محليات

زقاق البرغل بدمشق.. من مطحنة القمح إلى التجارة الشعبية

من مطحنة القمح إلى التجارة الشعبية يقف “زقاق البرغل” كسجل حي لتاريخ مدينة دمشق وهو يتنفس روح التغير والتحول،

حيث حمل الزقاق على امتداد عقود طويلة رائحة القمح المطحون، وصوت الباعة الذين اتخذوه من مختلف المحافظات محطة لتجارة البرغل،

قبل أن يتحول تدريجياً إلى فضاء للتجارة المختلفة، وشاهد على التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي عصفت بدمشق وسوريا بأسرها في ستينيات القرن الماضي.

جغرافيا الزقاق وأهميته التاريخية

يقع زقاق البرغل في الجهة الغربية الوسطى من المدينة القديمة في دمشق، داخل السور التاريخي، وفي محيط الأسواق التقليدية وحي باب الجابية،

ويمثل جزءاً من شبكة الأزقة المتداخلة التي تربط بين أسواق المدينة وحاراتها، مانحاً إياها بعداً ديناميكياً يروي قصص الحياة اليومية لسكان دمشق عبر الزمن.

نواة الحياة الاقتصادية

كانت تجارة البرغل وفق السبعيني أيمن مهدي، هي العلامة التي ميزت الزقاق منذ نشأته، حيث كان الباعة يجلبون البرغل من طاحونة السجن القريبة لبيعه مباشرةً في الزقاق،

وكان البرغل في تلك الفترة سلعة أساسية في المائدة الدمشقية، يُطهى مثل الأرز ويُعد بديلاً مهماً عنه، وخصوصاً في الأوقات التي كانت ترتفع فيها أسعار المواد الغذائية.

” زقاق البرغل” لم يأتِ اعتباطاً، بل يعود وفق مهدي الذي تحدث لـ سانا إلى النشاط التجاري الذي اشتهر به المكان، حيث كان الباعة المتخصصون يقفون على جانبيه،

يصرخون بأصواتهم المميزة، يدعون الناس لشراء البرغل الطازج، وهو ما جعل الاسم يترسخ في ذاكرة الساكن والزائر معاً، كمرجع اقتصادي واجتماعي في دمشق القديمة.

التحولات الاجتماعية والاقتصادية

في العقود الأخيرة، ومع الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت على سوريا، شهد الزقاق تحولاً جذرياً في طبيعته التجارية،

فلم تعد تجارة البرغل وفق عادل العش، الذي أمضى عمراً في السوق هي النشاط السائد كما كان في السابق، بل اندفعت التجارة الشعبية إلى ركائز جديدة تتلاءم مع احتياجات الناس، أبرزها تجارة الملابس المستعملة والمعروفة بـ “البالة”.

وفق العش، انتشرت تجارة البالة في أنحاء دمشق، وفي زقاق البرغل بشكل خاص، حيث وجد الكثير من التجار في الزقاق موقعاً مناسباً لعرض بضائعهم من الملابس المستعملة بأسعار معقولة، تلبية لطلب السكان الذين يبحثون عن خيارات اقتصادية في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل العام.

ومع مرور الوقت، لم يقتصر الزقاق على تجارة البالة فقط، بل خرج عن هذا الإطار ليشمل أيضاً الملابس الجديدة بأسعار اقتصادية، ما شكل نوعاً من التنويع التجاري في السوق،

ورافق ذلك دخول وجوه تجارية جديدة، فبات الزقاق قبلة للباحثين عن خيارات اقتصادية متنوعة، ما جعله نموذجاً حياً لتحول الأسواق التاريخية التقليدية تجاه متغيرات العصر وفق ما أوضح العش.

الحِفاظ على الهوية العمرانية

لا يكتمل الحديث عن زقاق البرغل دون الإشارة إلى بواباته التاريخية العثمانية التي تحتفظ بسماتها المعمارية الأصيلة،

وهنا يوضح لنا الباحث في التراث الشعبي محي الدين قرنفلة، أنها تتألف من باب خشبي كبير مصفح بالصفائح والمسامير المعدنية،

وفي داخلها باب صغير منخفض يعرف باسم «باب خوخه»، الذي كان يُفتح لعبور الناس بعد إغلاق الباب الكبير في الليل أو في أوقات اضطراب الأمن.

هذه البوابة ليست مجرد مدخل، بل رمز يحافظ على شكل الحياة القديمة في دمشق، فهي تجبر المار على الانحناء عند المرور منها،

كما أنها لا تسمح لعبور أكثر من شخص واحد في الوقت نفسه، ما يعكس أساليب التنظيم الاجتماعي القديم، والمتطلبات الأمنية التي كانت سائدة في تلك الأزمان وفق قرنفلة.

امتاز الزقاق حسب قرنفلة منذ القدم بدوره التجاري المتخصص، وكان واحداً من الأسواق الصغيرة التي كانت تُعنى بسلعة واحدة أو حرفة معينة،

كما كان هو الحال في أسواق أخرى مثل “المناخلية” “السروجية” و”مدحت باشا”، حيث كان كل سوق يحمل شعاراً يميّزه داخل نسيج السوق الدمشقي القديم.

ويرى قرنفلة أن زقاق البرغل يشهد اليوم مرحلة تدمج ذاكرته التاريخية وحاضره المتجدد، حيث يمتزج وجود البيوت السكنية المنتمية إلى الطراز العمراني الدمشقي القديم، مع محلات عرض الملابس الاقتصادية،

وتتنوع البضائع المعروضة فيها بين القديم والحديث، لتتناسب مع مختلف الأذواق والقدرات الشرائية.

ويظل هذا الزقاق أكثر من مجرد سوق، فهو إرث يحكي تاريخ المدينة وتغيراتها، ويتحدث عن أصالة التجارة الدمشقية وتحديات العصر،

وعن قدرة الإنسان على التكيف مع متغيرات الحياة، محافظاً على جذوره وماضيه، ومتطلعاً إلى واقع يتجدد مع كل صباح جديد.

سانا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى