
تصاعدت خلال الأسابيع الأخيرة وتيرة الترويج التجاري في أسواق دمشق، ولا سيما في قطاع الألبسة..
إذ باتت واجهات المحال تعجّ بإعلانات تخفيضات غير مسبوقة على ملابس الموسم الشتوي، وصلت في بعض الحالات إلى نسب تتراوح بين 50 و70 بالمئة،
هذه التخفيضات، التي نادراً ما كانت تُطرح في هذا التوقيت من العام، أثارت تساؤلات واسعة لدى المتسوقين، خاصة أنها تطال بضائع أجنبية المنشأ، كانت في السابق حكراً على ذوي الدخل المرتفع وبعيدة عن متناول أصحاب الدخل المحدود.
وخلال جولة في عدد من الأسواق، أثار الانتباه ملاحظات لافتة حول طبيعة هذه التخفيضات، إذ تبيّن أن جزءاً كبيراً من المعروضات تحمل أسماء ماركات عالمية معروفة، إلا أن حالتها توحي بأنها قديمة التخزين أو متدنية الجودة،
ففي أحد محال الألبسة في سوق باب توما، بدت الرفوف ممتلئة ببضائع مستوردة تحمل علامة تجارية واحدة، إلا أن ألوانها باهتة، وبعضها “موبر” أو يفتقد للأزرار أو يعاني من عيوب واضحة.
اللافت أن كلّ قطعة تحمل بطاقة سعر تمّ شطب الرقم الأصلي عنها ووضع سعر جديد مكانه، على أنه “سعر مخفض”، وفق ما يؤكده أصحاب المحل،
غير أن هذه الآلية تطرح علامات استفهام حول مصداقية نسب التخفيض المعلنة، ومدى واقعيتها، خاصة أن البضائع المعروضة لا تعكس بالضرورة مستوى الجودة الذي يفترض أن تحمله الماركات العالمية المسجلة على بطاقاتها.
ورغم تدني الجودة الظاهرية لغالبية المعروضات، لا تزال أسعارها مرتفعة حتى بعد التنزيلات، الأمر الذي يوحي بأن الهدف الأساسي هو تصريف أكبر كمية ممكنة من البضاعة، بغض النظر عن قيمتها الفعلية،
فقد تراوح سعر بنطال الكتان أو الجينز بين 250 و300 ألف ليرة، والكنزة الصوف بين 150 و200 ألف ليرة، فيما وصل سعر المعطف الجوخ إلى ما بين 450 و500 ألف ليرة، وأحذية الشامواه إلى حدود 500 ألف ليرة.
وعبّر عدد من الزبائن الذين التقتهم صحيفة الثورة السورية عن استغرابهم من الفارق الكبير بين الاسم التجاري المعلن وحالة المنتج الفعلية،
إذ أكدت السيدة ريما فلاحة أنها تمتلك قطعاً من نفس الماركة اشترتها من خارج البلاد ولا تزال بحالة ممتازة رغم مرور عامين على استخدامها، في حين أن الألبسة المعروضة حالياً تبدو وكأنها مستعملة أو مغشوشة، ومع ذلك تُعرض بأسعار مرتفعة لا تتناسب مع جودتها.
هذه الظاهرة تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول آليات الاستيراد والرقابة على جودة السلع المعروضة، ومدى التزام المحال التجارية بمعايير الشفافية في التسعير والتخفيضات،
كما تعكس واقعاً ضاغطاً في السوق، إذ يحاول التجار تصريف مخزون قديم أو متدني الجودة تحت غطاء “التنزيلات”، فيما يجد المستهلك نفسه أمام خيارات محدودة وأسعار لا تنسجم مع دخله ولا مع القيمة الحقيقية للمنتج.
سوق بلا رقابة وبضائع بلا جودة
مع تحرير الأسواق وغرقها بكميات كبيرة من المستوردات، دخلت إلى السوق السورية بضائع يفتقد بعضها إلى أدنى مقومات الجودة، فيما جاء جزء آخر منها نتيجة كسادها في دول المنشأ، لتجد في السوق المحلية فرصة سهلة لتصريفها،
وفي ظل هذا الواقع، تُركت الأمور إلى منطق العرض والطلب وقدرة الزبون الشرائية، ليصبح المستهلك مضطراً للاختيار وفق ما يناسب دخله، حتى وإن كانت السلعة، سواء ألبسة أو مواد غذائية، مخالفة للمواصفات أو متدنية الجودة، أو دخلت البلاد بطرق غير نظامية عبر التهريب.
أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، أوضح في تصريح لـ«الثورة السورية» أن الجمعية ترصد وجود عدد كبير من المنتجات المستوردة مجهولة المصدر، أو تلك التي دخلت عبر مستوردين نظاميين ولكن بمواصفات غير جيدة،
مشيراً إلى أن ضعف الرقابة على استيراد الألبسة أسهم في انتشار الغش والتدليس، ولا سيما من خلال مخالفة بطاقة البيان للمواصفات الحقيقية للقطعة، أو وضع أسماء ماركات أجنبية معروفة على منتجات هي في الأصل صناعة وطنية.
ولفت حبزة إلى انتشار ورشات تعمل في مناطق مخفية، كالأقبية والمستودعات، تقوم بإعادة تدوير الألبسة عبر إزالة البيان الوطني ووضع أسماء علامات تجارية عالمية لبيعها بأسعار مضاعفة.
كما أشار إلى وجود صناعات وطنية متدنية من حيث نوعية الصباغ، والقماش، والخيوط، ونسبة القطن، الأمر الذي يستدعي تكثيف حملات أخذ العينات من الأسواق، خاصة في ظل حالة الفوضى التي رافقت الانفتاح الاقتصادي وتحرير الأسواق.
وبيّن أن تدفق البضائع الأجنبية، سواء النظامية أو المهربة، أسهم في منافسة المنتجات المحلية من حيث السعر والنوعية، ولا سيما “البالة” التي باتت تُستورد بنوعيات أفضل أحياناً، في مقابل بضائع مهربة متدنية الجودة تُباع على الأرصفة بأسعار منخفضة تناسب أصحاب الدخل المحدود تحت ضغط الحاجة المعيشية.
وأكد حبزة أن الجمعية لاحظت وجود كساد في منتجات العديد من الشركات الوطنية بسبب ارتفاع تكاليف المواد الأولية، ما أفقدها القدرة على المنافسة مع المستوردات الأرخص ثمناً،
ودفع ذلك بعض هذه الشركات إلى طرح تخفيضات كبيرة أو تصريف بضائعها عبر البسطات، وهي منتجات يفترض إخضاعها أيضاً للفحص وأخذ العينات للتأكد من مطابقتها للمواصفات.
وأشار إلى أن دور جمعية حماية المستهلك يتركز على نشر الوعي بعدم الانجرار خلف الإعلانات المغرية، ولا سيما عبر منصات التسوق الإلكتروني، لما تتضمنه في كثير من الأحيان من غشّ وتدليس وعدم تطابق مع المواصفات المعلنة.
كما شدد على ضرورة الشراء من مصادر موثوقة، والحصول على فاتورة تبين نوع القطعة ومواصفاتها وسعرها، باعتبارها الضمان الأساسي لحقوق المستهلك.
مضيفاً: إن الجمعية تتدخل لحل النزاعات بين الزبائن وأصحاب المحال، وفي حال تعذر ذلك تُحال المخالفة إلى الجهات المختصة لتنظيم الضبط اللازم تحت بند الغشّ والتدليس، الذي تتراوح عقوباته بين الغرامة المالية أو الإغلاق.
وفي ظل هذا الواقع المتشابك بين ضعف الرقابة، وغياب الشفافية، وضغط الظروف المعيشية، يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في سوق باتت تتحكم به الإعلانات الوهمية والأسماء التجارية المضللة،
ومع استمرار تدفق البضائع متدنية الجودة، يصبح تعزيز الرقابة الفعلية، وتفعيل القوانين الرادعة، ودعم المنتج الوطني الجيد، ضرورة لا تحتمل التأجيل، حمايةً لحقوق المواطن، وصوناً لثقة السوق،
ومنعاً لتحول “التخفيضات” إلى واجهة جديدة لتمرير الغش والتدليس تحت مسميات براقة لا تعكس الحقيقة.
الثورة السورية – هناء ديب









