
ترافقت الأعمال العسكرية التي شهدتها مدينة حلب شمال سوريا مؤخراً، مع موجات نزوح واسعة بين المدنيين من مختلف أحياء المدينة،
وفي ساعات قليلة، تحولت التطورات إلى اختبار حقيقي للنسيج الاجتماعي، قابلته تحركات إغاثية سريعة قادها الأهالي بدعم من الجمعيات الأهلية والمؤسسات الدينية.
وانطلقت هذه الجهود بشكل تلقائي لاحتواء الآثار الإنسانية المباشرة، عبر تأمين المأوى والغذاء للنازحين، في مشهد يعكس تجاوزاً للانتماءات الضيقة وتوحداً واضحاً حول حماية المدنيين في لحظة طارئة.
وعملت الحكومة السورية بالتنسيق مع مديرية الأوقاف على تجهيز العديد من المساجد والكنائس في حلب كمراكز إيواء مؤقتة لاستقبال وتأمين الاحتياجات الأساسية للآلاف من النازحين من أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، حيث يتم توفير الطعام والغطاء والأدوية.
وجاءت الاستجابة فورية، و” فُتحت أبواب المطرانية مساء الثلاثاء لاستقبال الراغبين باللجوء”، بحسب مطران السريان الأرثوذكس في حلب بطرس قسيس لـ “الثورة السورية”، وقام الفريق الإغاثي التابع للمطرانية بتخصيص قاعات لإقامة العائلات، ومن مختلف أطياف المجتمع السوري، و”اتسعت رقعة الاحتياجات مع مرور الأيام وعدم قدرة الناس على العودة إلى منازلهم”.
كذلك، وبعد استهداف السكن الجامعي في حلب بقذيفتين في 8 كانون الثاني 2026، هلع الطلاب، وتم اتخاذ قرار فوري بإجلائهم بحسب ابراهيم هرموش رئيس جمعية إنجي الخيرية في حديثه لـ “الثورة السورية”، وتم تأمين 25 طالبة وطالباً في منازل آمنة، ومساعدتهم على الوصول إلى محافظاتهم في حماة وحمص ودمشق واللاذقية.
وتبرز القصص الإنسانية التي تعكس عمق التحدي الذي واجهه المدنيون في مثل هذا السياق، لا سيما الطلاب والعائلات النازحة. تروي الطالبة أماني الحمدوش (21 عاماً) من سهل الغاب كيف انقلبت حياتها خلال ساعات قصف المدينة الجامعية: “فقدت الأمل في العثور على وسيلة نقل، لكن الاستجابة جاءت سريعة”.
وتضيف في حديث لـ “الثورة السورية” أنه تم إرسال سيارات لإجلاء طلاب من عدة محافظات، مع تقديم الدعم المعنوي. “لم يتركونا وحدنا في أصعب لحظة، وكان تعاملهم إنسانياً قبل أي شيء آخر”، مؤكدة أن الفريق أوصل كل طالب إلى منزله دون مقابل.
وفي قصة مشابهة، يروي عمر الشدادي ” اسم مستعار” من سكان حي الشيخ مقصود كيف اضطر مع عائلته للنزوح تحت وطأة القصف، ليجدوا ملاذاً في مقر طائفة السريان الأرثوذكس.
“جرى استقبالنا وتأمين مأوى آمن، وتمت تلبية احتياجاتنا الأساسية”، كما يقول. ويشير في حديثه لـ “الثورة السورية” إلى أن المكان ضم نازحين من خلفيات متنوعة، ما خلق “حالة واضحة من التضامن والتكافل الإنساني بعيداً عن أي تمييز”.
يختصر الشدادي تجربته بقوله: “لم نشعر أننا غرباء، بل شعرنا أننا بين أهلنا في أصعب اللحظات”.
هذه الشهادات تظهر كيف تحولت لحظة الخطر إلى اختبار حقيقي للتعاضد الاجتماعي، حيث تجاوزت الاستجابة الإنسانية كل الحدود، مؤكدة أن حماية الإنسان تظل القيمة العليا في قلب المجتمع.
في البداية، اعتمد الاستجابة على المجتمع المحلي لتأمين الاحتياجات الغذائية، فيما استدعى حجم النزوح مزيداً من الدعم الإضافي والفرشات والبطانيات، وبدأ التعاون مع المسؤولين المحليين وأهل الخير في مدينة حلب ما أسهم في تحقيق استجابة سريعة وفعّالة، حيث تم تأمين المستلزمات الضرورية في ظل البرد القارس، بحسب قسيس.
وفي اليوم التالي، أُدرج مركز المطرانية في السليمانية ضمن مراكز الإيواء الرسمية، ما أتاح حضور مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في حلب وعدد من الجمعيات، وتقديم دعم إضافي شمل مستلزمات الإقامة إضافة للوجبات مطبوخة.
“كان التركيز في بدايات النزوح على تأمين مستلزمات المنامة، إلى جانب السلل الغذائية” يشرح هرموش كيف تزامنت الاستجابة الإغاثية مع عمليات الإجلاء، حيث جرى توزيع مساعدات في حي بستان القصر داخل مسجد “سيدنا حذيفة”، شملت بطانيات وفرشاً إسفنجية ووسائد، إضافةً إلى توزيع مماثل في مسجد “سيدنا عمر بن الخطاب”.
وكشف هرموش أن الجمعية ستنطلق بقافلة من محافظة حمص، بالتنسيق مع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، لتحديد وجهة الدعم، وستحمل سلالاً غذائية، ومياه، وسلال نظافة، نظراً لكون عدد من النازحين يقيمون في المساجد والمدارس، ما يستدعي الحفاظ على نظافة أماكن الإقامة.
“هذه المبادرة تركت أثراً إيجابياً واسعاً في نفوس أهالي حلب والسوريين عموماً” يضيف قسيس، إذ عكست كيف يمكن للأزمات أن توحّد الناس، وتؤكد أن اختلاف الآراء والانتماءات والعقائد لا يمنع الوقوف صفاً واحداً أمام الحاجة الإنسانية، والتكاتف في مواجهة المحن كشعب واحد.”البعد المجتمعي كان حاضراً بقوة في هذه الاستجابة” وفق هرموش،
إذ تحولت المساجد إلى مراكز إيواء جمعت الكردي والعربي ومن مختلف المكونات والطوائف، مشدداً على أنه في مثل هذه الظروف لا مكان للسؤال عن المذهب أو الانتماء، لأن الهدف واحد وواضح، “هدفنا معروف، وهو الوقوف إلى جانب الإنسان أولاً”.
عبرت تجربة النزوح الأخيرة في حلب عن اختبار عميق للنسيج الاجتماعي السوري، أظهر من خلاله المجتمع قدرة لافتة على تجاوز كل حدود الاختلاف والانتماء عندما يتعلق الأمر بإنقاذ الإنسان، و لم تكن مراكز الإيواء في المساجد والكنائس مجرد أماكن للنوم، بل تحولت إلى فضاءات حقيقية للتضامن، حيث التقت خلفيات متنوعة تحت سقف الحاجة الإنسانية ذاتها.
هذه الروح المجتمعية، التي تجلت في الاستجابة التلقائية للأهالي والجمعيات والمؤسسات الدينية، تثبت أن القيمة الأسمى في الوعي الجمعي السوري ما تزال هي حماية الحياة والكرامة الإنسانية، حتى في أحلك الظروف.
والسؤال الذي تتركه هذه الاستجابة الإنساني: هل يمكن تحويل هذا التضامن الطارئ، النابع من لحظة أزمة، إلى نهج دائم يُبنى عليه مستقبلٌ أكثر تماسكاً وتسامحاً؟ الإجابة ربما تكمن في استمرار تعزيز هذه القيم، وتحويل دروس الأزمات إلى سياسات مجتمعية تكرس التكافل كخيار دائم، لا كردِّ فعل عابر للطوارئ.
الثورة السورية- ميسون حداد













