إذ لا يؤثر حذف الأصفار في حجم الأموال الفعلية، بل يغيّر طريقة تمثيلها رقمياً فقط، لافتاً إلى أن الديون والأقساط ستبقى بالقيمة نفسها، ولن يتغير المبلغ الذي يدفعه المواطن، ما يحافظ على استقرار الالتزامات المالية،
وأضاف إنه من المتوقع تعديل الأسعار الحالية في المحال والعقود بشكل تدريجي لمواكبة النظام النقدي الجديد، مع الحفاظ على القيمة الحقيقية للمنتجات والخدمات.
مصير المدخرات بعد استبدال العملة
ذكر الباحث الاقتصادي، عبد العظيم المغربل، أن حذف الأصفار يُعدّ إجراءً شكلياً محاسبياً بحد ذاته، ولا يؤدي إلى تغيير القوة الشرائية للمواطنين إذا جرى تطبيقه بشكل متوازن، مشدداً على أن القوة الشرائية ترتبط أساساً بمعدلات التضخم ومستوى الدخل الحقيقي، لا بعدد الأصفار على العملة.
وفيما يتعلق بتأثير استبدال العملة على الأسعار، أوضح المغربل في حديث لصحيفة الثورة السورية أنه من الناحية النظرية لا يوجد تأثير مباشر، إذ يُفترض تحويل الأسعار رقمياً بالنسبة نفسها، إلا أن اختلالات مؤقتة قد تظهر عملياً نتيجة سوء التطبيق أو محاولات الاستغلال.
وحول أثر هذا الإجراء على المدخرات والرواتب، أكد المغربل أن جميعها تُحوَّل بالقيمة نفسها دون خسارة أو ربح، لافتاً إلى أن الأثر الحقيقي مرتبط بمدى استقرار الأسعار بعد التنفيذ وليس بالتغيير الاسمي للأرقام.
إلا أنه حذّر من مخاطر محتملة قد ترافق استبدال العملة، أبرزها التقريب للأعلى أو التلاعب بعمليات التحويل، ولا سيما في السلع اليومية، معتبراً أن ضعف الرقابة قد يفتح المجال لتمرير زيادات غير مبررة على حساب المستهلك.
وأكد المغربل أن دور الجهات الرقابية في هذه المرحلة محوري وحاسم، ويتمثل في تسعير واضح ومعلن، ومتابعة ميدانية صارمة، وفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين، إلى جانب اعتماد الشفافية والتواصل مع المواطنين كعنصر أساسي لضمان نجاح العملية.
وفي رده على تساؤلات المواطنين بشأن مصير أموالهم، شدد على أن القيمة الحقيقية للأموال لا تنقص إذا جرى التحويل بشكل صحيح، موضحاً أن التغيير يطال الشكل العددي فقط دون المساس بالقوة الشرائية، وأن الديون والأقساط تبقى بقيمتها الحقيقية نفسها، وأي زيادة فعلية تُعد مخالفة قانونية صريحة.
ولم يستبعد المغربل احتمال ارتفاع الأسعار على المدى القصير في حال غابت الرقابة أو ساد الارتباك في التطبيق، إلا أنه شدد على أن القرار بحدّ ذاته لا يفرض تضخماً تلقائياً، مؤكداً على أن منع استغلال التجار لهذا الإجراء يتطلب رقابة صارمة، ونشر جداول تحويل رسمية، وتفعيل قنوات الشكاوى،
كما أشار إلى أن وعي المستهلك يبقى عاملاً مكملاً لا يقلّ أهمية، مع ضرورة إعادة تدوين الأسعار في المحال والعقود بالقيم الجديدة وفق سعر التحويل الرسمي، مع بقاء العقود سارية قانونياً وتعديل القيمة الاسمية فقط دون أي تغيير جوهري.
الديون والمهور بعد استبدال العملة
في الجانب الفقهي والشرعي، أوضح الباحث في الفقه الإسلامي، الدكتور محمد نور حمدان، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن الإجراء الذي اتخذته الحكومة بشأن استبدال العملة يُعد إجراءً إدارياً بحتاً، يتمثل في حذف الأصفار مع الإبقاء على القيمة المكافئة، ولا يُعد تغييراً في قيمة المال.
وبيّن أن حذف صفرين من فئة 100 ألف ليرة سورية لتصبح ألف ليرة لا يعني تغير القيمة، إذ تبقى القوة الشرائية على حالها، مشيراً إلى أن الهدف من هذا الإجراء هو التخفيف من حجم الكتلة النقدية المتداولة، بحيث يحمل المواطن مبالغ أقل رقماً بالقيمة نفسها، فبدل حمل مليون ليرة يصبح الحمل 10 آلاف ليرة، وبدل 100 ألف ليرة تصبح ألف ليرة بعد حذف صفرين.
كما أكد حمدان أن الديون والالتزامات المالية تبقى ثابتة بالقيمة، موضحاً أن الدين الذي كان مقداره 100 ألف ليرة يُعاد تسميته رقمياً ليصبح 10 آلاف أو ألف ليرة بالقيمة نفسها، وأن التغيير يطال الرقم لا القيمة،
مضيفاً أن معظم التعاملات في سوريا تتم عملياً بالدولار أو الذهب لكونهما أكثر ثباتاً، فمثلاً إذا كانت 100 ألف ليرة تعادل 10 دولارات، فإن 10 آلاف ليرة بعد الاستبدال ستبقى تعادل 10 دولارات، وبالتالي لا يوجد أي تغير حقيقي في القيمة.
وشدد على أنه لا يجوز شرعاً للدائن أو التاجر المطالبة بأي زيادة بحجة تغيير العملة، لأن هذا التغيير إداري لا يمس القيمة، وأي مطالبة بزيادة تُعد مخالفة شرعية، لافتاً إلى أن تقدير القيم بالدولار أو الذهب يُعدّ حلاً مشروعاً لحفظ الحقوق ما دامت القيمة ثابتة.
وبيّن حمدان أن الاستغلال محرم في الشريعة الإسلامية، مستشهداً بقول النبي محمد ﷺ: “لا ضرر ولا ضرار”، مؤكداً ضرورة التزام التجار والمتعاملين بالضوابط الأخلاقية وعدم استغلال استبدال العملة لتبرير الربا.
وأوضح أن القروض التي تؤدي إلى زيادات تُعدّ أموالاً ربوية محرمة، كما لا يجوز بيع العملة الواحدة بزيادة بحجة أنها قديمة أو جديدة، مثل بيع 100 ليرة قديمة مقابل 1000 ليرة جديدة، أو بيع 10 آلاف ليرة قديمة مقابل 5 آلاف أو ألفي ليرة جديدة،
معتبراً ذلك ربا صريحاً، مشيراً إلى أن الصرف الشرعي يكون بين عملتين مختلفتين، كالدولار مع الليرة السورية أو الليرة التركية مع السورية، أما التفاضل بين العملة الواحدة بحجة القديمة والجديدة فهو محرم.
وأكد أن استبدال العملة يجب أن يتم يداً بيد ومن خلال الدولة فقط، حيث يجوز استبدال مليون ليرة بـ10 آلاف ليرة عبر الجهات الرسمية، بينما لا يجوز الاستبدال بين الناس في السوق السوداء لأنه بيع ربوي تتغير فيه القيم،
كما شدد على عدم جواز تأجيل تسليم العملة الجديدة مقابل القديمة، لأن المال من جنس واحد ويشترط فيه التساوي والتقابض الفوري.
وفيما يتعلق بالأجور والرواتب، أكد حمدان أن القيم يجب أن تبقى كما هي، ولا يجوز تخفيض الأجور أو الرواتب بحجة حذف الأصفار، لأن ذلك يُعد نقصاً في المال المتفق عليه بين الطرفين، وينسحب الأمر ذاته على رواتب الدولة التي لا يجوز التلاعب بها، لكون الاتفاق قائماً على قيمة محددة يجب الحفاظ عليها،
مشيراً إلى أن معرفة القيم الحقيقية تتم عملياً من خلال مقاربتها بالدولار أو الذهب، وهو الأسلوب المتبع في الأسواق لقياس الأسعار والأجور، مستشهداً بتجربة تركيا، حيث تغيرت صورة العملة بفعل التضخم، بينما بقيت القيم محفوظة عبر تعديل الأجور بما يتناسب مع القوة الشرائية.
الاستبدال النقدي في ميزان الشريعة
تطرق حمدان إلى الخلفية الفقهية للموضوع، موضحاً أن الفقه الإسلامي اعتمد تاريخياً الذهب والفضة كقيم ثابتة، وكان الدينار والدرهم أساس التعامل، ثم أُلحقَت الأوراق النقدية بأحكام الذهب والفضة باعتبارها وسيطاً للتبادل، مؤكداً أن قياس القيم بالذهب أو بعملة مستقرة كالدولار هو الأسلم لحفظ الحقوق في ظلّ تقلبات العملات.
كما أشار إلى أن فتوى مجلس الإفتاء الأعلى بشأن استبدال العملة، بينت الضوابط الأخلاقية والقيمية، وأكدت أن الاستبدال إجراء إداري لا يدعو للقلق، مع التشديد على ضرورة ضبط الأسواق ومنع التلاعب، ولا سيما في ما يتعلق بالأجور والرواتب.
وأكد حمدان أن استقرار المعاملات المالية يُعد مقصداً أساسياً من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن حفظ المال هو المقصد الخامس، مشيراً إلى أن الشريعة أولت اهتماماً كبيراً بتنظيم المعاملات المالية وأحكام الصرف ومنع الربا، وربطت ذلك بضوابط أخلاقية واضحة، مثل تحريم الغش وأكل أموال الناس بالباطل.
وأوضح أن الفقهاء ناقشوا قديماً مسألة تغير قيمة العملات وأثرها على الديون والالتزامات، لا سيما في حال فقدت العملة جزءاً كبيراً من قيمتها، إلا أن تلك التغيرات كانت محدودة بسبب اعتماد الذهب والفضة،
معتبراً أن الأنسب في حالات التغير الكبير بالقيمة، كما حصل في سوريا، هو التصالح بين الأطراف بحيث يتحمل كل طرف جزءاً من الخسارة، كما أكد على أن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الشارع هي أن استبدال العملة إجراء إداري لا علاقة له بتغيير القيم، وأن القوة الشرائية تبقى ثابتة.
خلاصة القول، إن استبدال العملة وإطلاق الليرة السورية الجديدة، مع حذف صفرين من قيمتها، يُعد إجراءً تنظيمياً وإدارياً يهدف إلى تسهيل التعاملات النقدية وإعادة ترتيب النظام المالي، دون أي مساس بالقيم الحقيقية للأموال أو الحقوق القائمة،
فقد أجمع كل من مجلس الإفتاء الأعلى والباحثين الاقتصاديين والفقهيين على أن الديون والعقود والمهور والمدخرات والرواتب تبقى ثابتة بالقيمة نفسها، ويقتصر التغيير على الشكل الرقمي فقط، فيما لا يترتب على حذف الأصفار أي تحسن تلقائي في القوة الشرائية أو انخفاض في الأسعار ما لم ترافقه سياسات اقتصادية داعمة ورقابة صارمة.
في المقابل، يتطلب نجاح عملية استبدال العملة دوراً رقابياً فاعلاً يمنع الاستغلال السعري والتلاعب، ويعتمد نشر جداول تحويل واضحة، وتكثيف توعية المواطنين بحقوقهم، إلى جانب الالتزام بالضوابط القانونية والشرعية التي تحرّم أي زيادة أو انتقاص بحجة تغيير العملة،
كما يؤكد البعد الفقهي أن حفظ المال واستقرار المعاملات يُعدان مقصداً شرعياً أساسياً، وأن استبدال العملة إجراء إداري لا يبرر الغش أو الربا أو الإضرار بالناس، لتبقى الرسالة الأهم الموجهة إلى الشارع أن الأرقام قد تتغير، لكن القيم والحقوق تبقى ثابتة.
الثورة السورية – رغد خضور














