قطاف الزيتون في سوريا.. حكايات الأرض وذاكرة الأجيال

تستعد الحقول السورية لاستقبال موسم قطاف الزيتون، لتتجدد في القرى والبلدات مشاهد تحمل أبعاداً إنسانية واجتماعية ترتبط بعلاقة الأهالي بأرضهم وذاكرتهم العائلية، وبين الأشجار الممتدة على مساحات واسعة، يجتمع أفراد العائلة لتقاسم أعمال القطاف، وتتداخل الأحاديث والضحكات مع ذكريات المواسم السابقة، في حكاية تتجدد كل عام وتجمع الأجيال حول الأرض وخيراتها.

ويشكل موسم قطاف الزيتون محطة ينتظرها الكبار والصغار لاستعادة عادات وتقاليد توارثتها العائلات عبر سنوات طويلة، وفرصة لتجديد صلة الرحم وتعزيز العلاقات بين الأقارب والجيران، وخلال ساعات العمل، تتوزع المهام بين أفراد الأسرة، فيما يتولى كبار السن نقل خبراتهم الزراعية وحكاياتهم إلى الأبناء والأحفاد، لتبقى الأرض مساحة للتواصل ونقل الذاكرة من جيل إلى آخر.

وتكتسب أشجار الزيتون مكانة خاصة في الوجدان الاجتماعي والثقافي للأهالي، إذ ترتبط بعض الأشجار بحكايات الأجداد وأسماء أصحابها، وتحمل في أغصانها وامتداد جذورها ذكريات عائلات عاشت إلى جانبها واعتنت بها، كما تتجلى خلال الموسم قيم التعاون والتكافل في مشاركة الجيران والأقارب في جمع المحصول ومساعدة الأسر التي تحتاج إلى الدعم.

وحول الأبعاد الاجتماعية لموسم قطاف الزيتون، التقت صحيفة «الثورة السورية» عدداً من المزارعين والوجوه الاجتماعية والباحثات في الشأن الاجتماعي، للوقوف على مكانة هذا الموسم في الحياة الريفية، ودوره في تعزيز الروابط الأسرية واستمرار الموروث الثقافي والاجتماعي.

الحقل موعد العائلة وذاكرة الأجيال

يرتبط موسم القطاف لدى المزارع المسن فاتح رمضان بحكايات طويلة عاشها بين أشجار الزيتون، إذ يرى فيه مناسبة اجتماعية تعيد جمع أفراد العائلة، وتمنحهم فرصة للقاء بعيداً عن مشاغل العمل والدراسة ومتطلبات الحياة اليومية.

ويشير رمضان إلى أن الاستعداد للموسم يبدأ قبل الوصول إلى الحقل، من خلال الاتصالات الهاتفية والزيارات العائلية والتنسيق لتحديد موعد القطاف وتوزيع المهام، ويحرص أفراد العائلة على تخصيص يوم للمشاركة في جمع المحصول، ويلتحق بهم أقارب يقيمون في المدن البعيدة بسبب العمل أو الدراسة، لتصبح المناسبة فرصة للعودة إلى الجذور وتجديد التواصل بين أفراد الأسرة.

وخلال ساعات العمل، يتعاون الأبناء والآباء والأجداد في جمع الثمار وفرزها وتجهيزها للنقل، وتتجدد الأحاديث عن المواسم السابقة وأفراد العائلة الذين ارتبطت حياتهم بالأرض، ويجد الصغار في أحاديث الكبار فرصة للتعرف إلى تاريخ أسرتهم، والاستماع إلى قصص عن الأراضي والأشجار والسنوات التي أمضاها الأجداد في زراعتها والعناية بها.

ويؤكد رمضان أهمية مشاركة كبار السن في موسم القطاف، لما يمتلكونه من خبرة متراكمة في التعامل مع أشجار الزيتون ومعرفة بمواسمها وأساليب العناية بها، ومن خلال أحاديثهم مع الأبناء والأحفاد، تنتقل الخبرات الزراعية والعادات والتقاليد، ويتعرف الجيل الجديد إلى أسماء الأراضي والأشجار والقصص التي ارتبطت بها عبر السنين.

ويضيف: إن اللقاءات العائلية خلال الموسم تسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز المودة بين الأقارب، إذ يجتمع أفراد العائلة حول هدف مشترك، ويتقاسمون الجهد والمسؤولية، فيما تمنحهم استراحة العمل فرصةً للجلوس معاً وتبادل الأحاديث وتناول الطعام.

ويرى رمضان أن جلسة بسيطة تحت شجرة زيتون أو وجبة يتقاسمها أفراد العائلة خلال يوم القطاف قد تسهم في تجديد العلاقات الأسرية، وترسيخ صلة الرحم من خلال اللقاء والعمل المشترك والذكريات التي يصنعها أفراد العائلة معا.

أيادي الجيران في موسم الخير

يرى المزارع صافي فندي، الذي أمضى جُلّ عمره بين أشجار الزيتون والتين، أن موسم القطاف يقدم نموذجاً واضحاً للتكافل الاجتماعي في المجتمعات الريفية، حيث تتحول الحقول إلى مساحة للتعاون والتضامن، ويحرص الأهالي على مساعدة بعضهم في إنجاز الأعمال الزراعية وتبادل الخبرات.

ويشير فندي إلى أن الأقارب والجيران يشاركون أصحاب الأراضي في جمع المحصول، فيما تتشكل في بعض القرى والبلدات مبادرات لمساعدة كبار السن والمرضى والأسر التي تحتاج إلى الدعم في قطاف أشجارها، وتتعدد صور المساعدة بين جمع الثمار ونقلها إلى المعصرة، وإعداد الطعام للمشاركين، وتأمين احتياجات يوم العمل.

وفي بعض المجتمعات الريفية، تتعاون مجموعات من الأهالي في قطاف أرض إحدى العائلات، ثم تنتقل إلى مساعدة أسرة أخرى، في ممارسة تعكس روح المشاركة والمسؤولية الاجتماعية، ويسهم هذا التعاون في توفير الوقت والجهد، ويعزز الثقة والعلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع.

وتزداد أهمية هذه المبادرات في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه بعض الأسر، إذ تساعد المشاركة الجماعية في تخفيف الأعباء المرتبطة بتكاليف القطاف والنقل والعناية بالمحصول، وتمنح الأهالي فرصة للاستفادة من خبرات بعضهم وطاقاتهم.

وينوه فندي بأهمية مشاركة الشباب في هذه المبادرات، لما توفره من فرصة للتعرف إلى معنى العمل الجماعي وتعلم تحمل المسؤولية، فيما يقدم كبار السن خبراتهم ومعارفهم، ويشارك الأطفال في الأعمال المناسبة لأعمارهم، فتتكامل الأدوار بين مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.

ويرى أن ثقافة التكافل تمثل جزءاً من الرصيد الاجتماعي الذي يحتاج المجتمع إلى صونه وتعزيزه، ولا سيما في ظل التحولات التي تشهدها أنماط الحياة وتراجع بعض أشكال التواصل التقليدي، ويشكل الحقل في هذا السياق مساحةً للتعلم والتضامن، تتجسد فيها قيم العطاء والانتماء من خلال ممارسات يومية يتوارثها الأهالي عبر الأجيال.

شجرة تحمل اسم صاحبها وحكايته

يستحضر المزارع الشاب ربيع أحمد مع حلول موسم القطاف ذكرى جده فهد، رحمه الله، الذي حوّل مساحات جرداء إلى واحات خضراء، وترك أشجاراً ارتبطت في ذاكرته بسنوات طويلة من العمل والعناية بالأرض.

ويتذكر ربيع كيف كان جده يغرس الأشجار ويرعاها حتى كبرت، فيما يجد اليوم في الجلوس تحت ظلالها فرصة لاستعادة ملامح شخصيته وحياته، والتأمل في أثره الذي بقي حاضراً من خلال الأشجار التي اعتنى بها.

ويشير إلى أن شجرة الزيتون تحمل قيمة تتجاوز إنتاجها السنوي، لما ترتبط به من ذكريات عائلية وحكايات عن الأجداد والأراضي التي ورثتها الأسر عبر أجيال طويلة، وقد تبقى بعض الأشجار شاهدة على تاريخ عائلة كاملة، بما تختزنه من تفاصيل عن الأشخاص الذين غرسوها واعتنوا بها.

ومن العادات الاجتماعية المميزة في بعض القرى إطلاق أسماء أفراد العائلة على أشجار زيتون محددة، بحيث تحمل الشجرة اسم الأب أو الجد أو الحفيد، وتصبح علامة ترتبط بذكرى أو حكاية عائلية خاصة.

وقد يرتبط اسم الشجرة بميلاد أحد أفراد الأسرة أو بذكرى شخص رحل، فتتحول إلى رمز عاطفي يستحضر من خلاله أفراد العائلة ماضيهم، ويحافظون على حضور الأشخاص الذين ارتبطت حياتهم بالأرض.

وتعكس هذه العادة علاقة خاصة بين الإنسان والطبيعة، إذ تكتسب الأشجار أسماء وذكريات تميزها داخل الحقل، وتساعد الأبناء على التعرف إلى تاريخ العائلة وأراضيها والأشخاص الذين زرعوا أشجارها واعتنوا بها.

ويضيف ربيع أن شجرة الزيتون حضرت في الموروث الديني والثقافي بوصفها رمزاً للخير والسلام والخصب، وأصبحت جزءاً من المشهد التاريخي والثقافي للمجتمعات التي ارتبطت حياتها بها، ومن هنا، تكتسب العناية بالأشجار المعمرة أهمية تتصل بحماية البيئة وصون الموروث الثقافي والاجتماعي، والحفاظ على ذاكرة العائلات وعلاقتها بأرضها.

عادات تحفظها الموائد والأهازيج

تحمل مواسم قطاف الزيتون عادات تختلف من بلدة إلى أخرى، وتلتقي في ارتباطها بالاحتفاء بالموسم والتعاون بين أفراد العائلة والجيران، وترى نوال الشاهين، وهي امرأة مسنة، أن هذه التقاليد تشكل جزءاً من ذاكرة الأهالي وعلاقتهم بالأرض، وتمنح المناسبة طابعاً اجتماعياً يمتد إلى مختلف تفاصيل يوم القطاف.

وتبدأ الاستعدادات بتحديد موعد الذهاب إلى الأرض وتجهيز أدوات العمل والطعام، فيما تتوجه بعض العائلات إلى الحقول في ساعات الصباح الباكر، حاملة السلال والأغطية ومستلزمات اليوم، وسط أجواء من الترقب والسرور.

ويحضر الطعام بوصفه جزءاً أساسياً من المناسبة، إذ تعد بعض العائلات وجبات منزلية يتشاركها أفراد الأسرة والجيران خلال استراحة الظهيرة، وتضم الموائد، بحسب العادات المحلية وإمكانيات الأهالي، الزيتون والخبز والزعتر والخضروات وبعض الأطباق الريفية، لتشكل مساحة للراحة وتبادل الأحاديث وتقاسم خيرات الأرض.

وتشير الشاهين إلى حضور الأغاني والأهازيج الشعبية والعبارات المتوارثة التي تعبر عن التفاؤل بالموسم والدعاء بالخير والبركة، كما يستعيد كبار السن قصص المواسم السابقة وطرائق العمل التقليدية والتغيرات التي طرأت على الحياة الريفية عبر السنين.

ويشارك الأطفال في جمع الثمار وفرزها والتعرف إلى المراحل التي تمر بها قبل وصولها إلى المعصرة، فتتكون لديهم معرفة عملية بالموروث الزراعي المرتبط بأرض العائلة، وتتحول تجارب القطاف مع مرور الوقت إلى ذكريات شخصية تربطهم بالمكان وتمنحهم شعوراً بالانتماء إلى تاريخ عائلي متواصل.

وتشمل العادات أيضاً زيارة الأراضي الموروثة وتفقد الأشجار القديمة واستحضار أسماء من زرعوها، فيتعرف الأبناء إلى تاريخ الأرض وتفاصيلها، ويستمعون إلى قصص عن أصحابها، بما يعزز ارتباطهم بالمكان الذي ارتبطت به حياة أجيال من أسرهم.

موسم القطاف والتماسك الأسري

ترى الباحثة الاجتماعية باسمة عرابي أن موسم القطاف يعزز التماسك الأسري والروح الجماعية، وينشّط الروابط بين أفراد العائلة، إذ يمنحهم فرصة للتضامن وتعزيز التواصل بين الأجيال وتبادل الخبرات من خلال العمل المشترك.

وتوضح عرابي أن أهمية الموسم تكمن في طبيعة العلاقات التي تتشكل بين المشاركين خلال العمل، فعندما يتعاون الأبناء مع الآباء، ويستمع الأحفاد إلى قصص الأجداد، ويشارك الأقارب في إنجاز مهمة مشتركة، تتجدد مشاعر الانتماء والثقة والمسؤولية المتبادلة.

وتضيف أن الموسم يشكل مناسبة لنقل الثقافة من جيل إلى آخر من خلال الممارسة اليومية، فالطفل الذي يرافق أسرته إلى الحقل يتعلم معنى التعاون والصبر واحترام كبار السن وتقدير قيمة العمل، ويكتسب في الوقت نفسه معرفة عملية بالموروث الزراعي المحلي.

وتؤكد عرابي أن موسم قطاف الزيتون يمثل أحد الفضاءات الاجتماعية التي تساعد على استمرار الهوية الجماعية، لأنه يجمع بين المكان والذاكرة، ويتيح للأفراد التعبير عن انتمائهم من خلال المشاركة في نشاط ارتبط بحياة عائلاتهم ومجتمعاتهم عبر سنوات طويلة.

وتبرز أهمية هذه الوظيفة الاجتماعية في ظل التحولات التي تشهدها الأسرة المعاصرة، حيث تتزايد المسافات الجغرافية بين الأقارب وتتراجع أحياناً فرص الاجتماع المنتظم، وفي هذه الحالة، تؤدي المواسم الزراعية وظيفة مهمة من خلال توفير موعد دوري يجتمع فيه أفراد العائلة حول نشاط يحمل معنى مشتركاً بالنسبة إليهم.

ترى الدكتورة دلال السلطي، الباحثة في الشؤون الاجتماعية، أن موسم قطاف الزيتون يسهم في تعزيز رأس المال الاجتماعي وتوسيع شبكة العلاقات والتعاون وتحقيق أهداف مشتركة بين الأهالي.

وتوضح السلطي أن المجتمع الذي يتعاون أفراده في مواسم القطاف ويساعدون بعضهم بعضاً يمتلك رصيداً من العلاقات الإنسانية التي تسهم في مواجهة التحديات اليومية، وتتبلور هذه العلاقات من خلال الممارسات المتوارثة ولقاءات العمل المتعددة.

وتضيف أن المشاركة في الموسم تعزز روح العمل الجماعي وتسهم في استمراره، كما تمثل طقوس القطاف والأطعمة واللمة العائلية عناصر من التراث الثقافي غير المادي الذي يمنح المجتمع خصوصيته ويساعده على الحفاظ على ذاكرته الجماعية.

وتشير إلى أن هذه الممارسات تنقل المعاني والقيم من خلال التجربة، وتمنح الأفراد فرصة للتعبير عن هويتهم الثقافية والاجتماعية، إذ ترتبط العادات التي ترافق الموسم بطرق الاجتماع والعمل المشترك وتقاسم الطعام وتبادل الخبرات بين أفراد المجتمع.

وتوضح السلطي أن الهجرة من القرى إلى المدن وتراجع العمل الزراعي لدى بعض الأسر يؤثران في استمرار هذه العادات، ما يبرز الحاجة إلى إيجاد وسائل حديثة للحفاظ عليها، مثل تنظيم الأنشطة التراثية وإشراك المدارس والجمعيات المحلية وتوثيق القصص الشفوية لكبار السن وتشجيع الشباب على المشاركة في المبادرات الزراعية والمجتمعية.

ويتيح توثيق القصص الشفوية حفظ جانب من الذاكرة المرتبطة بالأرض والمواسم السابقة، فيما تساعد الأنشطة التراثية والمبادرات المحلية على تعريف الأجيال الجديدة بالعادات التي ارتبطت بحياة مجتمعاتها، كما تسهم مشاركة الشباب في هذه الأنشطة في استمرار الممارسات الاجتماعية المرتبطة بالموسم ضمن أشكال تتناسب مع التحولات التي تشهدها الحياة الريفية.

وتؤكد السلطي أن الحفاظ على الموروث يتحقق من خلال تطوير أساليب المشاركة مع الاحتفاظ بالقيم الأساسية، وفي مقدمتها التواصل والتعاون والانتماء، ويشكل ذلك مدخلاً لتعزيز التنمية الاجتماعية والثقافية في القرى، وربط حماية التراث بالحفاظ على البيئة ودعم المجتمعات المحلية.

حكاية تتجدد مع كل موسم

مع حلول موسم قطاف الزيتون، تعود العائلات إلى حقولها لتجديد علاقتها بالأرض واستعادة ذكريات الأجيال السابقة، فيما يصنع الأبناء والأحفاد ذكريات جديدة تضاف إلى تاريخ العائلة.

وتتجلى قيمة الموسم في تفاصيله اليومية، من تعاون الأقارب والجيران إلى الموائد المشتركة والأهازيج الشعبية والأشجار التي تحمل أسماء أصحابها، وتحفظ هذه الممارسات جانباً من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للقرى السورية، وتمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى جذورها والمشاركة في صون إرثها.

وهكذا يبقى موسم قطاف الزيتون مناسبة تجمع الإنسان بالأرض والعائلة والمجتمع، وتتجدد معها حكايات الأجداد وقيم التكافل والعمل المشترك، في صورة تعكس عمق العلاقة بين شجرة الزيتون وذاكرة السوريين.

الثورة السورية ـ علاء الدين محمد

↑
Exit mobile version