محليات

سجاد حلب اليدوي.. أنامل حرفيين تحفظ تراث الآباء والأجداد

داخل ورشات صغيرة تفوح منها رائحة الصوف والأصباغ القديمة، يواصل حرفيون في مدينة حلب، شمال سوريا، التمسك بصناعة السجاد اليدوي، في محاولة للحفاظ على مهنة تاريخية تراجعت بشدة خلال سنوات الحرب والهجرة وتغير أنماط الحياة.

رغم تقلص عدد العاملين في هذه الحرفة إلى بضعة أشخاص فقط، ما تزال أصوات أدوات النسيج والترميم تتردد داخل بعض أحياء المدينة القديمة، حيث يحاول الحرفيون إبقاء هذا التراث التقليدي حيًا للأجيال القادمة.

ويعد السجاد الحلبي من أبرز الصناعات اليدوية التي اشتهرت بها المدينة تاريخيا، سواء عبر حياكة السجاد اليدوي أو ترميم القطع القديمة ذات القيمة الفنية والتراثية.

ويقول الحرفي عمر رواس (45 عاما) إنه أخذ المهنة عن والده وجده، وبدأ العمل فيها منذ كان في العاشرة من عمره، معتبرا أن صناعة السجاد ليست مجرد وسيلة للرزق، بل جزء من الهوية الثقافية لمدينة حلب.

وأضاف في حديث مع الأناضول: “هذه المهنة تحتاج إلى صبر طويل ودقة ومهارة، وهي تمثل جزءًا مهمًا من تراث المدينة”.

وتُعد حلب تاريخيًا واحدة من أبرز المدن السورية في الصناعات الحرفية التقليدية، إذ اشتهرت عبر قرون بصناعة النسيج والسجاد والأقمشة اليدوية، وكانت أسواقها القديمة تستقطب تجارا وزبائن من داخل سوريا وخارجها.

وطأة الحرب

ويشير رواس إلى أن عدد العاملين في هذه الحرفة كان أكبر بكثير قبل الحرب، إذ كانت الورش تضم ما بين 40 و50 حرفيًا، بينما لم يبقَ اليوم سوى بضعة أشخاص يواصلون العمل فيها.

ويوضح أن بعض الحرفيين غادروا البلاد خلال سنوات الحرب، فيما اضطر آخرون إلى ترك المهنة بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، بينما توفي عدد منهم خلال السنوات الماضية.

ورغم ذلك، يحاول رواس نقل خبرته إلى أبنائه وأبناء إخوته، خشية اندثار هذه الحرفة التقليدية.

ويقول: “إذا لم تنتقل المهنة إلى الجيل الجديد فستختفي تدريجيًا”.

ويدعو الجهات المعنية بالثقافة والسياحة إلى إيلاء اهتمام أكبر بصناعة السجاد التقليدي، معتبرًا أن الحرفة تحمل قيمة ثقافية وتاريخية تتجاوز بعدها التجاري.

ويضيف أن ازدياد اهتمام بعض الشباب بالمجال خلال الفترة الأخيرة يمثل “مؤشرًا إيجابيًا ومصدر أمل لاستمرار المهنة”.

إحياء الذاكرة

ولا يقتصر عمل الحرفيين في حلب على صناعة السجاد الجديد، بل يشمل أيضًا ترميم القطع القديمة والمتضررة، وهي عملية تتطلب خبرة دقيقة وصبرًا طويلًا.

ويوضح رواس أن أعمال الترميم تبدأ بتنظيف السجاد ومعالجته من الحشرات أو التلف الشديد، ثم غسله وإعادة نسجه وترميمه بحسب نوع النسيج وحجم الضرر.

ويشير إلى أن بعض الأضرار يمكن إصلاحها بسهولة، بينما تحتاج القطع الأكثر تضررًا إلى وقت طويل وجهد مضاعف، إذ تختلف طريقة العمل من سجادة إلى أخرى بحسب حالتها ونوع النسيج المستخدم فيها.

ويقول: “تعلمت خلال سنوات العمل أن الصبر أهم من أي شيء آخر، فمن لا يملك الصبر لا يستطيع النجاح في هذه المهنة”.

سجاد حلب اليدوي.. أنامل حرفيين تحفظ تراث الآباء والأجداد

مركز للترميم

ويستعيد رواس فترة ازدهار المهنة قبل الحرب، موضحًا أن ورشات حلب كانت تستقبل سجادًا قديمًا من أوروبا والولايات المتحدة ودول الخليج وعدد من الدول العربية بغرض الترميم والصيانة.

ويضيف أن الطلب الخارجي تراجع بصورة كبيرة بعد اندلاع الحرب في سوريا، وما رافقها من تدهور اقتصادي وصعوبات في الحركة والتصدير.

ويعرب عن أمله وأمل الحرفيين في أن تستعيد المهنة جزءًا من حضورها السابق رغم التحديات، وأن تحظى صناعة السجاد اليدوي باهتمام أوسع داخل سوريا وخارجها باعتبارها واحدة من الحرف التي تختزن ذاكرة المدينة وتاريخها الاجتماعي والثقافي.

ويأتي تمسك الحرفيين بالمهن التقليدية في وقت تحاول فيه مدن سورية، بينها حلب، استعادة نشاطها الاقتصادي والحرفي تدريجيا بعد سنوات الحرب، عبر إعادة إحياء الأسواق القديمة والمهن التراثية التي شكلت جزءا من هوية المدينة.

ويأمل العاملون في قطاع الحرف اليدوية أن تشكل مرحلة التعافي وإعادة الإعمار في سوريا فرصة لإحياء الصناعات التراثية، وتشجيع الأجيال الجديدة على تعلم المهن القديمة المرتبطة بتاريخ المدن السورية.

الأناضول

Related Articles

Back to top button