
وسط العاصمة دمشق، وعلى مقربة من حركة الأسواق اليومية، يواصل سوق يُعرف شعبياً باسم «سوق التنابل» حضوره بوصفه ظاهرة خدمية واجتماعية تعكس تحوّلات واضحة في أنماط العيش والعمل.
سوق قد يبدو للوهلة الأولى تفصيلاً بسيطاً في المشهد الاقتصادي، إلا أنه في الواقع يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بالوقت والجهد، والفروقات الطبقية، وأشكال التكيّف مع ضغوط الحياة المتزايدة.
في سوق الشعلان بمدينة دمشق، يقف أبو لؤي شاغوري في دكانه الصغير، يرتّب بعناية الخضروات المقشّرة والمقطّعة إلى جانب بعضها على أحد الرفوف، ثم يمسك بعد ذلك عدة أوراق كتب عليها سعر كل سلعة على حدة، ويبدأ بتوزيعها فوق الخضروات الجاهزة للطهي والطازجة.
وسُمّي سوق «التنابل» بهذا الاسم منذ أكثر من خمسين عاماً، في إشارة رمزية إلى كسل الزبائن أو عجزهم عن تقشير الخضروات وتقطيعها أو حفرها وحشوها،
غير أن السوق، بحسب ما أفاد أبو لؤي لصحيفة “الثورة السورية”، يقدّم خدمات مهمة للنساء اللواتي يجمعن بين العمل الوظيفي من جهة، والأمومة ومسؤوليات المنزل من جهة أخرى.
وأضاف: «اسم سوق التنابل ظهر في البداية على سبيل الدعابة، ثم شاع بين الناس وحمل السوق هذا الاسم حتى اليوم، لكنه في الحقيقة يقدّم خدماته للأهالي الذين يمرّون بظروف طارئة وضرورية، ويوفّر على الأم العاملة وقتاً وجهداً كبيرين».
أسعار متفاوتة وخيارات متعددة للزبائن
لا يقتصر السوق على بيع الخضروات المغسولة والمقشّرة والمحفورة، مثل الكوسا والبطاطا والباذنجان، إضافة إلى البقدونس المفروم،
إذ يبيع تجّاره أيضاً خضروات الشوربات من الجزر والكوسا والبطاطا والبازيلاء وغيرها، مفرومة ومعبأة معاً في الكيس نفسه، حتى الثوم والبصل يُباع كل منهما مقشّراً ومفروماً بالطريقة التي تناسب كل وجبة.
ولا تقتصر حركة الشراء في السوق على النساء فقط، إذ يقصدُه أيضاً عدد كبير من الشباب وطلاب الجامعات لشراء مستلزمات طبخهم اليومية، كما أوضح محمد السعدي، أحد العاملين في السوق.
وأكد السعدي أن الأسعار تناسب شريحة واسعة من الزبائن، قائلاً: «على سبيل المثال، يصل سعر كيلو الكوسا غير المحفور إلى 15 ألف ليرة، بينما يبلغ سعر الكيلو المحفور نحو 20 ألف ليرة».
وعن الأيدي الخفية التي تقف خلف تجهيز الخضروات من تقشير وتقطيع وحفر وتقديمها للباعة، قال السعدي: «هناك ورشات نسائية تعمل على تجهيز الخضروات لنا بهذا الشكل، وجميع العاملات فيها نساء يحتجن إلى دخل مادي يساعدهن على تأمين احتياجاتهن».
وأكد لصحيفة “الثورة السورية” أن هذه النساء يتقاضين أجوراً زهيدة لا تتناسب مع حجم الجهد المبذول ولا مع احتياجاتهن المعيشية.
ويرى البعض أن هذا السوق يعكس الفروقات الطبقية في دمشق، ولا سيما في ظل وجود نساء يعملن لساعات طويلة مقابل أجور بسيطة، في مقابل نساء أخريات يشترين خضروات منازلهن جاهزة للطهي، دون الاكتراث بفارق السعر.
هذا ما عبّرت عنه غصون، إحدى السيدات العاملات في تجهيز الخضروات، قائلة: «في ورشتنا يعمل رجال أيضاً، ويتولى كل واحد منهم مهمة مختلفة، مثل حفر الكوسا وتقشير الثوم وفرز البامية وتقطيع البصل وغيرها، إذ إن كثيراً من هؤلاء الرجال لم يجدوا عملاً آخر في دمشق يؤمّن لأسرهم وأطفالهم لقمة العيش، ولا سيما خلال سنوات البطالة الأخيرة في عهد النظام البائد وشحّ الفرص وقلّتها».
من جهته، يرى علي زين العابدين، أحد زبائن سوق التنابل، أن الخدمات التي يقدمها السوق ليست موجّهة لطبقة الأثرياء فقط، مضيفاً: «هناك فرق بسيط في السعر بين الخضروات الموجودة في السوق التقليدي والخضروات هنا في سوق التنابل، ما يجعلني أفضّل شراءها لتخفيف التعب عن زوجتي».
وبحسب متابعات السوق، فإن فارق السعر بين السوق التقليدي وسوق التنابل قد يصل إلى ما بين نصف دولار ودولار واحد في الكيلو الواحد، تبعاً لنوع المنتج وطريقة تجهيزه والوقت الذي يستغرقه العمل عليه، وهو فارق يراه علي زين العابدين مناسباً،
في حين ترى أم فؤاد، وهي زبونة للسوق التقليدي في دمشق، أن هذا الفارق يشكّل عبئاً إضافياً على ميزانية الأسرة.
وقالت : «فرق دولار واحد في كل كيلو يمكن أن يغيّر ميزانية طبخة كاملة، فأسرتي تستهلك نحو خمسة كيلوغرامات في الوجبة الواحدة، أي خمسة دولارات فرق في السعر، وليس بمقدوري دفع هذا المبلغ يومياً مقابل شراء كوسا محفورة، رغم أنني معلمة وأعاني في أغلب الأوقات من ضيق الوقت، لكن رواتبنا لا تسمح بمثل هذه الرفاهية».
بين مستفيد من خدماته ومحتاج إلى فرص عمل فيه، تتباين آراء السوريين حول سوق التنابل، رغم قدمه، بين من يراه أسلوباً من أساليب الترف، ومن يعتبره وسيلة عملية لتنظيم الوقت وتخفيف أعباء الحياة اليومية.
الثورة السورية – عُلا المصري













