كيف تحولت ألعاب الهاتف إلى أصول استخباراتية؟

كان اللاعب يفتح هاتفه بحثًا عن كائن افتراضي في حديقة، أو قرب تمثال، أو عند محطة قطار. يرفع الكاميرا، يمسح المكان، يحصل على مكافأة داخل اللعبة، ثم يمضي.

بدا الأمر جزءًا بريئًا من عالم “Pokémon Go” “بوكيمون قو”، لعبة واقع معزز تجعل المدينة ملعبًا، وتحول الأرصفة والساحات إلى نقاط صيد. لكن السؤال اليوم صار أكثر قلقًا: هل ساهمت تلك المسوحات في تدريب تقنيات قد تُستخدم لاحقًا في الطائرات المسيّرة؟

القصة لا تعني أن لاعبًا صوّر شجرة، فذهبت الصورة مباشرة إلى طائرة عسكرية. لكنها تكشف المسار الأطول للبيانات: من لعبة هاتف، إلى نموذج ذكاء اصطناعي يفهم المكان، ثم إلى شراكات دفاعية في عالم أصبحت فيه الرؤية نفسها أصلًا استراتيجيًا.

بدأت الحكاية مع شركة “نيانتيك”، مطورة اللعبة، التي شجعت اللاعبين على مسح الأماكن العامة عبر هواتفهم ضمن ميزات الواقع المعزز.

هذه الصور والمقاطع ساعدت الشركة على بناء نماذج جغرافية مكانية، أي أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على قراءة العالم الحقيقي بصريًا، وربط الصور بالموقع، وبناء خرائط تساعد الآلات على معرفة مكانها بالكاميرا لا بالأقمار الصناعية فقط.

وبحسب تقارير تقنية، بنت “نيانتيك” نماذجها المكانية اعتمادًا على أكثر من 30 مليار صورة ومسح جغرافي جُمعت عبر ألعابها وتطبيقاتها، بينها هذه اللعبة.

ويوضح هذا الرقم حجم المسألة إذ أن الصور التي قام اللاعبين بجمعها أصبحت أرشيف هائل للمدن.

اقتصاديًا، تكشف قيمة اللعبة قوة هذه البيانات. ففي 2025، باعت الشركة المطورة أعمال الألعاب التابعة لها إلى “سكوبلي”، وهي منصة ألعاب أخرى،  مقابل 3.5 مليار دولار.

وكانت تلك الأعمال تضم أكثر من 30 مليون لاعب نشط شهريًا، وحققت أكثر من مليار دولار من الإيرادات في 2024.

 أما “بوكيمون غو” وحدها، فاستقطبت أكثر من 100 مليون لاعب فريد في 2024.

وهذه ليست قاعدة مستخدمين عادية، إنها شبكة بشرية عالمية تتحرك في الشوارع، وتقف عند المعالم، وتمسح العالم الحقيقي وهي تظن أنها تلعب فقط.

بعد الصفقة، واصلت شركة منفصلة باسم “نيانتيك سباشال” العمل على تقنيات الخرائط والذكاء المكاني.

وفي ديسمبر 2025، أعلنت شراكة مع “فانتور”، وهي شركة أمريكية تعمل في تقنيات الدفاع والاستخبارات،

وكان هدف الشراكة تطوير نظام ملاحة بصري يساعد الطائرات المسيّرة والروبوتات والمركبات على العمل في بيئات لا يمكن الاعتماد فيها على GPS “نظام الملاحة “، مثل مناطق التشويش أو ساحات القتال.

هنا ينفجر الجدل، فـ”نيانتيك سباشال” تقول إن بيانات “بوكيمون غو” الخام لا تُشارك مباشرة مع “فانتور”، وإن البيانات القادمة من اللعبة توقفت بعد فصل وبيع اللعبة.

لكنها أقرت، بحسب تقارير نقلت تصريحاتها، بأن بيانات اللعبة كانت أحد المكونات التي ساعدت في تدريب النماذج الجغرافية المكانية الأساسية. المشكلة إذن ليست في تسليم مباشر لصورة لاعب إلى طائرة، بل في المصير البعيد للبيانات.

وهذا النوع من الملاحة ليس هامشيًا، فسوق الملاحة البديلة للطائرات المسيّرة في بيئات التعطل يُقدّر بنحو 178.3 مليون دولار في 2026، وقد يصل إلى 438 مليون دولار بحلول 2036، بمعدل نمو سنوي يقارب 9.4%.

أما سوق الطائرات العسكرية المسيّرة ككل مقدر بنحو 47.4 مليار دولار في 2025، مع توقعات بوصوله إلى 98.2 مليار دولار بحلول 2033، بحسب “غراند فيو ريسيرش”.

التقنية نفسها ليست عسكرية بطبيعتها. الملاحة البصرية قد تفيد في البحث والإنقاذ، والروبوتات الخدمية، والواقع المعزز، وتوصيل الطلبات. لكنها تصبح أكثر حساسية حين تدخل مجال الدفاع.

فطائرة تعرف موقعها بالكاميرا وحدها تستطيع العمل حين يفشل نظام الملاحة، وهذا بالضبط ما تحتاجه الجيوش في الحروب الحديثة.

وربما لم يكن اللاعب يدرّب طائرة حرب بيده. لكنه ساهم، من حيث لا يدري، في تعليم الآلة كيف ترى العالم. بدأ الأمر ببيكاتشو على الرصيف، وانتهى بسؤال ثقيل: حين نرفع الهاتف لنلعب، هل نعرف حقًا من يتعلم من الصورة؟

البيان

Exit mobile version