ترتفع كلفة الوجبة اليومية في سوريا مع صعود أسعار الغذاء والمحروقات وتراجع القدرة الشرائية، ما يدفع الأسر إلى إعادة النظر في نوعية الوجبات وكمياتها بما يتناسب مع دخولها.
وبينما تعكس تكلفة الطعام جانباً مباشراً من الضغوط المعيشية، يطرح ذلك سؤالاً حول مدى صلاحية كلفة الوجبة اليومية كمؤشر مبسط للقوة الشرائية ومستوى المعيشة، ومدى الحاجة إلى مقارنتها بالدخل وبقية النفقات الأساسية للأسرة.
وتقول منال أسعد، ربة منزل، لصحيفة «الثورة السورية» إن إعداد الطبخة اليومية بات يتطلب حساباً دقيقاً للتكلفة في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، موضحة أن الارتفاع الكبير في الأسعار تجاوز قدرة كثير من الأسر الشرائية، لا سيما الأسر محدودة الدخل. وتضيف أن حتى الوجبات الشعبية والبسيطة التي تعتمد على مكونات أساسية أصبحت تتطلب كلفة مرتفعة.
من جهتها، تقول رباب مهنا، وهي موظفة وربة منزل، لصحيفة «الثورة السورية» إن كلفة إعداد أقل طبخة تصل إلى 1500 ليرة ليوم واحد، مشيرة إلى أن ارتفاع الأسعار دفع الأسر إلى تقليص إعداد الوجبات المكلفة، والبحث عن خيارات أقل كلفة يمكن تحملها حتى نهاية الشهر، بما يتناسب مع الدخل المتاح.
وسجلت الأسواق خلال شهر آب الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، فيما أسهم ارتفاع أسعار المحروقات خلال الشهر الحالي، خاصة المازوت، في زيادة تكاليف السلع والمواد ورفع كلفة إعداد الوجبات اليومية.
كلفة الوجبة
وتكشف شهادات الأسر عن أثر ارتفاع الأسعار في تفاصيل الإنفاق اليومي، إلا أن قياس هذا الأثر يتطلب النظر إلى كلفة الوجبة باعتبارها جزءاً من معادلة أوسع تربط أسعار الغذاء بالدخل المتاح للأسرة. ومن هنا يبرز السؤال حول مدى إمكانية تحويل كلفة الوجبة اليومية إلى مؤشر مبسط لقياس القدرة الشرائية والفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة.
وفي هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، لصحيفة «الثورة السورية»، إن المعايير الاقتصادية التقليدية لتحديد مستويات المعيشة في سوريا تحولت إلى أرقام صادمة لا تشرح حجم الأزمة الواقعية، مشيراً إلى أن استخدام مؤشر «سعر الوجبة اليومية» أو تكلفة إعداد غداء واحد لأسرة متوسطة كأداة تحليلية بسيطة لقياس عمق الفجوة المعيشية، يتجاوز المؤشرات النظرية الشاملة ليعكس صورة مباشرة وملموسة لما تتكبده الأسرة السورية لتأمين قوت يومها الأساسي.
ويضيف قوشجي أن الاعتماد على مؤشر «كلفة الوجبة الواحدة» يوضح تحول النمط الاستهلاكي من مفهوم الكفاية والرفاهية إلى سياق «سد الرمق»، إذ لم تعد الوجبة المنزلية اليومية تُحسب بالمواد والمكونات المتنوعة، وإنما بالحد الأدنى من الأصناف الغذائية.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن تكلفة إعداد وجبة غداء تقليدية واحدة، تعتمد على الخضار وقليل من الأرز أو البروتين منخفض التكلفة، لأسرة مكونة من خمسة أفراد، تتراوح في المتوسط بين 1500 و2000 ليرة. وهذا يعني أن الأسرة تحتاج شهرياً لتأمين وجبة الغداء فقط إلى ما بين 36 ألفاً و45 ألف ليرة، دون حساب تكاليف الإفطار والعشاء أو المصاريف الأساسية الأخرى، مثل السكن والطبابة والمواصلات. ويضع هذا المؤشر أغلب الأسر السورية تحت ضغط الفقر الغذائي الحاد، حيث تحول إعداد الطعام من طقس عائلي إلى تدبير مالي شاق.
ويرى قوشجي أن الضغوط السعرية المرتفعة والمستمرة في أسواق المواد الغذائية اليومية ترجع إلى أسباب متداخلة في سلاسل الإنتاج والتوريد، موضحاً أن اللحوم الحمراء تشهد ارتفاعات كبيرة تجاوزت قدرة الغالبية العظمى من السكان، نتيجة تراجع أعداد الثروة الحيوانية المحلية، وارتفاع تكاليف الأعلاف المستوردة المرتبطة بأسعار الصرف، إضافة إلى تهريب الماشية وارتفاع تكاليف النقل والرعي.
أما الخضروات والمحاصيل الزراعية، فعلى الرغم من كون سوريا بلداً زراعياً، شهدت أسعار الخضار الأساسية ارتفاعات متتالية نتيجة زيادة تكاليف مستلزمات الإنتاج، ومنها الأسمدة والبذار والبلاستيك المستخدم في البيوت المحمية، إلى جانب أزمة الطاقة والجفاف وتكاليف استخراج مياه الري باستخدام المحروقات أو الطاقة الشمسية، فضلاً عن ارتفاع أجور النقل بين المحافظات.
كما يلف قوشجي إلى إلى تقلبات أسعار الفروج، التي تمثل نموذجاً على هشاشة قطاع الدواجن وتذبذبه، إذ يرتفع السعر وينخفض بشكل حاد وفق دورات التربية. وتعود هذه التذبذبات إلى خروج عدد كبير من صغار المربين عند تكبد خسائر ناجمة عن نفوق الطيور أو ارتفاع أسعار أعلاف الصويا والذرة وتكاليف التدفئة الشتوية، ما يؤدي إلى انخفاض العرض وارتفاع الأسعار، قبل أن تتراجع مؤقتاً عند طرح كميات كبيرة من الفروج للتخلص من تكاليف إطعامه، ضمن دورة سعرية غير مستقرة.
ويوضح قوشجي أن إسقاط الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 12560 ليرة شهرياً، على الأسعار السائدة في الأسواق، يظهر تآكل القدرة الشرائية. فعلى مستوى الوجبة اليومية، لا يكفي الراتب الشهري الكامل لشراء أكثر من 8 إلى 10 وجبات غداء تقشفية لأسرة من خمسة أفراد طوال الشهر، دون حساب الإفطار أو العشاء.
وتعكس هذه الحسابات المباشرة واقعاً يغطي فيه الأجر أقل من 10 بالمئة من الاحتياجات المعيشية الفعلية، ما أدى إلى اعتماد الأسر على آليات تدبير بديلة، تتصدرها حوالات المغتربين والعمل المتعدد وخفض الاستهلاك الغذائي إلى حدوده الدنيا، بحسب قوشجي.
ضغط على الميزانية
ومع ارتفاع كلفة إعداد الوجبات اليومية، تتحول تكلفة الطعام من عبء مباشر على ميزانية الأسرة إلى مؤشر يمكن من خلاله قراءة جانب من قدرتها الشرائية، وهو ما يوضحه الخبير التنموي عدنان إبراهيم.
ويرى إبراهيم أن كلفة الوجبة ترتفع حتى عندما تختار الأسرة أصنافاً اقتصادية، فمكونات أي طبخة باتت تشكل ضغطاً على الميزانية.
ويقول لصحيفة «الثورة السورية» إن تتبع سعر الوجبة اليومية يوفر قراءة أكثر قرباً من واقع الأسر، فإذا افترضنا وجبة عائلية بسيطة تضم كمية محددة من الدجاج، والبيض أو الفول، والخضار، والخبز والزيت، فإن السؤال يصبح: كم أصبحت الأسرة تدفع لتحضير الوجبة نفسها؟
ويضيف إبراهيم أن الوجبة اليومية تمثل مؤشراً مبسطاً للقوة الشرائية، لافتاً إلى أن برنامج الأغذية العالمي كان قد نشر بيانات تفيد بأن 7.2 ملايين شخص في سوريا يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وأن ارتفاع الأسعار وضعف فرص العمل يضغطان مباشرةً على قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الغذائية.
مؤشر الوجبة
ويرى إبراهيم أن مستوى الراتب الشهري لم يعد مؤشراً كافياً لقياس مستوى معيشة الأسرة السورية، إذ تتحدد القوة الشرائية الفعلية بما يستطيع الدخل تأمينه من الاحتياجات الأساسية، مثل الغذاء والسكن والنقل والدواء والتعليم.
ومن هذا المنظور، يبرز سؤال أكثر دلالة على الواقع المعيشي: ماذا يستطيع الراتب أن يشتري؟ ويمكن أن يشكل سعر الوجبة اليومية للأسرة مؤشراً مبسطاً لقياس القوة الشرائية، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية التقليدية، مثل معدلات التضخم ومتوسط الأجور وتكلفة سلة المستهلك.
ويقوم هذا المؤشر، وفق إبراهيم، على قياس تكلفة وجبة غذائية أساسية لعائلة نموذجية ومقارنتها بالدخل الشهري، بما يتيح رصد حجم الدخل المخصص لتأمين الغذاء. وكلما ارتفعت حصة الطعام من الدخل، تراجعت قدرة الأسرة على تغطية بقية احتياجاتها، حتى مع ارتفاع الراتب من الناحية الاسمية، ما يجعل تطور القدرة الشرائية أكثر ارتباطاً بتكاليف المعيشة الفعلية.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في سوريا، حيث يستحوذ الغذاء على حصة كبيرة من إنفاق الأسر، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع فرص العمل، ما يزيد الضغوط على قدرتها على تأمين احتياجاتها الغذائية. ووفق برنامج الأغذية العالمي، ما يزال ملايين السوريين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تلجأ بعض الأسر إلى تقليص كميات الطعام، أو خفض تنوع الوجبات، أو تخطي بعضها للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
ويقول إبراهيم إن مؤشر الوجبة يتيح ترجمة الأرقام الاقتصادية المجردة إلى أثر ملموس على حياة الأسر، إذ قد لا يعكس ارتفاع الأسعار بنسبة معينة حجم التغير في القدرة الشرائية بصورة واضحة، بينما تظهر الصورة بشكل أدق عند مقارنة تكلفة وجبة أساسية بالدخل الشهري وعدد الوجبات التي يستطيع الراتب تغطيتها.
ويكشف هذا القياس الفارق بين نمو الدخل الاسمي وتطور مستوى المعيشة؛ فارتفاع الراتب بالليرة السورية لا يعني تحسناً في القدرة الشرائية إذا سبقت أسعار الغذاء نمو الأجور، إذ تتراجع في هذه الحالة حصة الدخل المتاحة لتغطية الاحتياجات الأخرى.
ويوضح إبراهيم أن تكلفة الوجبة اليومية يمكن أن تشكل مدخلاً لقراءة أوسع لتغيرات مستوى المعيشة، إذ ينعكس ارتفاع أسعار مكوناتها تدريجياً على أنماط استهلاك الأسرة.
ومع زيادة الكلفة، قد تتجه الأسر إلى خفض كميات اللحوم، واستبدال بعض المنتجات بأخرى أقل سعراً، وتقليص استهلاك الخضار والفاكهة، والاعتماد بدرجة أكبر على النشويات والبقوليات، ما يعني أن أثر ارتفاع الأسعار يتجاوز زيادة الإنفاق ليصل إلى تركيب الغذاء ونوعية الاستهلاك نفسه.
متغير اقتصادي
وتكشف قراءة كلفة الوجبة اليومية عن جانب من القدرة الشرائية للأسر، كما تفتح الباب أمام النظر إلى العوامل التي تحدد هذه الكلفة وتغيرها من فترة إلى أخرى. فالسعر الذي تدفعه الأسرة لتحضير وجبة أساسية يتأثر بمجموعة من المتغيرات المرتبطة بالدخل والأسعار والطاقة والإنتاج والنقل، ما يجعل الوجبة نقطة تقاطع بين هذه العوامل وانعكاساتها على الإنفاق الأسري.
ويرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان، أن أسعار الطعام في سوريا أصبحت من أبرز المؤشرات على حجم الضغوط التي تواجهها الأسر في حياتها اليومية، إذ تحولت كلفة الوجبة الغذائية من بند مستقر نسبياً في ميزانية الأسرة إلى متغير يتأثر بعوامل متعددة، بينها سعر الصرف ومستويات الدخل وأسعار الطاقة والنقل وتكاليف الإنتاج والاستيراد، إضافةً إلى توافر السلع في الأسواق.
