اقتصاد

كيف تستعيد صناعة النسيج في سوريا قدرتها التنافسية؟

تمر صناعة النسيج في مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التحديات الإنتاجية والاقتصادية مع محاولات البحث عن حلول عملية لإعادة تنشيط القطاع واستعادة دوره في الاقتصاد الوطني.

وبين ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع بعض حلقات السلسلة الصناعية، تتزايد الدعوات لاعتماد سياسات أكثر تخصصاً وتكاملاً، إلى جانب تفعيل مبادرات الدعم والتدريب، بما يسهم في تعزيز قدرة هذا القطاع على الصمود واستعادة حضوره في السوقين المحلي والخارجي.

الاستمرار أم التوقف

يبلغ عدد المنشآت الصناعية النسيجية العاملة 5,913 والمتوقفة 5,973، وتتركز النسبة الأكبر في حلب بواقع 3,174 منشأة عاملة، و3,154 متوقفة، تليها دمشق 1,441 منشأة عاملة، و563 متوقفة.

أما المنشآت الحرفية النسيجية فيبلغ عدد العاملة منها 7,921 مقابل 4,519 متوقفة، وتتصدر دمشق عدد المنشآت الحرفية العاملة 2,916 مقابل 200 متوقفة، تليها حلب 2,957 منشأة عاملة، و2,392 متوقفة.

وأكد عضو غرفة صناعة دمشق وريفها ورئيس القطاع النسيجي بالغرفة نور الدين سمحا، أن الصورة الحالية لمعامل النسيج في مدن مثل حلب ودمشق لم تعد تعكس مجد الماضي، إذ تعاني العديد من المنشآت وتعمل بنصف طاقتها، فيما أغلقت ورش عدة أبوابها، ما يضع الصناعيين أمام معادلة يومية بين الاستمرار أم التوقف.

وقال سمحا لصحيفة “الثورة السورية”، إن القطاع، الذي كان يوماً من أعمدة الاقتصاد الوطني، يجد نفسه اليوم محاطاً بسلسلة من المعوقات التي أثقلت كاهله وأضعفت قدرته التنافسية. وتتمثل أبرز هذه التحديات بالارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج، لا سيما ما يتعلق بالطاقة والمواد الأولية، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار الاقتصادي العام.

كما تسهم المنافسة غير المتكافئة من المنتجات المستوردة، وضعف الترابط بين حلقات الإنتاج، في تفكك البنية الصناعية التي كانت تشكل سابقاً نقطة قوة أساسية للقطاع.

إعادة هيكلة القطاع

رأى سمحا أن هذه التحديات، رغم شدتها، لا تعني نهاية المطاف، إنما تمثل دعوة واضحة لإعادة هيكلة القطاع على أسس أكثر كفاءة وحداثة. وتبدأ ملامح الحل من خلال تخفيف الأعباء المالية وحماية السوق، وأيضاً عبر إعادة التفكير الجذري في منظومة الإنتاج ذاتها.

وهنا تبرز أهمية مفهوم التخصص كفكرة محورية، إذ لم يعد من المجدي أن يتشتت كل معمل في إنتاج تشكيلة واسعة دون هوية واضحة، فيما يكمن التوجه الصحيح في تخصّص كل منتج في صنف محدد يطوّر فيه خبرته ويركّز عليه ليصبح منافساً حقيقياً فيه.

ويؤدي التخصص، بحسب سمحا، إلى زيادة كميات الإنتاج في صنف محدد، وخفض الكلفة نتيجة التكرار وتراكم الخبرة، ورفع مستوى الجودة بفضل التركيز، فضلاً عن تسهيل عملية التسويق.

وبات هذا الأمر جلياً في عالم التجارة الرقمية، حيث يحظى المنتج المتخصص والهوية الواضحة بطلب أكبر مقارنة بالمنتج العام. لذلك، يتوجب على كل معمل، بغض النظر عن حجمه، أن يتحول إلى مركز معرفة مصغّر يدرس قدراته ويحدد نقاط قوته ويختار نوع الإنتاج المناسب له، مع العمل على تطويره بشكل مستمر.

