تعاني مدينة حلب من تحديات خدمية وتنظيمية متراكمة، في ظل انتشار البسطات المخالفة وإشغالات الأرصفة وتراكم النفايات في عدد من الأحياء،
الأمر الذي دفع مجلس المدينة إلى إصدار قرار جديد يتضمن غرامات مالية مشددة على عشرات المخالفات، في محاولة لإعادة ضبط الفضاء العام وتحسين الواقع الخدمي.
وتملأ البسطات المخالفة مساحات واسعة من الشوارع والأرصفة، فيما يعرض عدد من أصحاب المحال بضائعهم خارج متاجرهم، ما يضيق حركة المشاة ويجبرهم على السير في الشوارع، معرضين أنفسهم لخطر الحوادث المرورية.
وفي الوقت نفسه، تواجه المدينة تحديات في قطاع النظافة نتيجة حرق النفايات ونبش الحاويات وإلقاء القمامة في غير الأماكن المخصصة، ما يؤدي إلى انتشار الأوساخ والروائح الكريهة والحشرات، ولا سيما مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
ودفع هذا الواقع مجلس المدينة إلى تكثيف حملات رش المبيدات الحشرية وزيادة وتيرة ترحيل النفايات، بالتزامن مع مطالب شعبية بإقرار إجراءات أكثر صرامة للحد من المخالفات،
وبعد دراسة استمرت فترة طويلة، أصدر المجلس قراراً جديداً يشمل مختلف المخالفات الخدمية والتنظيمية، مع فرض غرامات مالية تهدف إلى ردع المخالفين وتحسين المشهد الحضري في المدينة.
قرار شامل للمخالفات وردود مؤيدة
وبحسب ما أُعلن خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مجلس مدينة حلب في السادس من حزيران الجاري، يشمل القرار المخالفات التي تترتب عليها أعباء إضافية على المجلس،
مثل رمي القمامة خارج الأماكن المخصصة، وحرق النفايات، ونبش الحاويات، ورعي الأغنام في الحدائق والمرافق العامة، وإحداث الضجيج من قبل الباعة الجوالين، إضافة إلى الذبح خارج المواقع المخصصة لذلك.
كما يتضمن القرار مخالفات إشغال الأرصفة وإسالة المياه الناتجة عن تنظيف الأبنية السكنية والمحال التجارية والسيارات، وقد جاء ضمن عشرة مواد تفصيلية تحدد المخالفات والغرامات المترتبة عليها، بعد إعدادها من قبل لجنة مختصة.
وأكد محمد درويش، أحد سكان أحياء حلب القديمة، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أهمية القرار في الحد من المخالفات، ولا سيما في قطاع النظافة، مشيراً إلى أن الحفاظ على شوارع نظيفة يتطلب شراكة بين المواطنين والجهات الخدمية، خاصة مع ارتفاع مخاطر انتشار الأمراض خلال فصل الصيف.
وأضاف أن مجلس المدينة مطالب بتأمين الآليات والحاويات المناسبة لجميع الأحياء، موضحاً أن الحارات القديمة تعاني نقصاً في حاويات القمامة بسبب ضيق شوارعها وعدم قدرة آليات الترحيل الكبيرة على الوصول إليها، داعياً إلى توفير حاويات صغيرة يمكن تفريغها يومياً بواسطة آليات مناسبة.
ورأى أن المسؤولية تقع أيضاً على المواطنين من خلال الالتزام برمي النفايات في الأماكن المخصصة والامتناع عن حرقها لما تسببه من أضرار بيئية وصحية، مؤكداً أن نجاح القرار يعتمد على التطبيق الفعلي والرقابة المستمرة.
كما أيد تنظيم عمل البسطات عبر تخصيص أسواق ومواقع مناسبة لها، بما يحقق مصلحة أصحابها ويحافظ في الوقت نفسه على حق المشاة في استخدام الأرصفة.
المواطن شريك في التنظيم
من جانبه، أكد كرم المهندس، صاحب أحد المحال في منطقة السليمانية، لـ”الثورة السورية”، أهمية القرار في المرحلة الحالية، لكنه تساءل عن آلية تطبيقه ومدى قدرة الجهات المعنية على ضبط المخالفات التي أصبحت جزءاً من المشهد اليومي نتيجة سنوات من التراجع الخدمي.
وأشار إلى أن المرحلة تتطلب تغييراً في السلوك المجتمعي من خلال حملات توعية متواصلة، إلى جانب تطبيق حازم للمخالفات، لافتاً إلى أن المبادرات الفردية يمكن أن تسهم في تحسين الواقع الخدمي.
وأوضح أن عدداً من أصحاب المحال في المنطقة اتفقوا على دفع مبلغ أسبوعي لأحد العمال لتنظيف الشارع أمام محالهم بسبب تراكم النفايات التي يلقيها بعض السكان من شرفات المنازل، داعياً إلى التزام الجميع بالمحافظة على النظافة العامة.
وختم حديثه مطالباً اللجان المختصة بتطبيق القرار بحزم بما يسهم في تنظيم المدينة والارتقاء بخدماتها.
وعن دور الإعلام في المرحلة الجديدة، أكد مندوب مديرية الإعلام في حلب لمسار المشاركة المجتمعية محمود طلحة، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أهمية الإعلام في تعزيز الوعي المجتمعي وترسيخ الثقة بين المواطن والحكومة، ولا سيما في ظل المرحلة التي أعقبت سقوط النظام المخلوع وما رافقها من استعادة الشعور بالانتماء الوطني.
وأوضح طلحة أن المديرية تعمل على دعم هذه الحالة من خلال تعزيز التواصل بين المؤسسات الحكومية والمجتمع، مشيراً إلى أن الإعلام يؤدي دوراً محورياً في نقل هموم المواطنين وتحدياتهم اليومية، إلى جانب إيصال القرارات والخطط الحكومية للرأي العام بشفافية، بما يسهم في تعزيز المشاركة المجتمعية ودعم جهود تحسين الخدمات.
تطبيق حازم ولجان مشتركة
من جانبه، أكد عضو المكتب التنفيذي في مجلس مدينة حلب علي حلاق، في حديثه لـ”الثورة السورية”، أن المجلس عازم على تطبيق القرار بحزم، انطلاقاً من حرصه على تحسين الواقع الخدمي والتنظيمي في المدينة، مشيراً إلى أن أي إجراء يسهم في الارتقاء بالخدمات سيحظى بالدعم والتنفيذ وفق الإمكانات المتاحة.
وأضاف أن إعادة هيكلة الضابطة سبقت مصادقة محافظ حلب عزام غريب على القرار، حيث تحولت من ضابطة مركزية واحدة إلى خمس ضابطات لا مركزية تشاركية تضم مختلف الجهات المعنية، بما يعزز القدرة على متابعة المخالفات وتطبيق القرار بفاعلية.
وأشار إلى أن رفع قيمة الغرامات لا يهدف إلى تحقيق إيرادات مالية، وإنما إلى ردع المخالفين والحد من تكرار التجاوزات.
وبيّن أن القوانين تصدر عن مجلس الشعب، في حين يمنح قانون الإدارة المحلية رقم 107 مجالس المدن صلاحية إصدار قرارات تتعلق بفرض بدلات على المخالفات التي تترتب عليها أعباء وأضرار تلحق بالخدمات العامة.
كما أكد على أهمية تكامل جهود مجلس المدينة واللجان المحلية والمخاتير ولجان الأحياء، بما يسهم في الوصول إلى واقع خدمي وتنظيمي أفضل يليق بتاريخ مدينة حلب ومكانتها.
وفي الختام، يبقى نجاح القرار مرتبطاً بمدى جدية تطبيقه واستمرارية الرقابة الميدانية، إلى جانب تعاون المواطنين والجهات المعنية في الالتزام بالأنظمة الجديدة، بما يحقق بيئة أكثر تنظيماً ونظافة، ويعزز الجهود الرامية إلى استعادة الطابع الحضري لمدينة حلب والارتقاء بمستوى خدماتها.
الثورة السورية – راما نسريني
