اقتصادمحليات

شائعات الطاعون تهدد سوق الدواجن في سوريا

في وقتٍ تتسارع فيه الشائعات على منصات التواصل الاجتماعي، وتنتشر مقاطع مصوّرة لآلاف الطيور النافقة مرفقة بتسميات شعبية من قبيل “طاعون الدجاج”..

يجد قطاع الدواجن في سوريا نفسه في قلب عاصفة جديدة، لا تتعلق فقط بصحة القطيع، بل بثقة المستهلك وسلامة السوق في بلدٍ بات فيه الفروج والبيض من آخر مصادر البروتين الأقل كلفة.

خلال الأيام الماضية، تداول مربّون في ريف دمشق وحمص وحماة واللاذقية وأجزاء من حلب وإدلب روايات عن نسب نفوق مرتفعة في بعض المداجن، قال بعضهم إنها تجاوزت نصف القطيع في دورات محددة، ولا سيما في قطعان الفروج الصغيرة. كما تحدّث مربو الدجاج البيّاض عن تراجع ملحوظ في الإنتاج.

هذه الشهادات الميدانية، وإن بقيت متفرقة وغير موثقة بأرقام رسمية جامعة، كانت كافية لإشعال القلق في الأسواق المحلية، حيث شهدت بعض المناطق ارتفاعات متسارعة في أسعار الفروج والبيض، وسط مخاوف من نقص المعروض أو تفاقم المرض.

في المقابل، جاء الرد الرسمي حاسماً في نبرته؛ فقد نفى المدير العام للمؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، وجود أي إصابات خطيرة أو أمراض وبائية غير معتادة في القطاع،

مؤكداً لـ “العربي الجديد” أن الفرق البيطرية لم تسجل حالات اشتباه بأمراض مشتركة بين الإنسان والطيور، وأن الوضع الصحي للقطعان “مستقر ويقع ضمن الحدود الطبيعية للدورات التربوية”.

وأوضح حاج هاشم أن أمراضاً مثل “النيوكاسل” (شبه طاعون الدجاج)، والتهاب الكبد ذي الأجسام الاحتوائية (IBH)، ومرض “الجمبورو”، هي أمراض فيروسية معروفة ومتوطنة في قطاع الدواجن محلياً وإقليمياً،

ويتم التعامل معها عبر برامج التحصين الدورية والإجراءات الوقائية المعتمدة، مشدداً على أنها تصيب الطيور فقط ولا تنتقل إلى الإنسان.

وأكد أن المرض الوحيد المصنف عالمياً مرضاً مشتركاً بين الطيور والبشر هو “إنفلونزا الطيور” بسلالات محددة عالية الخطورة، مشيراً إلى عدم تسجيل أي إصابات بها في سورية.

هذا الموقف عززه نقيب الأطباء البيطريين، حسين البلان، الذي أكد خلو المحافظات السورية من أي أمراض فيروسية معدية للإنسان، داعياً إلى الالتزام بالقواعد الصحية العامة في حفظ اللحوم وطهوها بوصفها إجراءات وقائية روتينية لا علاقة لها بوجود تفشٍّ محدد.

غير أن المشهد ازداد ارتباكاً مع صدور تحذير صحي عن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، أشار إلى تسجيل إصابات بمرض “طاعون الدجاج” وقدّم إرشادات تتعلق بسلامة الغذاء، قبل أن يتم حذف التحذير بعد ساعات قليلة، مع إعلان أنه جاء نتيجة “لبس في المعلومات المتداولة” وأنه يُعد ملغىً إلى حين صدور توضيح رسمي من الجهات المختصة.

هذا التراجع السريع فتح باب التساؤلات حول آلية التنسيق بين الجهات المعنية، وأسهم في تعميق حالة الضبابية لدى الرأي العام، في ظل غياب بيان تفصيلي يشرح ملابسات ما حدث.

بعيداً عن البيانات الرسمية، ينقل مربو الدواجن صورة أكثر تعقيداً من داخل الحظائر. يقول عمر الطويل، وهو مربي دواجن في الغوطة بريف دمشق يعمل في هذا القطاع منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، إن ما شهدته بعض المداجن “لا يمكن وصفه بطاعون شامل، لكنه أيضاً ليس أمراً عابراً بالكامل”.

ويوضح لـ”العربي الجديد” أن الأمراض الفيروسية المعروفة، مثل النيوكاسل أو التهابات تصيب الصيصان في الأسابيع الأولى، قد تتفاقم مع تقلبات الطقس وضعف التهوية أو أي خلل في برنامج التحصين.

ويقرّ الطويل بوجود خسائر فعلية لدى بعض المربين، موضحاً أن نسب النفوق قد ترتفع فوق المعدلات الطبيعية في حال تأخر التشخيص أو العلاج، مما ينعكس مباشرة على رأس المال، “فالمربي يدفع تكلفة الأعلاف والمحروقات والأدوية مسبقاً، وأي نفوق مرتفع يعني خسارة شهر كامل من العمل”.

لكنه يعتبر أن الضرر الأكبر لم يكن صحياً بقدر ما كان نفسياً وسوقياً، إذ تراجع الطلب في بعض المناطق تحت تأثير الشائعات، وتعرض المربون لضغوط من التجار لخفض الأسعار عند الاستجرار، بينما بقي المستهلك يواجه أسعاراً متقلبة.

كان لتداول الشائعات حول نفوق الدواجن أو انتشار ما يُسمى بـ “طاعون الدجاج” أثر مباشر على حركة السوق المحلية، حيث شهدت بعض المناطق ارتفاعات مفاجئة في أسعار الفروج والبيض.

ويرى عضو لجنة مربي الدواجن في سورية، حكمت حداد، أن هذه الشائعات لا تؤثر فقط على الأسعار، بل تزيد من حالة عدم اليقين في السوق، مما يرهق القدرة الشرائية للمواطن ويضع المربين في موقف صعب بين التزامهم بالأسعار الحقيقية وبرغبة المستهلك في شراء المنتج بأمان.

وبذلك، تتحول الشائعات إلى عامل اقتصادي مضاعف، يرفع الأسعار أحياناً ويقلّص الأرباح في الوقت نفسه، رغم أن الوضع الصحي للقطعان لا يبرر هذه التقلّبات.

في السياق نفسه، يرى عضو لجنة مربي الدواجن في سورية أن جوهر المشكلة يكمن في ضعف الالتزام الكامل ببرامج التحصين نتيجة ارتفاع تكاليف اللقاحات وصعوبة تأمينها أحياناً في الوقت المناسب.

ويقول لـ”العربي الجديد”: “إن أي خلل في جدول اللقاحات يضعف مناعة القطيع ويجعله أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الموسمية المعروفة”، مشيراً إلى أن الظروف المناخية وتقلب درجات الحرارة، إضافة إلى انقطاع الكهرباء أحياناً، تؤثر سلباً في بيئة التربية.

ويحذر حداد من أن الفروج المستورد الذي يدخل البلاد مجمداً قد يكون أكثر عرضة للمشكلات الصحية في حال لم تُحترم شروط النقل والتخزين بدقة.

من جهته، أكد رئيس لجنة مربي الدواجن في اتحاد غرف الزراعة السورية، نزار سعد الدين، لـ”العربي الجديد”، أن الجولات الميدانية والرقابة البيطرية لم تسجل سوى إصابات طبيعية معتادة ضمن الحدود المعروفة في هذا القطاع، واصفاً الوضع الصحي بأنه “مطمئن ومستقر”.

واعتبر أن المنتج المحلي الطازج آمن للاستهلاك، داعياً إلى عدم الانجرار وراء الشائعات التي قد تدفع المستهلك نحو بدائل أقل وضوحاً من حيث المصدر وسلسلة التبريد.

بين شهادات ميدانية تتحدث عن نفوق وخسائر، وبيانات رسمية تنفي وجود وباء أو مرض مشترك مع الإنسان، تتبدى أزمة أعمق تتعلق بإدارة المعلومات في لحظة حساسة تمس الأمن الغذائي.

فحتى لو كانت الإصابات ضمن الإطار الموسمي المعروف، فإن غياب الأرقام الدقيقة وتضارب الرسائل الرسمية يفتحان الباب واسعاً أمام التأويل، ويحوّلان أي حادثة محدودة إلى قضية رأي عام.

وبحسب تقديرات وزارة الزراعة السورية، تراجع عدد منشآت الدواجن من نحو 12 ألف مدجنة قبل عام 2011 إلى ما يقارب 5300 منشأة عاملة حالياً، في ظل خروج أعداد كبيرة من المربين من السوق نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف والطاقة واللقاحات.

وعلى الرغم من ذلك، يُقدَّر إنتاج لحوم الدواجن بنحو 160 إلى 170 ألف طن سنوياً في السنوات الأخيرة، فيما يصل إنتاج بيض المائدة إلى قرابة 1.8 إلى ملياري بيضة سنوياً، مما يؤكد استمرار هذا القطاع بوصفه أحد الأعمدة الأساسية للأمن الغذائي.

أما الاستهلاك الفردي من لحوم الدواجن، فقد انخفض مقارنة بما قبل الأزمة ليستقر عند نحو 6 إلى 7 كيلوغرامات سنوياً للفرد، في مؤشر يعكس تراجع القدرة الشرائية أكثر مما يعكس تراجع أهمية المنتج في سلة الغذاء السورية.

العربي الجديد- نور ملحم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى