فتح مضيق هرمز.. هل يكفي لخفض أسعار المحروقات في سوريا؟

عاد مضيق هرمز إلى العمل مجدداً بعد توصل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق يقضي بإعادة فتحه، عقب إغلاق استمر نحو أربعة أشهر، ما أثار تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الخطوة على الاقتصاد السوري وأسعار المحروقات التي شهدت ارتفاعاً خلال الشهر الماضي.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن السفن بدأت تعبر مضيق هرمز بوتيرة غير مسبوقة، موضحاً أن هناك 700 سفينة في المضيق، ومشيراً إلى أنه أصدر أوامر بإنهاء الحصار الأميركي المفروض على الموانئ الإيرانية.

بعد الإعلان عن الاتفاق وإعادة فتح مضيق هرمز، تراجع سعر خام برنت بنسبة تقارب 5 بالمئة ليصل إلى نحو 82.95 دولاراً للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ ثلاثة أشهر، كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط (WTI) إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل، وتراجعت أسعار الغاز الأوروبية بالجملة بنحو 6 بالمئة.

وتوقعت مؤسسة “غولدمان ساكس” أن يبلغ متوسط سعر خام غرب تكساس الوسيط 75 دولاراً للبرميل خلال الربع الأخير من العام الجاري، و70 دولاراً خلال عام 2027، وفق ما نقلته وكالة “رويترز”.

ونقلت وكالة “فرانس برس” عن كبير الاقتصاديين في شركة “ريستاد إنرجي” للاستشارات، كلاوديو غاليمبرتي، قوله إن إعادة تشغيل مضيق هرمز ستؤدي إلى تراجع تدريجي في علاوة المخاطر المضافة إلى أسعار النفط، دون أن ينعكس ذلك بصورة فورية على استقرار الأسواق بشكل كامل.

ورغم إنهاء إيران إغلاقها الفعلي للمضيق الأسبوع الماضي بعد الاتفاق مع الولايات المتحدة، أعلن الحرس الثوري الإيراني إغلاقه جزئياً يوم السبت الماضي رداً على الضربات الإسرائيلية في لبنان، ما أدى إلى تراجع حركة العبور مؤقتاً.

لكن حركة الملاحة عادت بعد يومين، إذ عبرت 36 سفينة شحن على الأقل مضيق هرمز يوم الاثنين 22 حزيران، مسجلة رقماً قياسياً في حركة الملاحة البحرية منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط، بحسب بيانات منصة “كيبلر”، ويمثل هذا الرقم نحو ثلث حركة العبور الطبيعية في أوقات السلم، والتي تبلغ نحو 120 سفينة يومياً عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي.

كما نقلت وكالة “رويترز” عن خدمة “ذا إنشورر” المتخصصة في تغطية أخبار قطاع التأمين، أن بيانات قطاع الشحن أظهرت عبور عدد من ناقلات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز يوم الثلاثاء 23 حزيران.

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي يونس الكريم أن أسعار النفط العالمية لم تنخفض حتى الآن بأكثر من 5 بالمئة، وهو تراجع محدود، متوقعاً استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر المقبلة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والنقل.

وأضاف الكريم في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن الدول استنزفت جزءاً من مخزونها النفطي الاحتياطي خلال فترة إغلاق مضيق هرمز وتوقف الإمدادات، ما يعني ارتفاع الطلب على النفط خلال المرحلة المقبلة مقابل محدودية العرض، الأمر الذي قد يبقي الأسعار مرتفعة.

وأشار إلى أن بعض البنى التحتية النفطية في الخليج تعرضت لأضرار تحتاج إلى وقت لإصلاحها واستئناف عمليات التوريد، إضافة إلى تأثر سوق العمل في القطاع النفطي، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة تجعل من غير المرجح انخفاض أسعار المحروقات قبل عدة أشهر.

وقالت وكالة الطاقة الدولية إن سوق النفط العالمية ستتعافى تدريجياً من آثار إغلاق مضيق هرمز، قبل أن تشهد فائضاً كبيراً في المعروض خلال عام 2027، وتشير تقديرات الوكالة، الواردة في تقريرها الشهري عن سوق النفط، إلى أن الحرب أدت إلى توقف إنتاج أكثر من 14 مليون برميل يومياً في منطقة الشرق الأوسط.

ماذا عن الأسعار في سوريا؟

بعد الإعلان عن إعادة فتح مضيق هرمز، بدأ السوريون يترقبون احتمال انعكاس ذلك على أسعار المحروقات محلياً، ولا سيما بعد الزيادات التي شهدتها الأسواق مطلع الشهر الماضي.

وكانت الشركة السورية للبترول قد رفعت أسعار المشتقات النفطية في السوق المحلية، في خطوة قالت إنها تهدف إلى ضمان استمرار التوريد ومواجهة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن عالمياً عقب إغلاق مضيق هرمز.

وارتفع سعر لتر بنزين أوكتان 95 إلى 1.15 دولار، مقارنة بـ1.05 دولار سابقاً، كما ارتفع سعر بنزين أوكتان 90 إلى 1.10 دولار بعد أن كان 0.85 دولار منذ تشرين الثاني 2025.

ورفعت الشركة أيضاً سعر لتر المازوت إلى 0.88 دولار، مقارنة بـ0.75 دولار في التسعيرة السابقة، كما شملت الزيادات أسطوانة الغاز المنزلي التي ارتفع سعرها إلى 12.50 دولاراً بدلاً من 10.50 دولارات.

ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي يونس الكريم أن سوريا تعاني أساساً من ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة تراجع قيمة الليرة السورية وتفاقم معدلات التضخم والركود الاقتصادي، معتبراً أن انعكاس أي انخفاض عالمي في أسعار النفط على السوق السورية سيكون بطيئاً حتى بعد إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكريم في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن الملف السياسي بات جزءاً أساسياً من التوقعات الاقتصادية المستقبلية، مشيراً إلى أن أي توتر داخل سوريا قد ينعكس مباشرة على الأسعار ويحد من فرص انخفاضها، فضلاً عن أن عدم تفعيل نظام “سويفت” بشكل كامل ما يزال يشكل عائقاً أمام خفض تكاليف الاستيراد.

ولفت إلى أن توجه الحكومة نحو توسيع الاستثمارات والمشاريع الإنتاجية سيزيد الطلب على المحروقات خلال المرحلة المقبلة، ما قد يسهم في إبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة على المدى القريب والمتوسط.

واعتبر أن الحكومة لن تكون قادرة على خفض أسعار الكهرباء والطاقة في المدى المنظور، نظراً لحاجتها إلى موارد مالية لتمويل الأنشطة الاستثمارية وتسديد الرواتب وتغطية النفقات التشغيلية، في ظل محدودية مصادر القطع الأجنبي، وفق تقديره.

ورغم عودة حركة الملاحة تدريجياً عبر مضيق هرمز وارتفاع حجم شحنات النفط الخارجة من الخليج، ما تزال إيران تفرض إجراءات تنظيمية على السفن، من بينها إلزامها بتقديم طلبات عبور مسبقة قبل 48 ساعة.

انخفاض الأسعار قد يحتاج أشهراً

منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران في 28 شباط الماضي، أغلقت القوات الإيرانية مضيق هرمز، في خطوة أشعلت أزمة اقتصادية وأثرت على أسواق الطاقة العالمية.

وقبل الحرب، كانت نحو 120 سفينة تعبر المضيق يومياً، بحسب مجموعة “لويدز ليست” المتخصصة في تتبع حركة الملاحة البحرية، وكان يمر عبره نحو خُمس صادرات العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال.

وعقب الاتفاق الأميركي الإيراني الذي أفضى إلى إعادة فتح المضيق، ذكرت مجموعة “إيه إكس إس مارين” أن حركة العبور في مضيق هرمز يوم 18 حزيران سجلت أعلى مستوى يومي منذ 18 نيسان الماضي.

ورغم إعادة فتح المضيق، قال عدد من قادة السفن لشبكة “سي إن إن” الأميركية إن عودة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب ستكون تدريجية وبطيئة، وقد تستغرق أسابيع عدة أو أكثر.

وقال المحلل الاقتصادي سمير طويل لصحيفة “الثورة السورية” إن إعادة فتح مضيق هرمز لن تترك أثراً فورياً على الأسعار في سوريا، موضحاً أن أسعار المواد الغذائية والأعلاف والأسمدة وسائر السلع ترتبط بشكل مباشر بسعر صرف الدولار، ما يجعل تراجعها مرهوناً بعوامل أخرى إلى جانب انخفاض أسعار الطاقة عالمياً.

وذكر أن زيادة المعروض من المحروقات في الأسواق العالمية قد تسهم تدريجياً في خفض الأسعار محلياً، إلا أن ظهور أثر ملموس لذلك يحتاج إلى عدة أشهر.

وأوضح أن الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات داخل سوريا كان نتيجة مباشرة لزيادة تكاليف الاستيراد وتراجع الإمدادات خلال فترة إغلاق مضيق هرمز، معتبراً أن أي انخفاض مستقبلي في الأسعار يبقى مرتبطاً باستقرار الأوضاع الإقليمية واستمرار حركة الملاحة دون انقطاعات جديدة.

في السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور علي محمد إن الاتفاق الأميركي الإيراني انعكس إيجاباً على أسعار النفط العالمية، التي بدأت بالتراجع تدريجياً نتيجة تقليص الفجوة بين العرض والطلب بعد تحرير جزء من الكميات المخزنة.

وأضاف في حديثه لصحيفة “الثورة السورية” أن إعادة فتح مضيق هرمز ستنعكس إيجاباً على تكلفة المحروقات عالمياً، وتسهم في خفض تكاليف التصنيع واستيراد الطاقة بالنسبة للدول المستوردة، ومن بينها سوريا، التي من المتوقع أن تشهد تراجعاً في أسعار المحروقات لاحقاً، نظراً لاعتماد تسعيرها على الأسعار العالمية.

وأشار محمد إلى أن الجدول الزمني لانخفاض أسعار المحروقات في سوريا يرتبط بقرارات الشركة السورية للبترول، ويتأثر بحجم المخزونات المستوردة سابقاً والأسعار التي تم الشراء على أساسها.

وأوضح أن إعادة فتح مضيق هرمز تعني تراجع العوامل التي أسهمت في موجة التضخم العالمية خلال الفترة الماضية، ما ينعكس على أجور الشحن والتأمين وعودة إمدادات النفط إلى مستوياتها الطبيعية، إلا أن ظهور هذه النتائج يحتاج إلى وقت، ويرتبط بقدرة الدول المنتجة على استعادة مستويات الإنتاج والتصدير وتشغيل الحقول والآبار المتضررة.

ولفت إلى أن بعض الآبار النفطية توقفت عن العمل، كما تعرضت بعض حقول الغاز لأضرار تتطلب أعمال صيانة، كما حدث في قطر والإمارات، ما قد يؤخر ظهور نتائج ملموسة على المدى القريب.

بدوره، قال الباحث يونس الكريم إن أسعار المحروقات قد تحتاج ما بين ثلاثة وتسعة أشهر حتى تبدأ بالتراجع عالمياً في حال استمرت حركة الملاحة في مضيق هرمز بصورة طبيعية، مشيراً إلى أن زيادة المعروض النفطي ستبقى محدودة خلال المرحلة الحالية نتيجة استنزاف جزء من المخزونات الاستراتيجية للدول خلال فترة الإغلاق.

خطوات مطلوبة

ويرى مختصون أن تحسين الواقع الاقتصادي في سوريا وخفض أسعار المحروقات والسلع الأساسية لا يرتبط بإعادة فتح مضيق هرمز فقط، ويتطلب إجراءات داخلية تسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين البيئة الاستثمارية.

ووفق الكريم، فإن المطلوب من الحكومة التركيز على الملفات الداخلية، وفي مقدمتها تفعيل مسار العدالة الانتقالية بما يسهم في تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، الأمر الذي من شأنه تحسين النظرة المستقبلية تجاه الاقتصاد السوري.

وأردف أن من بين الخطوات الضرورية أيضاً إعادة هيكلة البنك المركزي والقطاع المصرفي، وإصدار تشريعات مصرفية حديثة تنظم تداول العملات الأجنبية وتعزز مكافحة غسل الأموال، إلى جانب معالجة الملفات الاقتصادية التي ما تزال محل تحفظ من بعض الجهات الدولية، معتبراً أن هذه الإجراءات ستسهم في دعم قيمة الليرة السورية وتحسين المؤشرات الاقتصادية تدريجياً.

وفي كلمته خلال منتدى أنطاليا للدبلوماسية في تركيا في 17 نيسان الماضي، قال السيد الرئيس أحمد الشرع إن سوريا تأمل في الاستفادة من موقعها الاستراتيجي لتصبح ممراً لنقل الطاقة والسلع يربط الخليج بتركيا ويوفر منفذاً آمناً إلى البحر الأبيض المتوسط.

ويرى الكريم أن إعادة فتح مضيق هرمز تقلص فرص تحول سوريا إلى بديل تجاري مؤقت للممرات البحرية المتأثرة بالأزمات، ما يفرض التركيز بصورة أكبر على بناء مقومات اقتصادية داخلية مستدامة، وتعزيز البنية التشريعية والاستثمارية، بما يتيح للاقتصاد السوري تحقيق مكاسب طويلة الأمد بعيداً عن المتغيرات الإقليمية الطارئة.

تشكيل لجنة لتحديد أسعار المواد البترولية

وكان وزير الطاقة محمد البشير قد أصدر القرار رقم /844/ لعام 2026، القاضي بتشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية، وذلك في إطار تعزيز الحوكمة والشفافية في آليات التسعير، ومواكبة المتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية ذات الصلة بقطاع الطاقة والثروات المعدنية.

وتضم اللجنة ممثلين عن عدد من الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية، برئاسة معاون وزير الطاقة لشؤون النفط “غياث دياب”، وعضوية ممثلين عن وزارات المالية والاقتصاد والصناعة، ومصرف سوريا المركزي، إضافة إلى الجهات المختصة في قطاع النفط والثروة المعدنية.

وتتولى اللجنة دراسة أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية في ضوء المعطيات والعوامل المؤثرة في أسعارها محلياً ودولياً، بما في ذلك الأسعار العالمية والتكاليف وسعر صرف الليرة السورية وآليات الدعم وغيرها من المؤشرات ذات الصلة، وتعمل أيضاً على وضع الأسس والمعايير اللازمة لتحديد الأسعار وتحديثها بشكل دوري.

إضافة لذلك تتولى اللجنة رفع التوصيات والمقترحات اللازمة إلى وزير الطاقة، وإعداد مشروع لائحتها التنظيمية؛ بما يضمن حسن سير أعمالها، وتحقيق الأهداف المرجوة منها.

وتعليقاً على ذلك، قال عبد الحميد سلات مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”: “يحمل قرار تشكيل اللجنة الدائمة لتحديد أسعار المواد البترولية والثروات المعدنية أبعاداً تتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يؤسس لمرجعية مؤسساتية واضحة في ملف التسعير، ويعزز الشفافية من خلال إشراك مختلف الجهات المعنية في دراسة العوامل المؤثرة واتخاذ التوصيات المناسبة”.

وأشار إلى أن “أحد أهم أهداف القرار هو الانتقال بملف التسعير من دائرة التوقعات والتكهنات إلى إطار مؤسساتي يعتمد على البيانات والمؤشرات الواقعية، بما يضمن أن أي قرار يصدر مستقبلاً يستند إلى دراسة متكاملة للمعطيات المحلية والعالمية”.

ووفق سلات، القرار يسهم في الحد من الإشاعات والمعلومات غير الدقيقة المتداولة حول أسعار المواد البترولية، عبر توحيد المرجعية الفنية المختصة بهذا الملف، وتعزيز وضوح الإجراءات أمام الرأي العام ووسائل الإعلام.

الثورة السورية – هاني كرزي

Exit mobile version