اقتصاد

صناديق الاستثمار.. هل تشكل أداة فعالة لنهوض الاقتصاد السوري؟

تتجه سوريا اليوم إلى بناء جديد لمختلف قطاعاتها الاقتصادية والخدمية، ما يعني حاجتها الماسة إلى مشاريع استثمارية متنوعة، وإلى تمويل قادر على النهوض بهذه المشاريع،

لكن ذلك يتطلب وجود أدوات تتيح جذب الاستثمارات المحلية والدولية، وتوفر مكاناً آمناً لجمع الأموال بضمانات فعالة لتكريسها في مشاريع تنموية واستراتيجية، وهو ما تحققه الصناديق الاستثمارية التي يشير عدد من المختصين والباحثين إلى ضرورة انتباه الاقتصاد السوري لها والسعي لإيجادها في المرحلة القادمة.

وصناديق الاستثمار تُعرف بأنها أوعية استثمارية تقوم بجمع إمكانيات رؤوس الأموال وإدارتها وفقاً لاستراتيجية وأهداف محددة تضعها إدارة الصندوق لتحقيق مزايا لا يمكن للمستثمر الفرد تحقيقها بشكل منفرد في ظلّ محدودية موارده،

وتؤدي إلى خفض مستوى المخاطر الإجمالية للاستثمار، وتتجنب القيود التي تقع عادةً على استثمارات الأفراد، ولذلك تشكل أيضاً مكاناً فعالاً لجمع المساهمات المالية للأفراد المحليين أو للمغرتبين.

الخطوات الأولى

ضمن هذا التوجه الضروري للاقتصاد، يبدو أن هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية بدأت بالخطوات الأولى بإعداد تشريع خاص بصناديق الاستثمار، لفتح المجال أمام تنويع مصادر التمويل للمشاريع، وجذب رؤوس الأموال، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة الاقتصادية المقبلة، إلى جانب السعي لزيادة عدد الشركات المساهمة العامة بوصفها ركيزة أساسية للنهوض.

الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم قوشجي، يؤكد أن صناديق الاستثمار تعد اليوم إحدى الركائز الأساسية القادرة على تحريك الاقتصاد السوري، لكونها منصة وطنية ودولية لتجميع المدخرات وتوجيهها نحو مشاريع تنموية تعزز البنية التحتية وتفتح آفاقاً للنمو الاقتصادي المستدام.

فالصناديق الاستثمارية تعمل كجسر لربط المدخرات المحلية والخارجية بالفرص المتاحة داخل البلاد، وفق قوشجي، حيث يمتلك العديد من السوريين مدخرات صغيرة أو متوسطة يمكن توظيفها ضمن صناديق تنموية توفر عوائد مستقرة وتمنح المواطنين فرصة المساهمة المباشرة في إعادة البناء.

أداة آمنة وجاذبة لرؤوس الأموال

من جهة أخرى يمتلك المغتربون السوريون قدرات مالية جيدة للمساهمة بالبناء لكنها تحتاج إلى أدوات آمنة تتيح لهم الاستثمار داخل الوطن، وهو ما تحققه الصناديق المؤسسية الاستثمارية، فهي، وفق رأي قوشجي، قناة قانونية ومنظمة تسمح لهم بالمشاركة في المشاريع الوطنية، إضافة إلى كونها إطاراً جاذباً لرؤوس الأموال الدولية المهتمة بمرحلة إعادة الإعمار.

تخفيف العبء عن الموازنة العامة

الصناديق الاستثمارية، وفق رأي المختصين الاقتصاديين، من أكثر الأشكال المستخدمة في الدول لدعم المشاريع الكبرى، لأنها تملك القدرة على تمويل مشاريع البنى التحتية الحيوية من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه،

ما يخفف العبء عن الموازنة العامة ويعزز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، عبر آليات تمويل مستدامة وإدارة احترافية، تقوم على أعلى معايير الجودة والشفافية؛ وهذا ما تحتاجه سوريا في الوقت الحالي في إعادة التأهيل والبناء.

الخبير الاقتصادي قوشجي يشير في هذا السياق إلى ضرورة تحديث الإطار القانوني المنظم لهذه الصناديق بما يضمن الحوكمة وحماية حقوق المستثمرين، والارتباط بخطط التنمية المستدامة لتحقيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي المأمول منها.

والحوكمة، وفق ما تعرّفه مؤسسة التمويل الدولية (IFC) هي نظام تتم من خلاله إدارة الشركات (على اختلاف أنواعها) والتحكم في أعمالها، وهي بشكل عام تساعد الحكومات ومؤسسات الدولة على حماية مصالح جميع الأطراف والمساهمين في الاستثمار.

وبناء على ذلك فإن “حوكمة صناديق الاستثمار” هي إطار من القواعد والمبادئ والممارسات الرشيدة التي تحكم إدارة الصندوق، وتضمن شفافية العمليات، والامتثال للوائح التنظيمية، لحماية مصالح المستثمرين وتوجيه الصندوق وإدارة المخاطر بفاعلية وتحقيق المساءلة بين الإدارة والمستثمرين المساهمين.

الطريق يُبنى بالتمويل والاستثمار وليس المساعدات

رئيس غرفة تجارة ريف دمشق عبد الرحيم زيادة يرى أن إنشاء صناديق استثمارية يشكل إحدى المرتكزات الأساسية للنهوض الاقتصادي في سوريا، فالبلاد اليوم تحتاج إلى تمويل واسع لإعادة بناء القطاعات الاقتصادية،

معتبراً أن الاستثمار وليس المساعدات هو الطريق القادر على تحقيق هذا الهدف في ظل امتلاك سوريا ثروات طبيعية وزراعية مهمة وموقعاً جغرافياً حيوياً يجعل منها بوابة للربط بين الشرق والغرب، ما يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات.

أرضية تشريعية متكاملة.. قانون التحكيم مثالاً

بالانتقال إلى الجانب القانوني، يؤكد المحامي الدكتور عارم الطويل ضرورة توجه سوريا لتطوير بيئة التحكيم بما ينسجم مع متطلبات الاستثمار الحديث، مشيراً إلى أن غياب أرضية تشريعية وقضائية متكاملة يشكل عائقاً أمام جذب الاستثمارات الخارجية وتنظيم فض النزاعات التجارية.

وقانون التحكيم في الدول يُقصد به الإطار القانوني الذي ينظم اتفاق أطراف علاقة تعاقدية (مدنية أو تجارية) على حل نزاعاتهم بواسطة محكمين (فرد أو هيئة)، ويتميز بكونه وسيلة سريعة، ومرنة، تصدر أحكاماً نهائية وملزمة، وتكون قابلة للتنفيذ.

وفي سوريا، يوضح الطويل أن قانون التحكيم الحالي الصادر عام 2008 لم يعد مواكباً للتطورات الاقتصادية المتسارعة، لافتاً إلى ظهور أنماط جديدة من التحكيم مثل التحكيم الإلكتروني والافتراضي، والتي تحتاج إلى إطار قانوني واضح يكسب المستثمرين الثقة اللازمة.

الطويل يؤكد أن تحديث القانون بات ضرورة ملحّة لتعزيز قدرة المؤسسات السورية على معالجة النزاعات المعقدة التي خلفتها سياسات النظام البائد وسنوات الحرب، لتوفير بيئة أعمال أكثر جاذبية واستقراراً، مع ضرورة بناء منظومة تحكيم حديثة قادرة على التعامل مع العقود الاستثمارية الكبرى وفض النزاعات بكفاءة وحياد.

صناديق الاستثمار بحاجة بيئة تأمينية ضامنة

مع العمل على تفعيل الصناديق الاستثمارية لمختلف القطاعات، تظهر الحاجة الماسة إلى وجود بيئة تأمينية حقيقية وفعالة في سوريا، فمن شروط إنشاء صناديق استثمارية وجود شركات تأمين تسهم بها وضامنة لها،

وحول ذلك يوضح الخبير في مجال التأمين وائل سعداوي أن قطاع التأمين السوري واجه خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة أثرت على قدرته التشغيلية والاستثمارية، فالعقوبات الاقتصادية وعزوف معيدي التأمين العالميين عن السوق السوري كانا سبباً رئيسياً في تراجع نشاط التأمين.

ويرى سعداوي أن تحول هيئة الإشراف على التأمين من دور إشرافي إلى وصائي تسبب في إرباك آليات العمل وحرمان الشركات من اتخاذ قرارات تشغيلية سليمة، إضافة إلى خروج الشركاء الاستراتيجيين نتيجة تشديد العقوبات الدولية، ما أدى إلى فقدان الخبرة والدعم الفني والمالي.

كما أن هجرة الكوادر الكفؤة وتدني سعر الليرة في السنوات الأخيرة قبل التحرير، ومنع الاحتفاظ بالعملات الصعبة أدت إلى خسائر كبيرة في رؤوس الأموال، بالتزامن مع إغلاق 75% من المصانع وانخفاض عدد المؤمن لهم، ولذلك فإنه من الضرورة العمل المكثف لإعادة تعافي هذا القطاع.

