يشتكي السكان في عموم محافظة درعا من شحّ المياه، نتيجة أعوام من الجفاف، إلى جانب الحفر العشوائي للآبار في معظم مناطق المحافظة، ما انعكس سلباً على حصة المواطن من المياه.
وهذا الشحّ في المياه قلّل حصة السكان بشكل كبير، إذ قال أحمد المقداد، من بلدة معربة في الريف الشرقي من المحافظة، لـ “العربي الجديد”، إنه يترقب ضخ المياه الذي يستمر لساعات قليلة فقط، ويتمكن في أفضل الأحوال من تعبئة ثلاثة خزانات، سعة كل واحد منها متر مكعب وأضاف: “قد يستمر انقطاع ضخ المياه لمدة 18 يوماً، وهذا الأمر بحد ذاته يتطلب الاقتصاد الشديد في المياه”.
ولفت المتحدث إلى أن سبب شح المياه يعود إلى الحفر الجائر للآبار، فضلاً عن 12 عاماً من الجفاف الذي مرت به المحافظة خلال السنوات الماضية. وأضاف: “عانى ريف درعا الشرقي من شح شديد وتراجع مستويات الهطول المطري، ما انعكس سلباً علينا وعلى الزراعة. وفي الوقت الحالي، تعد أزمة المياه أكثر ما نعانيه”.
من جانبه، أشار عبد العزيز الوادي، من مدينة نوى بريف درعا الغربي، في حديث إلى “العربي الجديد”، إلى أن المدينة، التي تتمتع بثقل زراعي كبير في درعا خصوصاً وسورية عموماً، وتعد أكبر تجمع سكاني في جنوب سورية، تواجه نقصاً حادّاً في مياه الشرب، بعد انخفاض حصتها من مياه محطة “وادي الأشعري” من نحو 350 متراً مكعباً إلى 120 متراً مكعباً يومياً، وفق المعطيات الرسمية.
وقال الوادي إن هذا التراجع في المياه سببه استنزاف المياه الجوفية المتواصل، نتيجة الانتشار الواسع للآبار المخالفة، ولا سيما في مناطق الريف الغربي، وسط غياب إجراءات فعالة وحاسمة للحد من عمليات حفر الآبار غير المرخصة وردم القائم منها. وتابع: “في حال بقي الوضع على ما هو عليه، سنواجه أزمة حقيقية يصعب علينا تحملها، نحن نريد حلولاً حقيقية وأن تتحرك الجهات المعنية للحد من كارثة حقيقية قادمة”.
وتابع الوادي، المطلع على واقع المياه في المنطقة، أن الحديث عن مغادرة الأهالي مناطقهم بسبب شح المياه غير صحيح”، موضحاً: “هذا تحذير من أن استمرار استنزاف المياه الجوفية بهذه الطريقة، وعدم طرح حلول مجدية، سيجعلان الهجرة إلى مناطق تتوافر فيها المياه أمراً لا بد منه”. ولفت إلى أن مشكلة حفر الآبار تفاقمت خلال سنوات الثورة السورية ضد نظام الأسد، إذ بدأت حينها عمليات الحفر العشوائي للآبار.
ووفق المهندس عبد الحميد المسالمة الخبير في الموارد المائية، فإن حوض اليرموك الممتد على 5750 كم² يتكون من حاملين رئيسيين، وهما حامل سطحي/بازلتي تعتمد عليه معظم الآبار والينابيع، وحامل كلسي عميق (على عمق 400 إلى 1300 متر) هو الوحيد الذي تتسرب منه المياه نحو الجولان المحتل بحوالي 110 ملايين م³ سنوياً، مما ينفي الشائعات حول تسرب مياه الينابيع السطحية للمناطق المحتلة.
وشدد الخبير على أن السبب المباشر للجفاف الذي زحف من الغرب باتجاه الشرق ليس التغير المناخي أو تراجع الأمطار، بل هو الفساد والانتشار العشوائي الكثيف للآبار. كما يوضح أن منطقة اللجاة ليست بحراً لا ينفد، ورغم تميزها بأنها “إسفنجة بازلتية”، شهدت هبوطاً بـ 30 متراً في منسوبها بسبب الاستجرار القسري للآبار المجاورة، وتعتبر مجرد حل إسعافي لتأمين مياه الشرب.
وأكد الخبير في بودكاست له مع محافظة درعا، أن حلول تشميع الآبار أو تركيب العدادات أثبتت فشلها تاريخياً لسهولة التلاعب بها وإزالتها من قبل الأهالي، وأن الحل القطعي الوحيد هو الردم التام للآبار المخالفة؛ فالردم وإن كان لن يعيد الينابيع إلى سابق عهدها، يبقى الإجراء الوحيد الكفيل بوقف تمدد الجفاف وحماية ما تبقى من آبار ومحطات الشرب.
وبشكل موازٍ، يطرح الخبير إمكانية التوسع في استثمار الحامل المائي العميق عبر حفر آبار بعمق 500 إلى 800 متر، بشرط أن يخضع ذلك لإشراف هندسي وحكومي دقيق لعزل الحوامل المائية وضمان عدم ضياعها، مع الالتزام التام بإغلاق الآبار السطحية العشوائية.
يذكر أن غزارة الينابيع في محافظة درعا تراجعت من 6786 متراً مكعباً في الساعة إلى 960 متراً مكعباً في الساعة، وفق ما بين أكد المهندس رياض المسالمة (مدير المؤسسة العامة لمياه الشرب في درعا) لصحيفة الثورة السورية، وهذا دفع إلى فرض نظام ضخ قسري يقوم على تشغيل المضخات لثلاث ساعات مقابل قطع لست ساعات أو أكثر.
عبد الله البشير