ويقول سليمان لصحيفة «الثورة السورية» إن هذه المعطيات تبرز أهمية استخدام كلفة الوجبة اليومية كمؤشر مبسط لقياس مستوى المعيشة، من خلال احتساب المبلغ الذي تحتاجه الأسرة يومياً لتأمين غذاء أساسي ومقبول من الناحية الغذائية، ثم مقارنة هذه الكلفة بالدخل المتاح لها.
ويلفت إلى أن قياس أسعار سلعة منفردة، كالخبز أو الأرز أو الزيت، لا يقدم صورة كاملة عن الوضع المعيشي، لأن الأسرة تعتمد في غذائها اليومي على مجموعة من المواد التي تشكل في مجموعها نمطها الغذائي.
ويشير سليمان إلى أن المؤسسات الدولية تعتمد مفهوم «سلة الغذاء»، التي تُبنى عادة على احتياجات غذائية محددة، ويستخدم برنامج الأغذية العالمي معياراً يقارب 2100 سعرة حرارية يومياً للفرد في سلال المساعدة الغذائية، مع مراعاة التنوع والتوازن بين المغذيات إلى جانب عدد السعرات. وبالنسبة إلى الأسرة السورية، ترتبط كلفة الوجبة بقدرتها على تأمين غذاء يوفر الحد الأدنى من التنوع الغذائي، مع مراعاة العادات الغذائية المحلية.
ويوضح المحلل الاقتصادي أن كلفة الوجبة تختلف بصورة كبيرة بحسب المدينة ونوعية الطعام وحجم الأسرة ومصدر الشراء، إضافة إلى مدى توافر الخبز وبعض المواد المدعومة، مشيراً إلى أن تكلفة وجبة غذاء بسيطة للأسرة السورية تتراوح، في تقديره، بين 1000 و1500 ليرة.
قياس مستوى المعيشة
ويعتبر سليمان أن قياس مستوى المعيشة يرتبط بسعر الوجبة وقدرة المواطن على تحمل كلفتها من دخله، وحجم ما يستحوذ عليه الإنفاق على الغذاء من ميزانية الأسرة مقارنة بالاحتياجات الأساسية الأخرى. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية مقارنة كلفة الوجبة بالدخل المتاح للأسرة، بما يوضح العبء الذي يفرضه الإنفاق على الغذاء على قدرتها على تغطية بقية احتياجاتها.
ويرى سليمان أن كلفة الوجبة اليومية يمكن أن تشكل مؤشراً مبسطاً لمستوى المعيشة، شرط قراءتها إلى جانب مؤشرات أخرى، فهي ترتبط مباشرة بالإنفاق اليومي ويمكن فهمها ومقارنتها بسهولة، كما تساعد في رصد أثر التضخم الغذائي على الأسر، لا سيما الأسر ذات الدخل المحدود التي تستحوذ النفقات الغذائية على حصة كبيرة من إنفاقها.
ويضيف أن تغير كلفة الوجبة اليومية في سوريا يعكس جانباً مهماً من التحولات الاقتصادية التي شهدتها الأسر خلال السنوات الماضية، لكنه لا يقدم بمفرده صورة مكتملة عن مستوى المعيشة، إذ يرتبط هذا المستوى أيضاً بالدخل الحقيقي وفرص العمل وتكاليف السكن والطاقة والصحة والتعليم.
ويلفت إلى أن انخفاض كلفة سلة الغذاء قد يعكس تحسناً في جانب الأسعار، لكن أثره على مستوى المعيشة يبقى مرتبطاً بقدرة الأسر على تأمين بقية احتياجاتها وبمدى تحسن دخولها وفرص العمل المتاحة لها. لذلك يمكن استخدام «كلفة الوجبة اليومية» كمؤشر مبسط وقريب من الواقع المعيشي، على أن تُقرأ نتائجه ضمن مجموعة أوسع من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية.
وبذلك، يمكن أن تعكس كلفة الوجبة اليومية جانباً ملموساً من القدرة الشرائية للأسرة، خصوصاً عند مقارنتها بالدخل وتطور أسعار بقية الاحتياجات الأساسية. ويتيح تتبع هذا المؤشر على فترات زمنية متتالية رصد مقدار ما يتغير من كلفة الغذاء مقارنة بالدخل المتاح، وما إذا كانت الأسرة تحافظ على نمط استهلاكها أو تضطر إلى خفض الكميات وتغيير مكونات وجباتها.
الثورة السورية – ميساء العلي