ويشدد سعداوي على أن تعافي سوق التأمين السوري مرهون بعودة معيدي التأمين العالميين، وأن ذلك ممكن الآن مع رفع العقوبات عن البلاد، مبيناً في الوقت ذاته أن استعادة الثقة الدولية تتطلب بيئة مستقرة وحوافز جاذبة وتطوير الكوادر المحلية وتحديث القوانين، إضافة إلى بناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد تعزز جاهزية السوق لمرحلة ما بعد العقوبات وتضمن قدرته على مواكبة متطلبات المستثمرين.

توفير ضمانات والاستفادة من التجارب

عضو مجلس الأعمال السعودي السوري محمود المغربي، يعتبر أن صناديق الاستثمار تُعد اليوم واحدة من أهم آليات جذب رؤوس الأموال وتمويل المشاريع الإنتاجية والتنموية، وأن نجاحها مرتبط مباشرة بتحديث التشريعات الاستثمارية الحالية وتوفير ضمانات قانونية واضحة للمستثمرين.

ويشير المغربي في هذا الإطار إلى الاتفاقية الاستثمارية السورية- السعودية الموقعة مؤخراً والتي برأيه توفر مظلة حماية قانونية للصناديق وتفتح المجال لتنفيذ مشاريع في قطاعات الكهرباء والصناعة والاتصالات والعقارات،

لافتاً إلى أن غياب شركات تأمين دولية لتغطية عقود الاستثمار يمثل تحدياً كبيراً في السوق السوري، ولذلك فإن الاجتماعات التي تُعقد مع البنك الدولي وملتقيات الاستثمار تبحث حلولاً لضمان بيئة تأمينية موثوقة للمساهمين بالمشاريع.

كما يشير المغربي إلى أن الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة مثل التجربة الماليزية والسعودية يمكن أن توفر نموذجاً فعالاً لسوريا، مؤكداً أن الحكومة السورية تتحرك اليوم على مسار اقتصادي واعد بدعم رسمي واضح واهتمام بتحديث قوانين الاستثمار بهدف إطلاق الصناديق بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة.

الصناديق المناسبة للظروف الحالية

من منظور اقتصادي تحليلي، يؤكد الخبير مهند زنبركجي أن الصناديق الاستثمارية توفر فرصاً واسعة تتناسب مع مختلف فئات المستثمرين، موضحاً أن عوائدها مجدية نسبياً مقارنة بالاستثمار المباشر وسهلة التسييل المالي (أي عملية تحويل الأصول غير النقدية، السلع أو الخدمات إلى نقد أو عملة قانونية)،

مبيناً أن أفضلية الصناديق في الظروف الحالية تعتمد على طبيعة كل صندوق وما إذا كان قصير الأجل أو طويل الأجل.

ويرى زنبركجي أن الظروف الحالية كما أنها بحاجة صناديق استثمارية لكنها تتطلب الحذر في إطلاقها، ولابد من تأسيس شركات قابضة حكومية قوية قبل المضي بهذه الخطوة، وفق حديثه، لتجنب نتائج سلبية قد تمس الاقتصاد والمستثمرين.

في سوريا.. صندوق سيادي وآخر للتنمية

ربما لم تبدأ سوريا بشكل مباشر بالصناديق الاستثمارية، لكنها بدأت بالإطار العام لمفهوم الصناديق المختصة بمشاريع التنمية المستدامة من مختلف الجوانب،

فاتخذت خلال عام واحد خطوات جريئة بإنشاء “صندوق التنمية السوري” بموجب المرسوم الرئاسي رقم (112) لعام 2025، و”الصندوق السيادي” المرتبط برئاسة الجمهورية بموجب المرسوم رقم (113) لعام 2025،

واللذين يهدفان إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية مباشرة والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية من الاختصاصات كافة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعلة إلى أدوات إنتاج وتنمية.

وهو ما يُبشر بأنه في حال تم اعتماد منهج الصناديق الاستثمارية في السنوات القادمة، فإنه سيتم تحويل أيضاً الأصول الخاصة بالشركات والقطاع الخاص والأفراد، وليس الحكومية فقط، إلى مشاريع تنموية حقيقية على أرض الواقع.

بناء على ما سبق، يبدو أن الصناديق الاستثمارية تشكل في سوريا اليوم فرصة استراتيجية لا يمكن فصلها عن مسار الإصلاح القانوني والاقتصادي الشامل، ولكن لا يكفي إطلاق أدوات تمويل حديثة دون توفير أرضية تشريعية ومؤسساتية تضمن استمراريتها وبناء أعمدة ثابتة.

سانا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى