
تقنين ساعات التغذية بالكهرباء اليوم لا تفرضه الدولة السورية الجديدة، فالتغذية الكهربائية ومنذ شهرين تقريباً تغطي أغلب ساعات اليوم، وتصل إلى البيوت في مختلف المناطق السورية.
من أصل 24 ساعة تصل ساعات التغذية لحوالي 20 ساعة مقابل 4 ساعات قطع موزعة. إذاً «أين التقنين؟».
سريعاً تأتي إجابة السوريين بأنّهم أنفسهم يقننون الكهرباء، «عن سابق إصرار وتصميم»، وذلك بفصل القواطع تارةً، وإطفاء كل الأدوات الكهربائية والإنارة تارةً أخرى. فقيمة فاتورة الكهرباء بعد رفع الدعم تساوي 80% تقريباً من قيمة راتب الموظف.
إذاً يبدو أن قدر السوريون وسوريا هو تقنين الكهرباء بشكل طوعي أو إلزامي. فانقطاع التيار الكهربائي لم يعد طارئاً، وتفرضه الظروف مثل نقص الفيول واستهداف خطوط نقل التيار الكهربائي
فضلاً عن تبعات الحصار الاقتصادي، وهي الأسباب التي كان يطرحها النظام السوري السابق عندما كانت الكهرباء تصل إلى منازل السوريين 5 ساعات فقط من أصل 24 ساعة.
في سنوات الحرب تحوّلت الكهرباء في سوريا من حق بحد ذاته إلى قضية معيشية. ومن يريد اليوم أن يتنعم بالكهرباء سيضحي حتماً براتبه الشهري و«فوقه حبة مسك»، لأن الراتب الذي تعادل قيمته الوسطية مليون ليرة سورية، يساوي قيمة فاتورة الكهرباء، لو كانت متدنية، لعائلة تستهلك الطاقة بشكل معتدل.
أما العائلات التي تريد الاستفادة من المياه الساخنة والتدفئة الكهربائية، فتنتظرها «فاتورة سوداء»، وفقاً لتعبير السوريين المقيمين في سوريا، قد تبلغ ملايين الليرات السورية.
«ما متنا بس شفنا مين مات»، هذا ما يقوله محمد من أهالي مدينة طرطوس عند حديثه عن واقع الكهرباء في سوريا. الفواتير بقيمتها المعدّلة أو الجديدة لم تصل بعد إلى محافظته، وآخر دورة من الفواتير دفعها على التسعيرة القديمة.
لكن الدورة المقبلة ستكون على التعرفة الجديدة، والتي أرهقت جيوب أهالي دمشق وجعلت أصواتهم تعلو أمام وزارة الطاقة لإعادة النظر في سعر الكيلوواط ساعة الذي زاد 70 ضعفاً تقريباً عن التسعيرة التي اعتمدتها الحكومة السابقة قبل سقوط النظام.
وهذا الواقع يجعل أهالي المحافظات الأخرى ينتظرون «القدر المحتوم»، مع صدور الدورة الجديدة وأرقامها المليونية.
التبرير الرسمي لرفع التسعيرة!
على إثر سقوط النظام السوري السابق، انقطعت الإمدادات النفطية المرسلة من إيران بشكل كامل، ما وضع الإدارة الجديدة أمام واقع صعب لناحية قدرتها على تشغيل المعامل الحرارية وإنتاج الكهرباء.
فقد تبيّن أن هذا القطاع يسجّل خسائر تقارب ملياري دولار سنوياً، إضافة إلى فاقد في الشبكات، أي هدر تقني وغير تقني، يتجاوز نسبة 30% نتيجة التعدي على الشبكات وتهالك البنية التحتية.
كما أن سعر بيع الكيلوواط ساعة كان بحدود سنت واحد فقط، في حين أن تكلفة إنتاجه الحقيقية تصل إلى نحو 15 سنتاً.
في ظل هذه المعطيات، وجدت الدولة السورية أنّها لم يعد بإمكانها مواصلة نهج الدعم الشامل كما كان معمولاً به سابقاً، ليس بسبب غياب الإرادة، بل لانعدام مصادر تمويل بديلة قادرة على تغطية الفجوة نفسها.
فالمنظومة التي اعتمدت على النفط الإيراني شبه المجاني انهارت بسقوط الدولة السورية، ما يعني حكماً أنّ النموذج فقد قدرته على الاستمرار في ظلّ الواقع الجديد.
واليوم أي بديل للنفط الإيراني يحمل صفة مستثمر، والمستثمر يريد تحقيق الأرباح.
الحكومة الحالية بررت ارتفاع تسعيرة الكهرباء بأنها تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تحقيق توازن بين دعم الفئات ذات الدخل المحدود واستدامة الإمدادات الكهربائية، مع الحفاظ على العدالة في توزيع الكلفة بين القطاعات،
وتشير البيانات الرسمية إلى أن قرار تعديل التسعيرة يأتي استجابةً للضغوط الاقتصادية الكبيرة التي يتعرض لها القطاع، بسبب ارتفاع تكلفة الوقود من جهة وتراجع الإنتاج المحلي من الغاز من جهة ثانية، ما يتسبّب في خلق فجوة تمويلية كبيرة لدى الدولة.
وبحسب وزارة الطاقة، يُعدّ تعديل على فاتورة الكهرباء واحداً من أبرز الخطوات الإصلاحية في قطاع الطاقة السوري منذ سنوات، ويهدف إلى تعزيز الكفاءة، وتوسيع الاستثمارات في البنية التحتية، وتقليص الهدر التقني، ضمن خطة وطنية لإعادة بناء قطاع الكهرباء على أسس مستدامة.
لكن ردم الفجوة التمويلية وتعويض الفاقد جاء على حساب جيوب المواطنين السوريين، ما جعل التسعيرة الجديدة للكهرباء بمثابة عبء «يفقر الفقير» ويراكم ديونه.
بين النظامين السابق والحالي: كيف اختلفت التعرفة؟
سابقاً، كان الاستهلاك المنزلي من الكهرباء يحتسب على شكل عدّو شرائح:
الشريحة الأولى: من 0 حتى 600 كيلوواط، تبلغ تكلفة الكيلوواط ساعة 10 ليرات فقط.
الشريحة الثانية: من 601 إلى 1,000 كيلوواط، تبلغ تعرفة الكيلوواط ساعة فيها 25 ليرة سورية.
أما الآن، وبحسب التعرفة الجديدة للكهرباء في سوريا، اعتمد نظام شرائح متفاوتة وفق حجم الاستهلاك، إذ حُدد سعر الكيلوواط ساعة في الشريحة الأولى، أي الشريحة ذات الاستهلاك المنخفض بنحو 600 ليرة سورية.
وهذه الشريحة مدعومة بنسبة 60% من تكلفة الإنتاج. بينما ارتفع سعر الكيلوواط ساعة في الشريحة الثانية، ذات الاستهلاك الأعلى، إلى نحو 1400 ليرة.
أما الشريحة الثالثة، والخاصة بالمؤسسات الحكومية والتجارية، فقد بلغت نحو 1700 ليرة، في حين سُعّرت الشريحة الرابعة المخصصة للمعامل الكبيرة والصناعات الكبرى بنحو 1800 ليرة للكيلوواط ساعة، وهي الأعلى ضمن التعرفة المعتمدة.
على سبيل المثال، الأسرة المؤلفة من 3 على 5 أشخاص، والتي تسكن منزلاً عادياً تستهلك من 8 إلى 15 كيلوواط ساعة يومياً، أي ما يعادل 450 كيلوواط ساعة شهرياً على أكبر تقدير. تحتسب الفاتورة على الشكل التالي:
أول 300 كيلوواط ساعة ثمنها 600 ليرة سورية، أي تخضع للثمن المحدّد في الشريحة الأولى.
وما يتبقى من الاستهلاك، أي 150 كيلوواط، فتخضع لتسعيرة الشريحة الثانية، أي 1400 ليرة سورية.
ما يعني أنّ هذه الأسرة ستدفع شهرياً ما يعادل 400 ألف ليرة سورية. وبما أن الفاتورة تصدر عن كل شهرين، فالسوري يدفع قرابة 800 ألف ليرة من راتبه ثمن للكهرباء كلّ شهرين.
وهذه الفرضية التي تم تحليلها هي لأسرة تقنن في استهلاك الكهرباء وتقتصر في يومياتها على تشغيل الضروريات، ما يعني أنّها لا تنتمي لـ«نادي المرفهين» الذين يعمدون إلى تشغيل التكييف خلال ساعات اليوم، أو الطهي على «الطباخ الكهربائي».
ففي هذه الحالة تتجاوز قيمة الفاتورة المليون ليرة سورية.
الكهرباء للضرورة والطاقة الشمسية أكثر رواجاً
يقول زاهر أحد سكان العاصمة دمشق لـ«الأخبار» إنّه يمنع أفراد أسرته من تشغيل المدفأة الكهربائية، ويحدد يومين في الأسبوع لتشغيل سخان المياه بغرض الاستحمام،
أما الإنارة فتطفئ في كل المنزل عدا الغرف المشغولة، والأداة الوحيدة «المعفاة» من التقنين هو «البراد» لأنه من الضروريات.
هذه التعليمات عممها زاهر على عائلته على إثر تسديد أول فاتورة على التسعيرة الجديدة، وبلغت مليون و400 ألف ليرة سورية.
في المقابل، تتجه شريحة كبيرة من السوريين اليوم إلى الطاقة الشمسية، على الرغم من غلاء أسعارها بالنسبة إلى المداخيل في سوريا،
إذ تبلغ قيمة تركيب 4 ألواح مع بطارية وتمديدات أكثر من 1500 دولار أميركي، ما يجعل من هذا الحل بعيداً عن منال الموظف الذي لا تتجاوز قيمة راتبه 100 دولار شهرياً.
ولكن الحاجة دفعت بعدد من السوريين إلى بيع الذهب أو الاعتماد على المغتربين من أقربائهم لتجميع حوالات مالية على مدار عدّة أشهر وتركيب محطة طاقة شمسية منزلية،
والتي على الرغم من تكلفتها الباهظة بالنسبة للسوريين، لكنها أوفر بكثير من دفع فواتير كهرباء الدولة على المدى الطويل.
الأخبار- رماح إسماعيل













