سجن تدمر.. من رصاص المجزرة إلى ذاكرة الناجين

في صباح السابع والعشرين من حزيران سنة 1980، ملأ رصاص الإعدام الميداني، الذي أطلقته بنادق عناصر سرايا الدفاع، مهاجع وباحات سجن تدمر الصحراوي، السجن الأول لمعتقلي الرأي السياسي في سوريا بتلك الفترة.

وفي حين كان المعتقلون العزل يواجهون الموت، كان آخرون في المهجع رقم 17 يسمعونه، يسألون بعضهم البعض بهلع عما يجري خارج جدران مهجعهم، وفي داخلهم هلع أشد من الطريقة التي سيعرفون فيها الإجابة.

وبينما كانت أصوات الرصاص والقنابل القريبة، تتداخل معها أصوات استغاثات المعتقلين في الخارج، لم يكن معتقلو المهجع 17 يعلمون أنهم أصبحوا الشاهدين الوحيدين على واحدة من أفظع المجازر التي ارتكبها النظام البائد بواسطة عناصر سرايا الدفاع،

وأن نحو 1000 معتقل أعزل غيرهم قد لقوا مصرعهم في هجومين بأقل من ساعة بذريعة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، حسب ما يؤكده تقرير لمنظمة العفو الدولية صدر في الـ 18 من أيلول 2001 و”رابطة الناجين من سجن تدمر”.

لحظة الإبادة

في الهجوم الأول، أخرج عناصر سرايا الدفاع المعتقلين بانتظام شديد إلى الباحات ذات الأرقام 1 و2 و3 في السجن، واعتاد المعتقلون أن يذعنوا لأوامر السجانين بأقصى درجات الوداعة، خوفاً من أن يثير أي تردد عندهم غريزة البطش لدى السجانين الذين كانوا يختلقون الأسباب اختلاقاً كي يمعنوا في تعذيبهم.

وأراد عناصر سرايا الدفاع من ذلك الخروج المنظم، التأكد من أن جميع المعتقلين في المهاجع المجاورة تجمعوا في الباحات الثلاث، لفتح النيران عليهم في لحظة فوضى واحدة، يخافون فيها من أن يبدي المعتقلون العزل أي شكل من المقاومة.

ورغم ذلك، استطاع بعض المعتقلين الهروب والاختباء في المهجع رقم 4 و5 قبل أن تدركهم بنادق عناصر السرايا وتلحقهم بالمئات الذين قضوا في الباحات الثلاث الأولى،
ثم عمد عناصر السرايا إلى التمشي بين الضحايا يقلبون ما تراكم منهم، ومن سُمع له صوت أو لوحظت له حركة أو بقية من حياة أجهزوا عليه برصاص بنادقهم.

“اليوم ستقاتلونهم في أكبر وكر لهم، وهو سجن تدمر، من لا يريد قتالهم؟” بهذه الكلمات وصف متزعم المجزرة الميداني المجرم معين ناصيف لعناصره “المهمة” التي أرسلوا فيها.

ففي غمرة الإبادة، استُثني المهجع 17 – وكان في ذلك إرجاء وتنفيذ مؤجل لموتٍ بطيء ومحقق – من الاستهداف لضمّه معتقلين من خلفيات أخرى خارج أوامر العمليات،

إذ كانت عناصر سرايا الدفاع ترى أن الذهاب بالعتاد الكامل لقتل 1000 معتقل أعزل مواجهة عسكرية حقيقية، أمام عدو محدد، حُشدت له أقصى القدرات الأمنية والتعبوية.

قبل أن يمطره الرصاص

وتحت وطأة هذا التوجس المبطن وتفادياً لأي محاولات اختباء أخرى كالتي حدثت في الهجوم الأول، غيّر عناصر السرايا أسلوب التنفيذ في الهجوم الثاني؛ فاقتحمت مهاجع الباحات 4 و5 و6 مباشرة وعمدت إلى حصر المعتقلين في صدورها وإعدامهم جماعياً في الداخل لشلّ حركتهم تماماً.

وفي المهجع الأخير، قرر أحد المعتقلين أن يدافع عن لحظته الأخيرة بنفسه، عندما تسلل إلى دورة المياه القريبة من المهجع، فباغت أحد عناصر السرايا وهو إسكندر أحمد وتمكن من قتله بسلاحه، قبل أن يمطره بقية عناصر السرايا بوابل من رصاص بنادقهم.

وعقب خمود النيران، بدأت عملية تفريغ المكان من بقايا الوجود الإنساني، وكان ثمة ناجون يرزحون تحت ركام الجثث المتكدسة، وأُلقي بهم في سيارات شحن من نوع “قلاب” كأنقاض هامدة،

ليُساق أولئك الذين نجوا مؤقتاً بكامل وعيهم وفزعهم، ويُدفنوا أحياءً مع الموتى تحت تراب مقبرة جماعية في وادٍ يقع شرقي منطقة تدمر، وفقاً لما يوثقه كتاب “المجزرة المستمرة” الصادر عن دار النذير عام 1984.

ساعات قبل المجزرة

وفق الاعترافات التفصيلية التي أدلى بها عنصرا السرايا المشاركان في المجزرة علي إبراهيم فياض وأكرم علي جميل بيشاني، والموثقة عبر مذكرة مقدمة من بعثة المملكة الأردنية إلى رئيس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في الـ 4 من آذار 1981، ويؤكدها تقرير منظمة العفو،

بدأ التحضير للمجزرة في تمام الساعة 3:30 صباحاً بتجمع عناصر اللواءين 40 و138 لدى سرايا الدفاع (التابعة للمجرم رفعت الأسد) في مطار المزة القديم بدمشق، لتقلع الطائرات المروحية في الخامسة صباحاً تحت قيادة أركان اللواء 138، وتصل إلى مطار تدمر في السادسة صباحاً.

وبينت اعترافات العنصرين أن المجزرة كانت قد تمت في هجومين؛ في الهجوم الأول وفور إعطاء إشارة البدء، فتح عناصر السرايا المقتحمة نيران أسلحتهم لتصب وابل حممها على المعتقلين العزل في باحات السجن، وفي الهجوم الثاني، انتقل العناصر إلى داخل المهاجع لإطلاق النار مباشرة على السجناء.

وبين العنصران في ختام اعترافاتهما أن الطائرات المروحية نقلت المجموعات المنفذة إلى مطار المزة بدمشق في تمام الساعة 12:30 ظهراً، بعد المجزرة.

سلسلة من العنف الممنهج

يؤكد رئيس فرع رابطة الناجين من سجن تدمر في حمص والناجي والمعتقل السابق محمد باسل محرم وعضو الرابطة والناجي والمعتقل السابق خلدون جميل المدور في حديثهما لـ سانا، أن مجزرة سجن تدمر الكبرى لم تكن حدثاً معزولاً، بل شكلت حلقة ضمن منهجية سياسية وعسكرية ممنهجة اتبعتها سلطة البعث القائمة على احتكار الصلاحيات والمؤسسات كافة،

وتجلت هذه المنهجية بشكل بارز في توظيف الأدوات التشريعية لتصفية المعارضين؛ حيث استصدر “مجلس الشعب” في السابع من تموز سنة 1980 تشريعاً يقضي بإنزال عقوبة الإعدام بحق كل من ينتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين، ما شكّل غطاءً مؤسساتياً للممارسات الأمنية الميدانية.

وسبق هذا الإجراء تحركات عسكرية واسعة على الأرض، تمثلت في تنفيذ مجزرة حماة الأولى في الفترة الممتدة بين الـ 5 والـ 12 من نيسان عام 1980، حيث جرى تمشيط المدينة بواسطة فرقة مدرعة كاملة مدعومة بكتيبتين عسكريتين.

وفي إطار هذا السياق الممنهج، ركزت حملات الاعتقال على استهداف أعيان المدن السورية وشخصياتها العامة والفاعلة، والذين اقتيدوا إلى سجن تدمر العسكري واستشهدوا في المجزرة الكبرى، ما يوضح أبعاد المخطط الرامي إلى تصفية النخب المجتمعية بآلية نسقية ومدروسة.

الأدب كأرشيف بديل

لم تفلح عقود التعتيم الممنهج في طمس الحقيقة؛ إذ انبعثت من عتمة الزنازين صرخات الضحايا، لتتحول إلى أدب وثائقي حي يروي، بأسلوب قصصي دامٍ، فظائع السجن الصحراوي.

ففي رواية “القوقعة”، يسرد الكاتب مصطفى خليفة بجرأة تقشعر لها الأبدان يوميات الاختناق والتعذيب الممنهج، واصفاً كيف يتقوقع الإنسان داخل ذاته هرباً من سادية الجلاد وحفلات الموت اليومي، ولم تكن شهادة محمد برو في كتابه “ناجٍ من المقصلة” أقل وطأة،

إذ تحولت الكلمات فيه إلى مرآة توثق اللحظات الرهيبة التي تلت المجزرة، مجسدةً واجب الناجين المقدس في غسل دماء رفاقهم من الجدران لتظل الجريمة محفورة في ذاكرة الأجيال،

ومن شقوق تلك الجدران الصامتة، نسج الشاعر فرج بيرقدار في “خيانات اللغة والصمت” ترانيم من الألم والصمود، محولاً لغة الأسر والقصيدة إلى سلاح يكسر طوق التعتيم الذي حاول الاستبداد فرضه لـ 54 عاماً.

وفي ظل غياب الأرشيف الرسمي والوثائق الحكومية الممنوعة، لم تعد هذه الأعمال مجرد نصوص روائية متخيلة، بل قامت مقام الوثيقة التاريخية والأثر القضائي الصلب، لقد تحول هذا الأدب إلى صك إدانة قانوني وتأريخ بديل ينقذ الحقيقة من النسيان، ويعيد للشهداء أسماءهم وملامحهم، مؤكداً أن الكلمة الحرة أبقى من أرواح الجلادين.

من إسطبل الانتداب إلى ذاكرة الرعب

وكانت “رابطة الناجين من سجن تدمر” نظمت في الواحد والعشرين من شهر تشرين الثاني عام 2025، زيارة توثيقية إلى موقع السجن العسكري في البادية السورية، وذلك في إطار الجهود المستمرة لتوثيق الذاكرة التاريخية وحفظ شهادات الناجين والمعتقلين السابقين.

وتأتي هذه الفعالية بهدف تسليط الضوء على الحقب الزمنية المتلاحقة للموقع، ورصد التحولات التاريخية والانتهاكات التي شهدها المعتقل على مدى العقود الماضية.

ويعد سجن تدمر، الذي تلاشت جدرانه في تفجير عام 2015 على يد عناصر تنظيم داعش الإرهابي، أحد أبشع الرموز التاريخية للقمع والوحشية في العالم.

وتعود جذور هذا المعتقل إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حيث أنشأته قوات الانتداب الفرنسي ليكون مجرد إسطبل للخيول، قبل أن تحوله سلطة البعث في الستينيات إلى سجن عسكري.

على مدى عقود، تحول المكان من موقعه البدائي في قلب الصحراء إلى مسرح لأفظع الانتهاكات والمجازر الممنهجة ضد المعارضين السياسيين لنظام الأسد البائد،

لكن المجزرة لم تقتل من ماتوا فقط، بل لاحقت من نجوا منها أيضاً، وبقيت آثارها عالقة في ذاكرة الناجين كأن السجن لم يغادرهم، حتى بعد أن غادروه.

سانا

Exit mobile version