ويتطلب ذلك توجهاً نحو إنشاء وحدات بحث وتطوير، حتى لو كانت محدودة، تهدف إلى تحسين الجودة وخفض الكلفة ومواكبة متطلبات السوق.

وبالتوازي مع التخصص، تتجلى أهمية بناء العلاقات الصناعية المتينة عبر إنشاء تجمعات إنتاجية متكاملة تربط بين المعامل والورش والخدمات المساندة. وتضمن هذه التجمعات، التي يمكن ربطها بين مختلف المحافظات، تكامل المتخصصين بدلاً من التنافس العشوائي، ما يخلق شبكة إنتاج متينة قادرة على ضمان سلاسة التوريد، ورفع كفاءة الإنتاج، وفتح آفاق جديدة للتصدير.

وشدد سمحا على أن النهوض بصناعة النسيج السورية يتطلب إعادة تنظيم شاملة قائمة على مبدأ التخصص والتشاركية.

واعتبر أن على كل صناعي تحديد مجالات تميزه والتركيز عليها وتطويرها، كما يتعين على القطاع ككل التعاون والتكامل بدلاً من التنافس غير المنظم، إذ تكمن قوة الصناعة اليوم في الترابط.

كما أشار إلى أن الحكومة تضطلع بدور محوري في دعم هذا التحول من خلال تبسيط الإجراءات وتسريع القرارات وخلق بيئة مواتية للإنتاج والتطوير. وبذلك، يمكن خلال سنوات قليلة بناء منظومة صناعية متخصصة قادرة على خلق فرص عمل واستعادة الخبرات وتأسيس مرحلة جديدة من الإنتاج التنافسي والموجّه للتصدير.

وبذلك تتحول الشكوى إلى أمر غير مجدٍ، ويصبح العمل ضرورة ملحّة تقوم على فكرة واضحة: التخصص، والتشاركية، وبناء حلقات إنتاج مترابطة، بما يمهّد لانطلاقة نهضة حقيقية في هذا القطاع الحيوي.

الرسوم الجمركية

تُعدّ القرارات الحكومية الداعمة ضرورة ملحّة لنهضة القطاع.
وفي هذا الإطار، أكد عضو غرفة تجارة دمشق ورئيس قطاع الألبسة والنسيج بالغرفة فواز العقاد، لصحيفة “الثورة السورية”، أهمية تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية الأساسية، مثل الأقمشة وإكسسوارات الألبسة، واعتبارها مواد أساسية تُخفّض رسومها إلى أدنى حد ممكن، بل إلى الصفر.

كما دعا العقاد إلى رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الجاهزة المستوردة، بهدف حماية المنتج المحلي وتعزيز قدرته التنافسية في السوق.

وشدد على ضرورة وضع مواصفات قياسية صارمة لضمان جودة المنتجات المحلية وحماية المستهلك من البضائع الرديئة، مشيراً إلى أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان استمرارية صناعة الألبسة السورية في مواجهة حجم الاستيراد الحالي.

هيئة وطنية

رأى العقاد، أن إنشاء “هيئة وطنية” تجمع الجهات الداعمة كافة، سواء كانت جمعيات أهلية أو منظمات محلية أو دولية، وحتى جهات من دول الجوار، يمثل خطوة جوهرية.

وتتولى هذه الهيئة مسؤولية دراسة الاحتياجات التفصيلية لكل منطقة، وتقديم الدعم اللازم للورش الصغيرة والمتوسطة والمعامل القائمة، مع التركيز بشكل خاص على مساعدتها في التسويق وربطها بالمغتربين، الذين يمكن أن يشكلوا جسراً حيوياً للوصول إلى الأسواق العالمية.

وفي هذا الإطار، تبرز المبادرات المجتمعية لتمكين الأسر والشرائح الإنتاجية ضمن الجهود المبذولة لدعم القطاع، ومن بينها مبادرات دعم “سبل العيش والتعافي المبكر”، التي تستهدف الفئات الأكثر حاجة، بدءاً من الأسر الصغيرة وصولاً إلى الورش الحرفية والمعامل المتوسطة.

واعتبر العقاد أن تعميم مثل هذه المبادرات على كامل الأراضي السورية، لا سيما في قطاع صناعة الألبسة الذي يمثل رافعة اقتصادية واجتماعية مهمة، بات أمراً ضرورياً.

وتركّز مثل هذه المبادرات، التي تنتشر في الشمال المحرر بدعم من شبكة واسعة من المنظمات السورية والدولية، وبالتشبيك مع المجتمعات المحلية، على تقديم قروض ميسّرة دون فوائد، لتمكين الأسر من شراء الآلات والمعدات اللازمة لبدء أو توسيع مشاريعها الإنتاجية، مقابل ضمانات مناسبة.

كما تدعم بعض هذه المبادرات مجالات متعددة، مثل القطاع الزراعي وتربية الثروة الحيوانية، إضافة إلى توفير مراكز تدريب متخصصة. وفيما يتعلق بقطاع صناعة الألبسة، تضمنت إنشاء مراكز تدريب وتصميم لتأهيل الكوادر وتطوير المهارات، ما ساهم في تحويل الأسر من مستهلكة إلى منتجة، وتوسيع نطاق المشاريع.

وأشار العقاد إلى دعم تركي لهذه المبادرة تمثّل في تسهيل وصول المواد الأولية اللازمة للصناعات، خاصة الألبسة، عبر إعفاءات جمركية وجمارك صفرية، ما قلّل من تكاليف الإنتاج بشكل كبير.

وقد أسهم هذا الدعم اللوجستي، إلى جانب المساعدة في تصدير المنتجات عبر الشركات التركية والعالمية، في تعزيز القدرة التنافسية للصناعات السورية في الأسواق الخارجية.

كما أثمرت هذه التسهيلات عن نتائج ملموسة، حيث تمكنت الصناعات المحلية، خاصة الألبسة، من تأمين المستلزمات بأسعار مقبولة، وفتحت أبواباً للتصدير إلى أسواق أوروبا وغيرها، بالتعاون مع المغتربين الذين لعبوا دوراً مهماً في ربط المنتجين بالأسواق العالمية. وقد نجحت هذه التجربة، التي بدأت بورش صغيرة وتطورت لتشمل معامل كبيرة، في توفير فرص عمل لآلاف الأسر.

ودعا العقاد إلى تضافر الجهود كافة، بما في ذلك تفعيل دور السفارات السورية في الخارج لإنشاء أقسام تجارية تُعنى بعرض المنتجات السورية، حتى لو عبر المنصات الرقمية، بما يدعم تسويق منتجات المصانع.

كما أكد أهمية الاستفادة من خبرات المنظمات المحلية والدولية التي عملت في الشمال، ومن العلاقات الإيجابية مع دول الجوار، لا سيما تركيا. وشدد على أن هذه المبادرة تمثل تطبيقاً ناجحاً لتجارب قائمة يمكن تكييفها بما يتناسب مع احتياجات كل منطقة في سوريا.

ركيزة أساسية

شكلت الصناعات النسيجية والألبسة على الدوام ركيزة أساسية للاقتصاد السوري، بدءاً من زراعة القطن وحلجه، مروراً بالغزل والنسيج، وصولاً إلى صناعة الملابس الجاهزة، وفق ما قال الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، الدكتور زكوان قريط، لصحيفة “الثورة السورية”.

وأوضح قريط أن هذا القطاع قبل عام 2011، أسهم بنحو 24 بالمئة من الناتج الصناعي غير النفطي، ووفر فرص عمل لنحو 30 بالمئة من القوى العاملة الصناعية. ومع ذلك، أدت سنوات الحرب والتحديات الاقتصادية إلى تدهور كبير في هذا القطاع، ما يستدعي دراسة معمقة لوضعه ووضع استراتيجيات فعالة لإعادة إحيائه.

وأوضح قريط أن قطاع الألبسة والنسيج في سوريا قبل عام 2011 كان يُعد من أهم القطاعات الصناعية، إذ أسهم بنحو 27% من الناتج الصناعي غير النفطي، ووفّر قرابة 30% من فرص العمل في القطاع الصناعي، وفق تقديرات خبراء وتقارير اقتصادية متداولة.

ومع ذلك، أدت سنوات الحرب والتحديات الاقتصادية إلى تراجع كبير في أداء هذا القطاع، ما يستدعي إعادة دراسته ووضع استراتيجيات لإعادة تنشيطه.

وأشار إلى أن قطاع الألبسة والنسيج شهد تراجعاً ملحوظاً في مختلف مكوناته، من إنتاج المواد الأولية إلى القدرة التنافسية في الأسواق المحلية والخارجية. وكانت سوريا من الدول المنتجة للقطن، حيث بلغ الإنتاج نحو 750 ألف طن عام 2011، محتلة مراتب متقدمة عالمياً في تلك الفترة، وفق بيانات وتقارير اقتصادية زراعية.

إلا أن هذا الإنتاج تراجع بشكل حاد ليصل إلى نحو 14 ألف طن عام 2024، ما انعكس بشكل مباشر على توفر المواد الأولية للصناعات النسيجية، وزاد من الاعتماد على الاستيراد.

مشكلات معقدة

أوضح قريط أن قطاع النسيج يواجه مجموعة من المشكلات المعقدة التي تعيق نموه وتطوره، أبرزها نقص المواد الأولية نتيجة تراجع زراعة القطن، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويعرّض الصناعة لتقلبات الأسعار العالمية.

كما تعاني المصانع والورش من ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل، لا سيما الطاقة ما يقلل من هوامش الربح ويضعف القدرة التنافسية. ويواجه المنتج المحلي منافسة شديدة من البضائع المستوردة، خاصة التركية، التي غالباً ما تدخل بأسعار أقل بسبب الإعفاءات الجمركية أو التهريب، ما يضر بالصناعة الوطنية.

وتعرضت العديد من المنشآت الصناعية للتدمير، في حين أدت الظروف الاقتصادية والاجتماعية إلى هجرة أعداد كبيرة من العمالة الماهرة والخبرات الفنية. كما يفتقر القطاع إلى رؤية استراتيجية واضحة وسياسات داعمة، إضافة إلى ضعف التخطيط المؤسسي.

مقترحات وحلول

قدّم قريط مجموعة من المقترحات للنهوض بقطاع النسيج في سوريا، تشمل تخفيض الرسوم الجمركية على المواد الأولية، ورفعها على المنتجات الجاهزة لحماية المنتج المحلي، ووضع مواصفات قياسية وطنية لضمان الجودة، ودعم زراعة القطن عبر خطط استراتيجية وتوفير المستلزمات بأسعار مدعومة، وتوفير الطاقة بأسعار مناسبة للصناعة، إضافة إلى إنشاء هيئة وطنية لدعم الصناعات تجمع الجهات المعنية.

وعلى مستوى الصناعة والكوادر، اقترح قريط تطوير مراكز التدريب المهني في مجالي تصميم وإنتاج الألبسة والنسيج، وتحسين الجودة والتصميم لمواكبة الموضة العالمية، وتفعيل دور السفارات في الترويج للمنتجات السورية عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات والتجارب الناجحة للمنظمات المحلية والدولية.

وأكد أن النهوض بقطاع النسيج والألبسة يتطلب تضافر الجهود بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني. ومن خلال تبني سياسات داعمة، وتوفير بيئة استثمارية محفزة، وتطوير الكوادر، والاستفادة من النماذج الناجحة، يمكن لهذا القطاع الحيوي أن يستعيد مكانته كرافعة للاقتصاد الوطني ومصدراً للتوظيف والتنمية المستدامة.

الثورة السورية – وفاء فرج

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى